مخاض عسير لتشكيل الحكومة الانتقالية السورية.. ما أبرز التحديات التي تنتظرها؟

الحكومة الانتقالية

إرثًا استثنائيًا وثقيلًا من اقتصاد منهار لا يقوى على التعافي، ينتظر الحكومة الانتقالية التي يجري الآن تشكيلها من قبل “الإدارة الجديدة” في سوريا، في إطار إعادة بناء مؤسسات وأركان الدولة والانتقال بها إلى عهد جديد بعد زوال عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

ستجد الحكومة الانتقالية المنتظرة نفسها أمام تحدّي كبير يتمثل في إعادة بناء اقتصاد البلاد، بعد أن تسببت الحرب في انهياره، وبات الخراب عنوانه، فأصبحت معظم آبار النفط والغاز والطرق وشبكات الكهرباء والأراضي الزراعية في حالة من الدمار، وهو ما نتج عنه أن 90 بالمئة من سكان سوريا وجدوا أنفسهم في دائرة الفقر. 

تحديات يجب أن تؤخذ بالاعتبار

ثمة صعوبات وتحديات عدة ستجد الحكومة المرتقبة نفسها أمامها؛ بعضها داخلية وأخرى خارجية يتوجب عليها تخطيها جميعًا وتجاوزها حتى يتثنى لها تحسين حياة السوريين ودوران العجلة الاقتصادية.

سيتعين على الحكومة الانتقالية، التي أوشكت الرئاسة السورية المؤقتة على الانتهاء من تشكيلها، أن تأخذ بعين الاعتبار متطلبات إعادة الإعمار التي قدرها البعض بنحو 300 مليار دولار، إضافة إلى سياساتها الاقتصادية بأن تكون أكثر انحيازًا للمواطن السوري الذي تضرر من العهد السابق وتداعيات الحرب التي امتدت أكثر من عقد، فبعد 14 عاماً من النزاع، أصبح يعاني 9 من كل 10 سوريين من الفقر، وفقًا للتقديرات الأممية.

أدت فترة الحرب التي حمل فيها الأسد ونظامه السلاح ضد الشعب السوري، حتى استطاعت المعارضة بقيادة “هيئة تحرير الشام” الإطاحة به، إلى تراجع العديد من المؤشرات الاقتصادية للبلاد، من تراجع معدلات النمو، وتقلص قيمة الناتج إلى أقل من 8 مليارات دولار، بعد أن كان حوالي 61 مليار دولار تقريبًا في عام 2010.

المؤشرات الاقتصادية الحالية بشأن سوريا جعلت هناك ضرورة ملحّة لإيجاد حلول سريعة للوضع الراهن، فبحسب مدير برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في الدول العربية، عبد الله الدردري، إنّه لا يمكن سوى لـ”استراتيجية شاملة” تتضمن خصوصاً إصلاح الحكم وإعادة بناء البنى التحتية في البلاد أن تتيح لسوريا “استعادة السيطرة على مستقبلها” و”تقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية”.

 ملامح الحكومة الانتقالية

بحسب ما أفادت مصادر فإن الرئاسة السورية أكملت مشاوراتها لتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، لتتألف من 22 حقيبة وزارية غالبية وزرائها جدد.

التشكيلة الوزارية الجديدة تعتمد بالكامل على الكفاءة والتكنوقراط والاختصاصات المهنية من ذوي الخبرات، وأن معايير الكفاءة والخبرة أساس في تشكيلها دون إقصاء أصحاب الكفاءات والخبرات بناء على الانتماء العرقي أو الديني.

كما سيتم استحداث هيئات لتحل محل بعض الوزارات من بينها هيئة الإفتاء وهيئة الطيران وهيئة الاستثمار.

ومن المقرر أن تتولى الحكومة الانتقالية المنتظرة بناء مؤسسات سوريا الجديدة وصولا لمرحلة انتخابات حرة نزيهة، بحسب ما أكد الرئيس الانتقالي في أول خطاب له إلى الشعب بصفته رئيسا في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي.

أهداف “الإدارة الجديدة”

حددت “الإدارة الجديدة” في سوريا أهدافها خلال الفترة الانتقالية التي قدرها الرئيس بنحو خمس سنوات، توحيد الفصائل وتوفير الأمن وإدارة الخدمات، كما أكدت أن الهدف الرئيسي لها هو رفع حزمة العقوبات التي أثقلت حركة سوريا وقطعتها عن التجارة والاستثمار وعن الأموال التي تحتاجها لإعادة الإعمار. 

وتنتظر الحكومة الانتقالية مهام شاقة لإعادة إحياء النفط والغاز الذي كان قبل عام 2010 يوفر نصف عائدات سوريا، وترتبط هذه الخطوة بترميم ما تضرر من المرافق والأنابيب، ذلك بعد تسلم حقول النفط الواقعة في أراض تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية”، بعد أن وقّع الرئيس الانتقالي في العاشر من آذار/ مارس الجاري، اتفاقا مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي، يقضي بدمج القوات مع مؤسسات الدولة.

ستنشغل الحكومة المنتظرة أيضًا بجذب الشركات والمؤسسات الأجنبية ممن لديهم الموارد، لكن ذلك يرتبط بالقدرة على ضمان الأمن لهذه الشركات حتى يتثنى لها استثمار أموالها داخل سوريا، لذا لابد وأن يكون لديها قدرة على بناء الثقة والتي هي حجر أساس في جذب الاستثمارات وانطلاق رحلة إعادة الإعمار. 

في هذا السياق حدد خبراء جملة من التحديات التي من المنتظر أن تواجه الحكومة الانتقالية المرتقبة، والتي تتوزع بين القطاعات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل هواجس يأمل كل مواطن سوري الإجابة عليها من خلال الإعلان عن تشكيلة حكومية جديدة قد تلعب دورًا في سوريا الجديدة.

لماذا تأخر تشكيل الحكومة؟

الأكاديمي المختص بالعلاقات الدولية والمحلل السياسي، بسام أبو عبد الله، قال في حديث خاص لموقع “الحل نت“، إن هناك حالة من عدم الرضا الشعبي تجاه الإجراءات الحكومية التي اتُّخذت حتى الآن من جانب “الإدارة السورية” المؤقتة.

وأشار إلى أن الخطوات السابقة من “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي أنتج خلاصات عامة وليست تفصيلية في ظل تشكيك بمستوى التمثيل، ثم الإعلان الدستوري المؤقت الذي أطلق سُلطة فردية مطلقة بأن تكون السلطات كلها بيد رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع، تقود إلى شكل الحكومة الجديدة.

تشكيل الحكومة الجديدة تأجل منذ شهر يرجع إلى رفض أطراف عدة ممن عرض عليهم رئاسة تلك الحكومة الجديدة، وذهابهم إلى خارج سوريا، منهم على سبيل المثال رجل الأعمال أيمن الأصفري الذي رفض أن يكون رئيسا لحكومة تتبع إلى “رئيس الإدارة الانتقالية” دون منحه صلاحيات مطلقة.

الأكاديمي المختص بالعلاقات الدولية والمحلل السياسي، بسام أبو عبد الله

وأكد أن القضية ليست في تصور ما ستكون عليه هذه التشكيلة الحكومية الجديدة، ولكن كيف يمكن أن تتجاوز هذه الإدارة التعقيدات الداخلية والمطالب الخارجية، إضافة إلى صلاحيات تلك الحكومة وما إذا كانت ستتبع رئيس الإدارة المؤقتة أحمد الشرع، وما إذا كانت ستأتي لتنفيذ أوامره أم سيكون لديها صلاحيات لوضع رؤية لتجاوز تحديات كثيرة منها الاقتصادية الاجتماعية، خاصة وأن الشعب السوري بات مُرهقًا.

هذا وهناك توقعات بأن يتأخر تشكيل الحكومة الجديدة إلى ما بعد آذار/ مارس الجاري، نظرًا للأسباب ذاتها.

بناء الثقة

تحدٍّ جديد ظهر على الساحة السورية بعد المجازر التي ارتُكبت في الساحل السوري من جرائم ضد الإنسانية، والتي لا يمكن المسامحة بها، في وقت تحتاج فيه “الإدارة الجديدة” وحكومتها إلى بناء الثقة التي تمثل حجر الأساس، وفق تعبير الأكاديمي والمحلل السياسي.

وأفاد بأن المذابح والجرائم بالساحل السوري ارتُكبت على مرأى من العالم أجمع بالرغم من محاولات التغطية وتصدير الحدث على أنه ليس مهما، بينما هو حدث جوهري أدى إلى جرح وطني كبير بعد استهداف مكون أساسي من مكونات الشعب السوري، ما يهدد مصداقية تلك الإدارة والثقة فيها داخليًا وخارجيًا.

وقال إن هناك تحدٍّ آخر يتمثل في المقاتلين الإرهابيين الأجانب، الذي يركز عليه مجلس الأمن الدولي وكثير من الدول منها أميركا وروسيا والصين أيضًا، كشرط أساسي لمنح “الإدارة الجديدة” الثقة، وهو ما سيخلق مشاكل كثيرة لسوريا مستقبلًا حال استمرار وجودهم.

وبحسب “رويترز” فإن الولايات المتحدة سلّمت سوريا قائمة شروط تريد من دمشق الوفاء بها مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، منها ضمان عدم تولي أجانب مناصب قيادية في الحكومة.

وأوضح أن ما يسمى بـ “الجيش الوطني” الذي أنتجته “الإدارة الجديدة”، تقوده قيادات أجنبية مطلوبة دوليًا، بينما طالب بيان سابق لمجلس الأمن تفكيك هؤلاء الأجانب المُصنّفين كإرهابيين وإبعادهم عن السلطة، لكن على الرغم من ذلك فإن “الإدارة السورية” ما تزال تتجاهل هذه المطالب الوطنية وأيضًا الدولية.

تحديات اقتصادية واجتماعية

بيّن الأكاديمي والمحلل السياسي، أن “الإدارة السورية” المؤقتة ترى في هؤلاء الأجانب ضمانتها لأنهم يؤمنون بفكر جهادي وليس لديهم الفكرة الوطنية لإنشاء جيش وطني، مشيرًا إلى أن الرئيس المؤقت أحمد الشرع اعترف في السابق أنهم يشكلون 30 بالمئة من “هيئة تحرير الشام” المصنّفة كتنظيم إرهابي بما في ذلك وزير خارجيته أسعد الشيباني.

وتساءل كيف يمكن لهذه الإدارة التوفيق بين تشكيل حكومة وطنية وتركيبة “جيش وطني” تكون مسؤوليته الدفاع عن السوريين وليس قتل المواطنين السوريين في منازلهم؟.

هناك حالة من عدم التفاؤل بشأن تشكيل حكومة جديدة، خاصة وأن السلطة الحالية لا تزال تحت الرقابة الدولية وما تزال هناك محاولات تهرب من استحقاقات لا تستطيع تلبيتها لأسباب ترتبط ببنيتها الأيدلوجية، ولأن هؤلاء الأجانب يشكلون عصبا أساسيا فيما يسمى بـ “هيئة تحرير الشام”.

الأكاديمي المختص بالعلاقات الدولية والمحلل السياسي، بسام أبو عبد الله

وأكد على أن الحكومة المنتظرة سوف تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة، وبينما البعض قد يبرر لإدارة “الشرع” أنها أمام تحديات كبيرة، لكنها لم تتصرف على أساس وطني بممارستها القتل بحق مواطنين سوريين تحت عنوان مواجهة الفلول، وكذلك فصل آلاف الموظفين، وهو ما يعكس عدم وجود رغبة لبناء وطن جديد جامع لكل السوريين، وأن هذه الإدارة المؤقتة ليس لديها قدرة على الخروج من خلفيتها الجهادية.

واختتم حديثه قائلًا: “ننظر لنرى الوزارات السيادية ستكون بيد من، وما هي صلاحيات هذه الحكومة وما إذا كانت ستستطيع إزالة العقبات الموجودة خاصة الأمنية والعسكرية، وهل ما ستستمر الإدارة الجديدة وفقا للمصالح الخاصة بالتمسك بالحكم والسلطة وليست المصلحة الوطنية”، في إشارة منه إلى أن الإجابة عن تلك الأسئلة هي ما ستحدد ما يؤول له الواقع السوري مستقبلًا.

مشاركة كافة المكونات السورية

فيما رأى المحامي السوري، محمود مرعي، في تصريحات خاصة لموقع “الحل نت”، أن “الإدارة الجديدة” في سوريا عليها أن تشرك كافة المكونات السورية الأقلية والطائفية والمذهبية في هذه الحكومة المنتظرة، إضافة إلى إبعاد دور الأجانب خاصة في وزارتي الداخلية والدفاع، بعد أن تم تعيين شخصيات غير سورية فيهما، وحصولهم على رُتب عسكرية ما يعيق عمل الحكومة والإدارة الجديدة.

وأضاف أن “الإدارة الجديدة” في حاجة إلى إدخال ومشاركة رجال الأعمال في هذه الحكومة من رجال أعمال اقتصاديين وصناعيين من غرف التجارة، مشددًا على ضرورة الانفتاح على كل المجتمع السوري خاصة على القوى السياسية وأن يكون هناك دور للأحزاب والجمعيات بأن تساهم في إعادة بناء سوريا.

ومنذ إعلان المعارضة السورية إسقاط نظام حكم الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدأت الإدارة السورية الجديدة بملء الفراغ في المناصب الرسمية والأساسية لتسيير أعمال الدولة في المرحلة الجديدة.

وتحاول الحكومة الانتقالية في سوريا منذ ذلك الوقت تقديم نفسها للمجتمع الدولي بصورة بعيدة عن ارتباطها بالفصائل العسكرية التي بدت بها طوال سنوات الحرب في سوريا، خاصة وأنها تعلم جيدًا أن إعادة بناء الاقتصاد والإعمار في سوريا لن يتم من دون الدعم الدولي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم