وسط ترقب عالمي، بدأ أكبر اقتصادين في العالم الجلوس على مائدة المفاوضات وإجراء محادثات حاسمة تمثل أوضح فرصة لاحتواء التصعيد في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد بكين، وتسببت في قلب موازين التجارة العالمية وهددت استقرارها.
والتقى كبار المسؤولين التجاريين من كلا الجانبين، أمس السبت، في أول اجتماع رفيع المستوى منذ فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية على الصين في كانون الثاني/ يناير الماضي.
مواجهة متوترة
لمدة ثماني ساعات، التقى نائب رئيس الوزراء الصيني، هي ليفينج، مع وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، والممثل التجاري الأميركي، جيميسون جرير، في أول اجتماع وجهاً لوجه منذ أن فرض أكبر اقتصادين في العالم رسوماً جمركية تتجاوز 100 بالمئة على سلع بعضهما البعض، ليختتم بذلك اليوم الأول من المحادثات، على أن يتم استكمالها اليوم الأحد.

وبعد إعلان ترامب تلك الرسوم، ردّت بكين على الفور، ونشبت مواجهة متوترة بين البلدين، حيث تبادلا فرض الرسوم الجمركية، وتبلغ الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على الواردات الصينية 145 بالمئة، وتواجه بعض الصادرات الأميركية إلى الصين رسومًا جمركية بنسبة 125بالمئة.
وشهدت الفترة الماضية خطابًا ناريًا وصارمًا من الجانبين، حيث سعى كل جانب إلى تصوير الجانب الآخر على أنه الطرف الأكثر يأسًا، ليكون هذا الاجتماع أول تفاعل رفيع المستوى بين الجانبين منذ حضور نائب الرئيس هان تشنغ حفل تنصيب ترامب في كانون الثاني/يناير الماضي.
إمكانية التوصل لاتفاق
صرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، أن الفريقين لديهما “مصلحة مشتركة” في الحوار، لأن مستوى الرسوم الجمركية المرتفع “غير مستدام”، لكنه حذّر من أن المناقشات ستكون جهدًا لتخفيف التوترات، وليست مفاوضات بشأن اتفاقية تجارية أوسع.
بحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، حذر محللون صينيون من أن التوصل إلى اتفاق نهائي قد يستغرق شهوراً، ومن الأفضل أن يُبرم خلال اجتماع بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
ونقلت الصحيفة عن الزميل البارز في معهد تشارهار، وانغ تشونغ، قوله: “محادثات هذا الأسبوع ليست سوى خطوة أولى في مسيرة طويلة، مسيرة طويلة تمتد لألف ميل”.
ويحاول كل طرف إظهار عدم التراجع عن موقفه وعدم إظهار الاستسلام للطرف الآخر، ومع ذلك، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، يوم الأربعاء، أن “المحادثات تعقد بناء على طلب الولايات المتحدة”.
تفاعل إيجابي
وصفت وزارة التجارة هذا الإجراء بأنه خدمة لواشنطن، قائلة إنها تستجيب “لنداءات الشركات والمستهلكين الأميركيين”، بينما زعمت إدارة ترامب أن المسؤولين الصينيين يريدون القيام بأعمال تجارية بشدة لأن اقتصادهم ينهار.
وفي تصريحاته للصحفيين من المكتب البيضاوي مساء الجمعة، قال ترامب: “علينا أن نُبرم صفقة عظيمة لأميركا. أعتقد أننا سنعود باتفاق عادل لنا وللصين”.

بينما في أول تعليق له على المحادثات التي انطلقت بين واشنطن وبكين، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه كان اجتماعاً ممتازاً مع الصين في سويسرا، وكتب على موقع تروث سوشال “ناقشنا العديد من الأمور، واتفقنا على الكثير”. وأكد أنه تم التفاوض على إعادة ضبط شاملة للعلاقات بطريقة ودية، ولكن بناءة.
وقال رئيس جمهورية الصين، شي جين بينغ على منصته “تروث سوشيال” في ساعة مبكرة من صباح الأحد: “نريد أن نرى، لصالح كل من الصين والولايات المتحدة، انفتاحا في الصين على الأعمال التجارية الأمريكية”، مضيفا: “تم تحقيق تقدم كبير!!!” ولم يوضح تفاصيل التقدم.
شكوك حول عودة العلاقات
من جهته، قال الخبير الاقتصادي في سيتي غروب، ناثان شيتس، إن هذه المفاوضات تعكس حقيقة أن وضع العلاقات التجارية، مع هذه الرسوم الجمركية المفروضة، ليست في صالح الولايات المتحدة، ولا في صالح الصين.
ووفق وفق ما نقلت عنه وكالة “فرانس برس”، اعتبر أن فرض مثل هذه التعرفات الجمركية طرحٌ خاسر للطرفين.
اعتبر الخبير في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، غاري هوفباور، أن مجرد عقد المباحثات يعد خبرا جيدا للتجارة والأسواق المالية؛ لكنه أعرب مع ذلك عن شكوكه الكبيرة بشأن عودة العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة إلى وضعها الطبيعي.
وأكد أن الرسوم الجمركية البالغة 145 في المائة باهظة جدا، مضيفا أنه حتى لو تم خفضها إلى 70 أو 80 بالمئة حسب ما يُطرح حاليا، فإن مستوى المعاملات بين البلدين سينخفض إلى النصف.
تداعيات الصراع بين أميركا والصين
بدأت تداعيات النزاع التجاري بالظهور فعلياً، مما ينذر بمزيد من المعاناة الاقتصادية في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
فقد شهدت حركة الشحن من الصين إلى الولايات المتحدة تراجعاً ملحوظاً، وفي الداخل الصيني، تباطأت خطوط الإنتاج أو توقفت كلياً في المصانع التي تصنع السلع الاستهلاكية اليومية.
ويبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين حوالي 700 مليار دولار، بينما تُقدّر استثمارات الصين في المحافظ الأميركية بنحو 1.4 تريليون دولار.

ودفع الصراع التجاري بكين إلى توسيع نطاق تجارتها مع أسواق أخرى، إذ هبطت صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 21 بالمئة، وقد أظهرت بيانات التجارة التي نُشرت يوم الجمعة ارتفاع الشحنات من الصين إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 8 بالمئة الشهر الماضي.
في غضون ذلك، يعاني الاقتصاد الصيني من تراجع أداء قطاع التصنيع، ومن دوامة انكماشية من غير المرجح أن تتحسن مع احتدام المنافسة داخل السوق المحلية وسط تراجع سوق العمل.
ركود اقتصاد أميركا
رغم صمود الاقتصاد الأميركي، إلا أن المحللين يحذرون من احتمالات ظهور نقص في السلع خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، وقد ينعكس في صورة رفوف فارغة في المتاجر، ويُهدد الوظائف، لا سيما في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة.
وحذر مجلس الاحتياطي الفيدرالي من تصاعد حالة عدم اليقين. كما انكمش الاقتصاد الأميركي مع بداية هذا العام، للمرة الأولى منذ عام 2022، رغم بقاء مؤشرات الطلب الأساسي مستقرة.

تتردد أصداء النزاع التجاري الذي تقوده الولايات المتحدة في أنحاء العالم. فقد خفضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لتجارة السلع هذا العام، وتتوقع الآن تراجعاً بنسبة 0.2بالمئة، أي أقل بنحو 3 نقاط مئوية مما كان سيكون عليه لولا اندلاع الحرب التجارية.
وفي الشهر الماضي، خفض “صندوق النقد الدولي” بشكل حاد توقعاته للنمو الاقتصادي لهذا العام والعام المقبل، محذراً من أن التوقعات قد تتدهور أكثر.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا

