تحولًا جذريًا شهدته السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط منذ أن وصل دونالد ترامب إلى “البيت الأبيض” للمرة الثانية، في كانون الثاني/ يناير الماضي، حيث أعاد تشكيل العلاقات مع دول المنطقة بطريقة تتناسب مع نهجه “أميركا أولاً” وتعزيز المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة كبديل للدعم الأمني والتدخلات العسكرية.
وتولي أميركا أهمية للشرق الأوسط نحو تحقيق مصالحها بشكل مباشر، مع تعزيز التحالفات الاستراتيجية والاقتصادية، ففي فترة ترامب الثانية، وبعد مرور أكثر من مائة يوم، ظلت هذه العلاقة محورية، ولكن مع مزيد من التركيز على تقديم الدعم المتبادل الذي يخدم المصالح الأميركية بشكل أكبر.
سياسة ترامب بين الولاية الأولى والثانية
خلال ولايته الأولى، في الفترة بين عام 2017 حتى 2021، أعطى ترامب أولوية في علاقاته بمنطقة الشرق الأوسط، لمحاربة النفوذ الإيراني وتعزيز القدرات العسكرية لدول الخليج لمواجهة أي تهديدات إيرانية مباشرة، وتعزيز مبيعات الأسلحة المتطورة إلى هذه الدول، في خطوة تهدف إلى ضمان استقرار المنطقة، كما استمر في توسيع التعاون الاستخباراتي ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا.
واتسمت سياسة ترامب حينها تجاه الشرق الأوسط بالتصعيد العسكري والدعم القوي لإسرائيل، مع إجراءات مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، وقطع المساعدات عن الفلسطينيين، وتصعيد العقوبات ضد إيران، مما أدى إلى توترات إقليمية متزايدة.

وفي الولاية الثانية لترامب، التي بدأت في العشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، شهدت السياسة الأميركية تحولًا جذريًا، لتتجه نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الكبرى خاصة في دول الخليج، عبر جذب الاستثمارات وإبرام الصفقات التجارية، وذلك بهدف تعزيز النفوذ الأميركي الاقتصادي في المنطقة.
كما تبنى ترامب نهج “الغموض الاستراتيجي” الذي يجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية الاقتصادية، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية وتقليل التدخل العسكري المباشر.
وتجلت السياسة الأميركية، خلال مساعيها نحو تعزيز الاستثمارات الاقتصادية مع الدول الرئيسية في المنطقة مثل السعودية والإمارات وقطر، وزيارة ترامب الأخيرة لتلك الدول، بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة لبلاده من خلال صفقات تجارية واستثمارية ضخمة.
عقلية رجل الأعمال
استخدم ترامب خلال إدارته لعلاقته مع دول المنطقة عقلية رجل الأعمال الذي يتمثل النجاح بالنسبة له في عقد الصفقات واقتناص الفرص الاستثمارية الرابحة، وهو ما اعتمد عليه خلال تحركاته الدبلوماسية.
ظهر هذا التوجه بوضوح خلال اهتمامه بتوطيد علاقته مع القوى الخليجية الكبرى؛ الرياض وأبو ظبي والدوحة، والتي تسمح لها مواردها المالية وصناديق الثروة السيادية بإجراء استثمارات كبيرة في الولايات المتحدة وأن تكون شركاء رئيسيين في الأنشطة التجارية في المنطقة، لذا عمل على تأمين صفقات كبيرة قيمتها تصل إلى تريليونات الدولارات معهم.
نجح ترامب في تحفيز تلك الدول على ضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأميركي مقابل تعزيز الشراكات الأمنية والتكنولوجية، مع السعي إلى إعادة ضبط التوازن في المنافسة العالمية، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا.
على سبيل المثال التزمت المملكة العربية السعودية بحزمة استثمارية بقيمة 600 مليار دولار، تُركز على قطاعات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، ويشمل ذلك شراكات في مجال الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى صفقة شراء كبيرة لأشباه الموصلات تتضمن “شرائح إنفيديا”.
بينما أعلنت الإمارات العربية المتحدة، عن صفقات تجارية جديدة بقيمة 200 مليار دولار، وسرّعت استثمارًا بقيمة 1.4 تريليون دولار كان مُلتزمًا به سابقًا. ومن أبرز المشاريع إنشاء مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، والذي طُوّر بالتعاون مع شركات تقنية أميركية.
فيما أبرمت قطر اتفاقيات تجارية ودفاعية بقيمة 243.5 مليار دولار، بما في ذلك شراء معدات عسكرية أميركية بقيمة 42 مليار دولار. إضافةً إلى ذلك، قدّمت الخطوط الجوية القطرية طلبًا قياسيًا لشراء طائرات “بوينغ”.
خروج أميركا من مأزقها
في هذا الإطار، قال الباحث في العلاقات الدولية، محمد ربيع الديهي، في تصريحات خاصة لموقع “الحل نت”، إن سياسة ترامب الخارجية تقوم في الأساس بالتركيز على الجانب الاقتصادي من خلال التعاون مع العديد من الدول، ولم تكن دول المنطقة العربية استثناء لهذه السياسة خاصة وأن هناك اهتمام أميركي بملفات الشرق الأوسط وخاصة الجوانب الاقتصادية.
وأضاف أن ترامب يهدف من خلال ذلك الخروج من المأزق الذي تعاني منه الولايات المتحدة، فضلا عن سعي إدارته تعزيز مكاسبها الاقتصادية مع مختلف دول العالم، مشيرًا إلى أن هذا اتضح خلال القرارات الأولية التي اتخذتها على سبيل المثال النهج الذي انتهجه بفرض تعريفة جمركية على جميع الدول دون استثناء.
تطوراً لافتاً ومثيرًا للقلق شهده الاقتصاد الأميركي، بعد أن أظهرت التقديرات الرسمية أنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري 2025، انكمش الاقتصاد الأميركي بنسبة 0.3 بالمئة، مخالفًا للتوقعات التي رجّحت نموًا بنسبة 0.4 بالمئة.

ورأى أن ترامب يستخدم سياسة الوصول إلى مرحلة قصوى من الضغوطات على الدول بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية والنمو الاقتصادي لبلده، خاصة وأنه كان وعد الشارع الأميركي خلال انتخابه أنه سيعزز الاقتصاد الأميركي، وأن الاقتصاد هو وسيلة تعزيز النفوذ الأميركي دوليًا وإقليميًا.
وأكد أن أهداف ترامب واضحة وهي الاستفادة من قدرات المنطقة العربية اقتصاديا وتعزيز التعاون الاقتصادي، وأن يكون هناك ابتعاد عن التعاون مع القوى الأخرى المنافسة، ووجود حالة من التنافس الاقتصادي مع القوى المنافسة للولايات المتحدة وعلى رأسها الصين.
واستبعد أن تجني تلك السياسة ثمارًا كبيرة نظرًا لحالة عدم اليقين في المجتمع الدولي تجاه سياسة ترامب الخارجية، خاصة بعد أن اعتمد على سياسة العقوبات والتهديدات، مشيرًا إلى أن المنطقة العربية وقادتها تدرك حجم هذه الأهداف وتتعامل بذكاء مع هذه النظرة والتوجه الأميركي، وأيضًا تتعامل بصورة فيها حكمة من خلال التعاون وتحقيق المكاسب المشتركة أو ما يمكن أن يسمى بـ”الجميع فائز ويحقق مكاسب”، مرجحًا ألا يستمر هذا التوجه الأميركي كثيرا.
خفض كلفة الحروب
فيما رأى مستشار “المركز العربي للدراسات والبحوث”، أبو بكر الديب، في تصريحات خاصة لموقع “الحل نت“، أن سياسة ترامب تحولت من السياسة الأميركية التقليدية القائمة على التدخلات العسكرية إلى نهج اقتصادي قائم على الصفقات والضغط المالي وتطبيع العلاقات.
ترامب يهدف إلى خفض كلفة الحروب من خلال تقليل النفقات العسكرية وإعادة الجنود الأميركيين وتحقيق مصالح اقتصادية، مقابل التركيز على بيع الأسلحة والاستثمار والعقوبات الاقتصادية مع بناء تحالفات اقتصادية وأمنية، مثل “اتفاقيات إبراهام” بين إسرائيل ودول عربية، لافتًا إلى أنه يريد أن يحقق مكاسب سياسية داخلية عبر تحقيق إنجازات دون تورط عسكري.
مستشار “المركز العربي للدراسات والبحوث”، أبو بكر الديب
بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن الإنفاق العسكري العالمي ارتفع 9.4 بالمئة عام 2024 مسجلا 2.7 تريليون دولار، وهي أكبر زيادة منذ نهاية الحرب الباردة بفعل الحروب والنزاعات الممتدة في أوروبا.
وتواصل الولايات المتحدة احتلال الصدارة بإنفاق 997 مليار دولار (+5.7 بالمئة)، ما يعادل 37 بالمئة من الإجمالي العالمي و66 بالمئة من موازنات الناتو.
واستعرض ملامح إعادة ترامب صياغة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط مع التركيز على الجوانب الاقتصادية بدلا من التدخلات العسكرية، وأوضح أن:
ترامب منذ توليه الرئاسة في يناير 2017 اتجه إلى إعادة تشكيل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط مفضلا المقاربة الاقتصادية على التدخلات العسكرية التي ميزت العقود السابقة وتمثّل هذا التحول في “صفقة القرن” و”اتفاقيات أبراهام”، والضغط الاقتصادي على إيران إضافة إلى تقليص التواجد العسكري الأميركي في بعض مناطق النزاع وتقليل كلفة التدخلات العسكرية وخاصة في الشرق الأوسط في ظل شعار “أميركا أولاً”، والآن بات ترامب يرى أن الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان استنزفت الاقتصاد الأميركي دون تحقيق مصالح استراتيجية واضحة.
آثار محتملة
يسعى ترامب إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة لعقد صفقات تجارية، مثل بيع الأسلحة وعقود الطاقة، بدلا من التورط في نزاعات مفتوحة، كما استخدم أدوات الضغط الاقتصادي مثل العقوبات بدلا من القوة العسكرية مع تعزيز التحالفات الإقليمية عبر المصالح الاقتصادية من خلال تقوية التحالف مع دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات وقطر من خلال تبادل المصالح الاقتصادية والصفقات الكبرى، إضافة إلى دعم تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية لتشكيل تحالف اقتصادي وأمني في وجه إيران.
أراد ترامب استثمار هذه السياسة في خطابات للجمهور الأميركي مُظهرا نفسه كرئيس يجنّب أميركا الحروب ويُحقق نتائج دبلوماسية واقتصادية ملموسة.
أما عن تقييم الآثار المحتملة لسياسات ترامب الاقتصادية في الشرق الأوسط، فأوضح أنه قد يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، فسياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط تمثّل تحوّلا استراتيجيا يعتمد على الاقتصاد والضغط المالي بدلا من التورط العسكري المباشر.

ورأى أن هناك ضرورة أن تعزز الدول العربية الحليفة لأميركا قدراتها الذاتية والتحالفات المتوازنة لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي، فتركيز ترامب على الاقتصاد بدلا من الجيش بالنسبة للشرق الأوسط يعني تقليل فرص الحروب المباشرة وتقليص التدخلات العسكرية.
وأضاف أن ذلك فرصة للتخفيف من احتمالية اندلاع نزاعات جديدة أو توسّع الحروب القائمة، وتشجيع الاستقرار الاقتصادي الإقليمي والتركيز على الصفقات التجارية والاستثمارات ما يحفز بعض الدول على تطوير اقتصاداتها وتنويع مصادر دخلها وتوجيه الموارد نحو التنمية، كما يتيح للدول فرصة التركيز على البنية التحتية والتعليم والصحة، وفتح آفاق للتعاون الإقليمي وتقليل الاعتماد على القوى العسكرية الأجنبية وتعزيز استقلالية الدول الاستراتيجي والأمني، وبناء قدرات ذاتية بدلا من الاتكال الكامل على واشنطن مع التركيز على الحلول السياسية بدلا من العسكرية
ونبّه إلى أنه مع تراجع الحضور العسكري الأميركي، تبرز الحاجة إلى حلول سياسية للأزمات مثل اليمن والسودان وليبيا، بدلا من التصعيد العسكري.
القوة الناعمة الأميركية
أما المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، حازم الغبرا، رأى في تصريحات خاصة لموقع “الحل نت”، أن الرئيس ترامب يعمل على نطاق واسع ويركز على الجانبين الاقتصادي والسياسي معًا.
وأضاف أن ما يتبعه ترامب الآن تجاه الشرق الأوسط هو توجه تاريخي في السياسة الخارجية الأميركية، حيث ترى أن القوة الناعمة الأفضل لها هي الاقتصاد في عالم بات يتجه بشكل أكبر نحو الاهتمامات الاقتصادية بدلًا من أمور أخرى.
ترامب يركز على الشراكات مع الدول، على سبيل المثال شراكته مع المملكة العربية السعودية وتركيا التي حققت نتيجة هامة وهي معالجة الأزمة السورية والإعلان عن رفع عقوبات بلاده عنها، مشيرًا إلى أنها شراكة سياسية من المتوقع أن يكون اتباعها أساسيًا في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط.
المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، حازم الغبرا
وبالنسبة للتركيز على الجوانب الاقتصادية، أشاد بهذا التوجه مؤكدًا أن المنطقة تحتاج إلى رخاء اقتصادي ودعم وشراكات أفضل، خاصة في هذه المرحلة التي تحول خلالها الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد تقني، مشيرًا إلى أن في الماضي كانت تركز زيارات الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط على موضوعات النفط والسلاح والأمن، بينما في جولة ترامب الأخيرة الأسبوع الماضي إلى الخليج، ركزت على برامج الفضاء والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، ما يعكس اختلاف التوجهات وأن هناك نقطة تحول في المنطقة، الولايات المتحدة جزء منها وشريك أساسي فيها.
تحديات رئيسية
توقع المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن يكون لاستمرار هذا التوجه انعكاسات وآثار جيدة على المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة رائدة عالميا في إنتاج التكنولوجيا، والشراكة مع الدول الخليجية ستساعد هذه الدول على أن تكون أيضًا رائدة في المجالات التقنية.
أما بشأن أبرز التحديات الرئيسية التي قد تواجه سياسة ترامب في الشرق الأوسط خلال ولايته الثانية، أوضح أنها تبقى متعلقة بأزمة الحرب في غزة، والتي لا يوجد بصيص أمل لإنهائها حتى الآن، إضافة إلى إيران التي ستظل تمثل تهديدًا أساسيًا لأمن المنطقة من وجهة نظر الرئيس الأميركي.

وأفاد بأنه ما زال أمام ترامب أربعة سنوات، وهي فترة كافية للعمل على حل هذه المشكلات وتحويل الشرق الأوسط من منطقة صراعات إلى منطقة رخاء وإنتاج ونجاح سياسي اجتماعي اقتصادي، مؤكدًا أن هذا يحتاج إلى دورًا كبيرًا من قيادات المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده من زخم في دول الخليج وسوريا ولبنان التي باتت في طريقها للاستقرار وتعمل مع الولايات المتحدة بشكل مستمر، فهناك توجه نحو شيء أفضل لكن هذا يحتاج إلى رغبة ومشاركة شعبية وقناعة بدور الولايات المتحدة الذي أصبح إيجابيًا.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

