تتجه الإدارة السورية الجديدة نحو تنفيذ استراتيجية لإعادة إعمار البناء وصفها البعض ببناء دولة جديدة بدلًا من إعادة إنتاج النظام السابق، ذلك في ظل تحديات جمّة تتطلب موارد مالية ضخمة قُدرت بمئات المليارات إلى تريليونات من الدولارات.
وقدر وزير الاقتصاد السوري، الدكتور نضال الشعار، التكلفة المالية التي تحتاجها عملية إعادة الإعمار بتريليونات الدولارات، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على بناء سوريا جديدة ومختلفة وليست إعادة إعمار سوريا القديمة، وفق حديثه خلال جلسة حوارية في اليوم الثالث لقمة الإعلام العربي 2025 في دبي الإماراتية.
تقديرات متفاوتة
قال وزير الاقتصاد، إن ما حدث خلال 60 عاما الماضية مزق النسيج الصناعي والتجاري الذي تميزت به سوريا منذ مئات السنين، لذا الإدارة الجديدة بصدد إعادة بنائه وتكوينه، مستطردًا: “لن نقوم بذلك عن طريقة الترقيع”.
وقدرت تقارير رسمية الكلفة الاقتصادية للنزاع على مدار أكثر من عقد في سوريا بنحو تريليون و200 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية دول الاتحاد الأوروبي بأكمله لمدة عشر سنوات.
كلفة التداعيات الاقتصادية التراكمية لها سوف تصل إلى تريليون و400 مليار دولار حتى عام 2035.

وتتفاوت التقديرات الدولية حول تكلفة إعادة إعمار سوريا بشكل كبير، مما يعكس حجم التحدي وتعقيداته، وقدر “البنك الدولي” التكلفة بين 250-400 مليار دولار، وفقاً لدراسة حديثة نشرها البنك تحت عنوان “النمو بعد الحرب في سوريا”.
بينما كانت تقديرات “الأمم المتحدة” أكثر تحفظاً تتراوح بين 300-500 مليار دولار، مع التأكيد على أن هذه الأرقام قد ترتفع مع استمرار تقييم الأضرار.
ورأى تقرير منظمة “World Vision” أن السقف مؤهل للارتفاع إلى 1.2 تريليون دولار، مما يضع سوريا أمام تحدٍ تمويلي هائل.
تقدير رسمي طموح
وزير الاقتصادي، وضع تقديرات أكثر طموحًا حينما أوضح أنه عند التفكير في “سوريا الجديدة” فإن الـ 400 مليار دولار التي يتحدثون عنها كتكلفة أو فرص استثمارية ستصبح أكثر بكثير، ما يعني أن الفرص الاستثمارية في سوريا الجديدة وليست في سوريا التي تحاول إعادة إعمار نفسها بنفس الطرق هي أكثر بكثير من تريليون دولار وقد تبلغ تريليونات، وهو ما يعكس الفرق بين مفهوم “الإعمار التقليدي” و”البناء التحويلي” الذي تتبناه الحكومة الجديدة
يشار إلى أنه مع رفع العقوبات الدولية، بدأت سوريا تشهد اهتماماً متزايداً من المستثمرين، خاصة في ظل حديث الحكومة عن إصلاحات قانونية وبنية تحتية جديدة، بالإضافة إلى مشاريع مدروسة وشراكات استراتيجية مع الدول الصديقة، وجميعها معطيات تضع سوريا أمام فرصة نادرة لتحويل اقتصادها من حالة الانهيار إلى منصة للنمو والاستدامة.
خلال أسبوعين فقط من رفع العقوبات، أعلنت “موانئ دبي” العالمية عن أكبر استثمار في سوريا حتى الآن بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس.
كما أعلنت شركة “CMA CGM” الفرنسية عن استثمار بقيمة 262 مليون دولار لتطوير ميناء اللاذقية.
مذكرة تفاهم مع شركة “فيدو” للمقاولات الصينية لاستثمار مناطق حرة بمساحة تتجاوز المليون متر مربع.
تقدمت أكثر من 500 شركة بطلبات لفتح فروع لها داخل سوريا منذ بداية العام الجاري.
التدفقات الاستثمارية ورفع العقوبات
أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري أنه مع زوال العقوبات أصبحت عملية جذب التدفقات الاستثمارية أيسر، لا سيما مع إزالة العوائق البيروقراطية ومع العمل على تهيئة بيئة قانونية حديثة مشيراً إلى توقيع بعض الاتفاقات ومذكرات التفاهم خلال الأشهر القليلة الماضية، وبما يعكس جاهزية الدولة السورية للاستثمار واستقبال رؤوس الأموال.
وفيما يخص تهيئة البيئة التشريعية، كشف عن توجه يستهدف تعديل بعض القوانين الجديدة، من أجل تحويلها إلى أدوات محفزة للتنمية، وذلك في معرض جهود الحكومة السورية الجديدة لجذب الاستثمارات وتيسير البيئة الاستثمارية في مرحلة مهمة من تاريخ البلاد.

وأكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري، حرص بلاده على جذب المستثمرين وتجنيبهم الفوضى الاستثمارية التي شهدتها البلاد في المراحل السابقة، فضلاً كذلك عن تمكينهم من إدارة استثماراتهم بأقصى درجات المرونة والثقة.
كما كشف عن مبادرات جديدة هادفة لإطلاق مشاريع إنتاجية بدعم من تسهيلات حكومية، وقال إن تلك التسهيلات الحالية تشجع على الاستثمار، سواء من خلال البنية التحتية أو الإجراءات الإدارية.
نظرة متفائلة وتحديات مستمرة
على الرغم من النظرة المتفائلة للحكومة السورية، إلا أنه لازالت هناك بعض التحديات المستمرة والتي تعيق عملية إعادة الإعمار وبناء سوريا الجديدة، في مقدمتها بقاء العقوبات الدولية التي تعد أكبر عقبة أمام جذب الاستثمارات الضخمة، خاصة الأميركية “قانون قيصر” والأوروبية.
ذلك رغم الخطوات الإيجابية الأخيرة، حيث بدأت الولايات المتحدة تخفيف بعض العقوبات بشكل مشروط وبمعايير محددة، كما رفع الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات القطاعية، لكن العقوبات المصرفية الشاملة لا تزال سارية.
هذا بالإضافة إلى تحد الاستقرار الأمني والسياسي، حيث لا زال التوترات الداخلية مستمرة في أجزاء من شرق سوريا والموجودة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، رغم توقيع اتفاق مبدئي للاندماج في مؤسسات الدولة، ما يشكل تهديداً للاستقرار ويثني المستثمرين عن الدخول.
وبحسب “البنك الدولي”، فإنه في حال تحقيق تسوية سياسية شاملة ورفع العقوبات بشكل نهائي، فمن المتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.2 بالمئة سنوياً، والعودة لمستويات ما قبل 2010 خلال 10-15 سنة، فضلًا عن جذب استثمارات ضخمة تفوق التوقعات الحالية.
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام

