كيف أشعل التصعيد الإيراني الإسرائيلي فتيل الخسائر الاقتصادية في الشرق الأوسط؟

الشرق الأوسط

ألقى التصعيد بين إيران وإسرائيل الذي اندلع منذ فجر الجمعة الماضي بظلاله على اقتصاد منطقة الشرق الأوسط الهش، والذي يصارع ضغوطًا كبيرة بفعل التوترات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة، كما يهدد استمرار الصراع اقتصاد دول المنطقة.

وسريعًا ما ظهرت تداعيات اقتصادية ملموسة لهذا التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تجلى خلال ارتفاع قيمة النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ بداية العام، إضافة إلى حالة الفزع بأسواق المال والتجارة.

تهديد إمدادات النفط

هدد الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على إيران بتعطيل إمدادات النفط في الشرق الأوسط، مما وضع قرار منظمة أوبك+ الأخير بزيادة إنتاج النفط الخام في دائرة الضوء.

ومنذ اليوم الأول من الأزمة، شهدت أسعار النفط قفزة وصفها محللون بأنها “أعنف حركة منذ يناير”، فقد ارتفع خام برنت بأكثر من 7 بالمئة، من نحو 69 دولارًا للبرميل إلى 74‑78 دولارًا، وفي مرحلة لاحقة، فسجلت طفرة تصل إلى 13 بالمئة دفعة واحدة، ما يعكس عمق القلق من امتداد النزاع وتأثيره على مسارات النفط البحرية .

وتتصاعد المخاوف بشأن التهديد المحتمل بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو ثلث النفط العالمي، وبحسب تأكيدات المحللين فإن مجرد الحديث عن الإغلاق قادر على دفع أسعار البرميل إلى ما فوق 100 دولار، وأن استمرار العنف في المضائق أو استهداف منشآت نفطية إيرانية قد يرفع الأسعار إلى حدود 120–150 دولارًا .

وفي هذا السياق، سارعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بقيادة المملكة العربية السعودية نحو رفع إنتاجها النفطي، في محاولة لكبح موجة الارتفاع القوية، إلا أن قدرة السعودية أو أي دولة أخرى على موازنة نقص الإنتاج الإيراني تبقى محدودة حال تدهورت الأوضاع.

دول مستفيدة وأخرى خاسرة

عادة ما تستفيد الدول المصدرة للنفط بالمنطقة وهي “السعودية- الإمارات- قطر- الكويت” من ارتفاع الأسعار؛ حيث تزدادالإيرادات السيادية، لكن على الرغم من ذلك إلا أن هناك أثر على الاستثمارات البترولية، خصوصًا في قطر والإمارات، بسبب خوف المستثمرين من اضطراب الأسواق ، ما يجعلها تضطر إلى إعادة تسعير عقودها بفعل التأثُّر بتوازنات أسواق الغاز الدولية.

أما بالنسبة لدول المنطقة المستوردة للطاقة (تركيا ومصر والأردن ولبنان)، فهي معرضة أن تتكبد فاتورة الطاقة الخاصة بها أعباء إضافية، بسبب ارتفاع سعر التوريد، والتوازن بين ذلك وتفادي التضخم الذي قد يؤثر على الأسعار المحلية والضغوط على الأسرة الفقيرة.

أسواق الأسهم في الشرق الأوسط، شهدت تقلبات واضحة، حيث انحدر مؤشر تل أبيب OCTTS بمقدار 3.5‑4 بالمئة، وعلى الرغم من تدخل بنك إسرائيل الطارئ لمعالجة السيولة، إلا أن ثقة المستثمرين تراجعت مؤقتًا .

وفي دول الخليج، سجَّلت البورصات في السعودية والإمارات انخفاضًا طفيفًا عند 1–2  بالمئة بسبب القلق العالمي، لكن السندات الحكومية لامست مستويات غير مسبوقة من الاقبال كرد فعل على الشراء كملاذا آمنا.

وصل تأثير التوترات إلى حركة التجارة، ولاسيما عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، بعد أن أربكت حركة السفن التجارية البحرية، وأجبر العديد من السفن على إعادة توجيهها أو خطوطها، وهو الأمر الذي يؤثر على تكلفة أقساط التأمين، وعلى تدفقات البضائع المختلفة داخل الدول، ما ينعكس بشكل عام على انخفاض المعروضات، ومن ثم ارتفاع أسعار المنتجات الأساسية.

عواقب اقتصادية وخيمة

بدوره قال الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية بمنظومة العمل العربي بجامعة الدول العربية لشؤون التنمية الاقتصادية، الدكتور أشرف غراب، إن استمرار التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران ينذر بعواقب اقتصادية وخيمة، من شأنها أن تهدد استقرار الأسواق الإقليمية والعالمية، وتضرب بعمق مكونات الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن هذه التطورات المتسارعة تُلقي بظلالها مباشرة على البيئة الاستثمارية، وعلى حركة رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة، حيث يعتمد تدفق الاستثمارات الأجنبية بالأساس على توافر مناخ سياسي وأمني مستقر، وهو ما يعد شرطًا رئيسيًا لنمو الاقتصادات واستقرار الأسواق المالية.

وأضاف غراب أن أولى التداعيات ظهرت فورًا على أسواق السلع الاستراتيجية، إذ سجلت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا بأكثر من 12 بالمئة متجاوزة حاجز 75 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف متنامية من تعطل إمدادات الطاقة أو تعرض المنشآت النفطية لهجمات محتملة في المنطقة.

وبيّن أن التوقعات تشير إلى إمكانية وصول سعر البرميل إلى أكثر من 100 دولار إذا استمر التصعيد، خاصة في ظل التهديدات التي تحيط بمسارات تصدير الطاقة، ومنها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20 بالمئة من صادرات النفط العالمية، ومضيق باب المندب، الذي يشهد عبور ما يزيد على 6 ملايين برميل يوميًا من النفط والغاز.

تذبذب حاد

في السياق ذاته، قفزت أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، حيث سجلت 3438 دولارًا للأوقية، وسط طلب متزايد على الملاذات الآمنة، مع توقعات بأن تواصل الأسعار ارتفاعها لتبلغ 3500 دولار خلال أيام قليلة.

الأسواق تعيش حالة من التذبذب الحاد، نتيجة المخاوف من تعثر سلاسل الإمداد واضطراب خطوط التجارة العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي يُسهم في رفع أسعار السلع والخدمات الأساسية، وخاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الطاقة والغذاء، وهو ما يزيد من مستويات التضخم ويضع ضغوطًا إضافية على الميزانيات العامة.

الخبير الاقتصادي أشرف غراب

كما أشار إلى أن التصعيد بين إسرائيل وإيران يضعف من قدرة البنوك المركزية على اتخاذ قرارات واضحة بشأن أسعار الفائدة، في ظل حالة الضبابية التي تسود الأسواق، موضحًا أن عدم استقرار تسعير الأصول المالية، وخاصة الأسهم العالمية، يُفقد المستثمرين الثقة ويُعطل آليات اتخاذ القرار. ويؤدي هذا إلى موجات متتالية من التحوّط والبيع العشوائي، ما يُفاقم من اضطراب الأسواق المالية العالمية.

تصاعد المخاوف الأمنية

أكد غراب أن السياحة بدورها لن تسلم من تداعيات هذا التصعيد، حيث يُتوقع أن تشهد حركة الوفود السياحية في الشرق الأوسط تراجعًا واضحًا، نتيجة تصاعد المخاوف الأمنية، ما سيؤثر سلبًا على إيرادات قطاع السياحة، وهو أحد مصادر الدخل القومي المهمة في عدد من دول المنطقة، كما أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والدولار الأميركي والين الياباني، على حساب الأسواق المحلية، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على العملات الوطنية، ويُفاقم أزمة النقد الأجنبي.

ووفقًا لما أكده غراب، فإن انخفاض التدفقات الدولارية سيحدّ من قدرة بعض دول الشرق الأوسط على الاستيراد، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق المحلية، بسبب ارتفاع تكاليف الواردات، مما يزيد من الضغوط التضخمية ويؤثر على القوة الشرائية للمواطنين، مشيرًا إلى أن شلل حركة التجارة عبر الممرات المائية الهامة قد يعيد العالم إلى أزمات مشابهة لما شهدته خلال جائحة كورونا، ولكن هذه المرة من بوابة الصراع الجيوسياسي، وليس الوباء.

وأوضح أن الشرق الأوسط يواجه الآن تحديات مركبة، بين الحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة، وضمان الاستقرار النقدي، والحفاظ على جاذبية البيئة الاستثمارية، وكل ذلك في ظل أوضاع سياسية غير مستقرة، ودعا في ختام تصريحه إلى أهمية التحرك العربي المشترك لتخفيف آثار هذه الأزمة، من خلال دعم الأسواق الداخلية، وتعزيز التنسيق المالي والنقدي، وتطوير بدائل لخطوط الإمداد الحالية، والبحث عن آليات مستدامة تضمن استمرار النشاط الاقتصادي حتى في أصعب الظروف.

توقعات مستقبلية

هناك توقعات مستقبلية ترتبط بشدة التوترات والتصعيد وما إذا كانت ستنتهي، حيث من المتوقع أن تصل أسعار النفط إلى 100 دولار، والنطاق الطبيعي له خلال الصيف 75دولار، وقد يرتفع حسب شدة التوتر ومدى الانسحاب أو التصعيد العسكري .

قد تتجاوز ضغوط الأسعار، وبخاصة في أسعار السلع الأساسية والطاقة، مما قد يدفع البنوك المركزية، مثل البنك المركزي المصري وتركيا، لإعادة تسعير السياسة النقدية وتجميد خفض الفائدة.

كما قد تشهد المنطقة تحولًا في تجارتها الإقليمية، فبسبب التصعيد، سيتجه التجار إلى شبكات بديلة تفاديا للمضائق الترابية، مثل خطوط عبر إسرائيل والأردن، أو التنسيق البحري مع قبرص ومالطا.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم