في قلب الفوضى وخطر العملات المزيفة.. كيف يقع السوريون ضحية للاحتيال بالأسواق؟

العملات المزيفة

تزايد انتشار العملات المزورة خاصة الدولار، خلال الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ في الأسواق السورية، ذلك بعد أن أُتيح التعامل بالدولار عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في كانون الثاني/ ديسمبر الماضي، إذ كان يحظر تداول أي عملة أجنبية في الأسواق الرسمية. 

وانتشر تداول الأموال المزيفة نتيجة ضخ كمية من العملات بعد وصول القادمين من مناطق الشمال السوري والسوريين القادمين من الخارج ليتعاملوا بالليرة التركية والدولار، ما أدى إلى تنشيط الأسواق وازدهار حركة تصريف العملات. 

فخٌّ وقع فيه الجميع 

فخ تداول العملات المزيفة وقع فيه جميع الفئات من مواطنين سوريين وتجار، ما عرضهم إلى خسائر مالية، خاصة في ظل غياب الرقابة الفعّالة وصعوبة التحقق من صحة العملات، أصبحت هذه المشكلة أكثر تعقيدًا، “الحل نت” تواصل مع بعض ضحايا عصابات الأموال المزيفة ليستعرضوا تجاربهم وكيفية تعاملهم لتجنب الوقوع في الفخ مرة أخرى. 

أبو طلال، صاحب إحدى مكاتب الصرافة والحوالات المالية، كانت له تجربة في التعامل مع العملات المزيفة، مشيراً إلى أن مكتبه يعمل في هذا المجال منذ عام 2014، وبعد تحرير البلاد أصبح تداول الليرة السورية أكثر شيوعاً. 

 وأضاف أبو طلال: “مرة أو مرتين وصلتنا أوراق نقدية من فئة 5000 ليرة مزورة، ولكن الحمد لله لدينا خبرة في الكشف عن التزوير، بالإضافة إلى توفر أجهزة كشف حديثة”. 

وأوضح أن التعامل مع الشخص الذي يحمل العملة المزورة يعتمد على حالته؛ ففي حال كان جاهلاً بأمر التزوير، يقوم المكتب بكتابة “مزورة” على الورقة النقدية أو شطبها بالقلم، حتى لا يتم تداولها في مكتب آخر، أما إذا كان الشخص يستخدمها بقصد الغش، فيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهه بإبلاغ الجهات الأمنية. 

وبيّن أن التعامل بالدولار واليورو والليرة التركية بات أكثر انتشاراً خلال الأشهر الأخيرة، وبعد انتشار الفئات المزيفة من العملة يتعمد العاملون في مكتبه فحص أي قطعة نقدية مشكوك فيها، ولا يحتفظون بها في المكتب، بل يعيدونها إلى الزبون مع تنبيهه إن كانت مزورة، ليتولى إعادتها إلى المصدر الذي حصل عليها منه. 

التجار يواجهون الاحتيال 

مع تراجع قيمة العملة أمام الدولار والتضخم في سوريا، فإن كثيرًا من الناس لا يتفقدون كل الرزم المالية عند التصريف أو المعاملات التجارية، لما يستغرقه ذلك من وقت، وبالتالي يمكن بسهولة أن تتخللها أوراق مزورة. 

أبو طلال ليس الوحيد الذي وقع ضحية تداول العملات المزيفة، إذ تعرض للموقف ذاته، يوسف العكلة، تاجر سيارات في مدينة سرمدا بمحافظة إدلب، الذي أوضح أن عدم توافر آلات للكشف عن التزوير في معارض السيارات دفعهم للاعتماد على مكاتب الصرافة في عمليات الفحص. وقال العكلة: “في البداية وقعنا في هذا الخطأ مرتين، ولكن الآن أي عملية بيع سيارات تتم من خلال الصراف حصراً”. 

وأكد العكلة أن التعامل بالليرة السورية في مجال تجارة السيارات أصبح غير ممكن، موضحاً: “نحن لا نقبل الليرة السورية نهائياً، حصراً الدولار لأننا نشتري بالدولار، والليرة السورية فقدت قيمتها”. 

وصل سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، اليوم الثلاثاء، عند 10,600 ليرة للشراء، و10,700 ليرة للبيع، بينما حدد “مصرف سوريا المركزي” متوسط سعر الدولار مقابل الليرة عند 12,000 ليرة للشراء، و12,120 ليرة للبيع، وفقاً لآخر تحديث. 

معاناة يومية للتجار 

صاحب شركة تجارة سيارات في إدلب، إيهم الشيخ، تحدث عن معاناته مع العملات المزيفة، حيث قال: “نتعرض بشكل مستمر للعملات المزورة، لذلك نعتمد طريقة خاصة في البيع، حيث لا نسلّم السيارة مباشرة، بل نأخذ النقود ونفحصها في مكاتب الصرافة، ثم نقوم بتسليم السيارة في اليوم التالي بعد التأكد من سلامة المبلغ”. 

وأشار الشيخ إلى أن التعامل بالدولار فقط هو المعتمد لديهم، حيث لا يقبلون الليرة السورية نظراً لحجم المبالغ الكبير الذي يتطلبه شراء سيارة، مما يعقّد عمليات النقل والتداول. 

أما خالد السعيد، محاسب في إحدى شركات المواد التجارية، فقد أوضح أن الشركة تتجنب التعامل بالليرة السورية، وتفضل التعامل بالدولار أو الليرة التركية لتفادي المشاكل المتعلقة بالتزوير، مشيرًا إلى أن العملات المزورة التي تصلهم يتم إتلافها مباشرة لتجنب انتشارها، مضيفاً: “مع انفتاح البلاد، زادت حالات التزوير، خصوصاً القادمة من خارج المحافظة”. 

استغلال ضعف الرقابة 

استغل المزوّرون ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق وقلة ثقة المُتعاملين بالعملة المحلية، لتنتشر عصابات التزوير في كل المناطق السورية، خاصة في ظل عدم توافر الأجهزة المتطورة للكشف عن العملات المزورة. 

هذا أكد عابد حمادة، مدير إحدى شركات الصرافة والحوالات، أن بعض المزوّرين يستغلون المكاتب التي لا تملك أجهزة حديثة لتصريف العملات، مما يساهم في انتشار العملات المزورة بشكل سريع في الأسواق. 

وأشار إلى أن المكتب يعتمد على ماكينات حديثة لكشف التزوير. وأوضح حمادة: “فور اكتشاف العملة المزورة، نقوم بوضع إشارة كبيرة باللون الأحمر عليها، ونبلغ الزبون فوراً”، مؤكداً أنهم لا يحتفظون بالعملات المزورة لديهم، بل يعيدونها إلى أصحابها. 

وأضاف حمادة أن العملات المزوّرة القادمة من نواحي لبنان والعراق، بالإضافة إلى النظام السابق، ازدادت بشكل ملحوظ بعد التحرير، لكن بفضل أجهزة الكشف تمكنوا من حماية المكتب من خسائر كبيرة. 

يمثل انتشار العملات المزوّرة تهديداً إضافياً للاقتصاد السوري الذي يعاني بالفعل من ضغوط كبيرة نتيجة تدهور الأوضاع المالية، كما تعزز مشكلة التزوير عزلة سوريا المالية، لتصعّب من تعاملها مع المؤسسات النقدية العالمية، لذا فإن ضبط ومنع هذه الظاهرة يُعدّ ضرورة اقتصادية. 

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم