في خطوة لافتة تعكس بداية تحولات كبيرة في المشهد الاقتصادي السوري، أعلن “مصرف سوريا المركزي” عن تنفيذ أول تحويل مصرفي دولي عبر نظام “سويفت” منذ أكثر من أربعة عشر عامًا.
وتعد هذه الخطوة مؤشرًا قويًا على نجاح مساعي الإدارة السورية الجديدة كسر عُزلة البلاد التي فرضت عليها بسبب الحرب والعقوبات الأميركية والغربية الخانقة للاقتصاد، بإعادة ربط نظامها المصرفي بالعالم، تمهيدًا لتدفق رؤوس الأموال والتعاملات الخارجية، ما قد يشكل بارقة أمل لاقتصاد يعاني من سنوات التدهور والانكماش.
تحول بالغ الأهمية
قال محافظ “مصرف سوريا المركزي”، عبد القادر حصرية، إن سوريا أنجزت هذا الأسبوع أول تحويل مصرفي دولي عبر نظام “سويفت” منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من أربعة عشر عامًا، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل تحولاً بالغ الأهمية في مسار إعادة دمج سوريا ضمن النظام المالي العالمي، بعد سنوات من العزلة الاقتصادية والمصرفية.

وأوضح حصرية بحسب ما نقلت عنه وكالة “رويترز” أن المعاملة المصرفية تمت بشكل مباشر بين أحد البنوك السورية وبنك إيطالي يوم الأحد الماضي، واصفًا الحدث بأنه “اختراق نوعي” في البيئة المالية التي لطالما كانت مغلقة بوجه التعاملات الدولية.
وأضاف أن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام مزيد من المعاملات المشابهة، ويشكل مؤشرًا على تراجع تدريجي للقيود المفروضة على القطاع المصرفي السوري، بما يتيح المجال لتوسيع نطاق التعاون المالي مع مؤسسات مصرفية عالمية.
أول معاملة مباشرة مع بنك أميركي
في سياق موازٍ، أكد حصرية أن “المصرف المركزي” يتوقع إتمام أول معاملة مباشرة مع أحد البنوك الأميركية “في غضون أسابيع”، وذلك عقب اجتماع رفيع المستوى عُقد الأربعاء عبر تقنية الاتصال المرئي، وجمع ممثلين عن البنوك التجارية السورية بعدد من البنوك الأميركية ومسؤولين ماليين أميركيين، بينهم مبعوث واشنطن الخاص إلى سوريا، توماس باراك.

وقد تمحور الاجتماع حول بحث آليات إعادة ربط النظام المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي، وتقييم الإمكانيات التقنية والقانونية اللازمة لاستئناف العلاقات المصرفية الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويأتي هذا التحول بعد إعلان الإدارة الأميركية في أيار/مايو الماضي رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وما تبع ذلك من صدور أوامر تنفيذية بتخفيف عدد من القيود ذات الطابع المالي والمصرفي، مما وفر نافذة قانونية لانخراط المؤسسات المالية الدولية مجددًا في التعامل مع سوريا.
استعادة الروابط المصرفية
يُنظر إلى هذه الإجراءات كجزء من سياسة انفتاح تدريجية تقودها الإدارة الأميركية الحالية، في ظل تغييرات جوهرية طرأت على المشهد السياسي في سوريا عقب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد.
وأوضح حصرية أن استعادة الروابط المصرفية مع الأسواق العالمية تمثل أولوية وطنية في هذه المرحلة، نظراً لما يمكن أن تتيحه من أدوات مالية تعزز قدرة الاقتصاد المحلي على التعافي، وتدعم المشاريع الإنتاجية والتنموية، كما أنها تضع حدًا لحالة الاعتماد شبه الكامل على الاقتصاد النقدي، وما يتبع ذلك من مشكلات في الشفافية، والمراقبة، ومخاطر غسل الأموال والتمويل غير المشروع.

وفي هذا الإطار، وجه حصرية دعوة رسمية للبنوك الأميركية لإعادة تأسيس علاقات مراسلة مصرفية مع نظيراتها السورية، مؤكداً أن “المصرف المركزي” يسعى لتحقيق هدفين أساسيين، الأول يتمثل في إنشاء مكاتب تمثيلية للبنوك الأميركية داخل الأراضي السورية، والثاني يتمثل في استئناف التحويلات والمعاملات البنكية بين الطرفين بشكل منتظم وآمن.
وأعرب عن تفاؤله بأن يتحقق هذا الهدف خلال أسابيع قليلة، وهو ما من شأنه أن يضع الاقتصاد السوري على عتبة مرحلة جديدة من الانفتاح والتكامل مع النظام المالي العالمي.
إشارة إيجابية
أشار حصرية إلى أن من بين البنوك التي وُجهت إليها الدعوة لحضور مؤتمر الأربعاء: “جي بي مورغان”، و”مورغان ستانلي”، و”سيتي بنك”، لافتاً إلى أن مشاركة هذه البنوك الكبرى، ولو على مستوى التمثيل الرمزي في هذه المرحلة، يشكل إشارة إيجابية إلى إمكانية تحريك المياه الراكدة في ملف العلاقات المصرفية الدولية.
وأكد أن “مصرف سوريا المركزي” يعمل بالتوازي مع هذا الانفتاح على تحديث بنيته التشريعية والرقابية بما يتماشى مع المعايير الدولية، ويرسّخ ثقة المجتمع المصرفي العالمي بمستوى الامتثال والشفافية في التعاملات السورية.

وختم حصرية تصريحه بالتأكيد على أن هذه التطورات، وإن كانت لا تزال في بداياتها، إلا أنها تشكل لبنة أولى نحو مرحلة اقتصادية جديدة لسوريا، تقوم على التفاعل الإيجابي مع العالم، وجذب التدفقات المالية والاستثمارية اللازمة لإعادة الإعمار، وتوفير متطلبات الاستقرار المالي والنقدي في البلاد.
يجدر الإشارة إلى أن القطاع المصرفي يعد حجر الأساس في عملية إعادة الإعمار، بعد أن انهار بشكل شبه كامل بسبب الحرب، وتعني عودة سوريا إلى “سويفت” تمكين البنوك المحلية من إرسال واستقبال الأموال من وإلى الخارج بشكل رسمي، مما قد يساهم في تسهيل التجارة، وفتح الباب أمام الاستثمارات وتحويلات المغتربين عبر القنوات النظامية.
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- من بينهم متهم بتبني هجوم باريس.. العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى “داعش”

