رفعت شركة روسية لتجارة الحبوب دعوى قضائية ضد “مصرف سوريا المركزي” والمؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب، مطالبة بمبلغ 5.6 مليارات روبل (نحو 71.5 مليون دولار)، وفقا لما كشفته وكالة “رويترز” نقلا عن قاعدة بيانات محكمة التحكيم الروسية.
وبحسب الوكالة، فإن الدعوى التي تقدمت بها شركة “بالادا”، وهي واحدة من أكبر 20 شركة روسية في تجارة الحبوب من حيث الإيرادات، سجلت بتاريخ 19 حزيران/يونيو الجاري. ولم تتضمن قاعدة البيانات تفاصيل إضافية حول الأمر.
دعوى قضائية ضد سوريا
تأسست شركة “بالادا” عام 2022، في أعقاب فرض العقوبات الغربية على كبرى شركات الحبوب الروسية بسبب غزو أوكرانيا، وقد حصلت على موافقة رسمية لبيع أكثر من 145 ألف طن من القمح بين شهري شباط/فبراير وتموز/يوليو من هذا العام.

وتعتبر روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم، وكانت المورد الرئيسي لسوريا خلال فترة حكم النظام السوري السابق بشار الأسد. إلا أن الإمدادات الروسية توقفت منذ الإطاحة بالأسد العام الماضي، قبل أكثر من ستة أشهر.
وفي نيسان/أبريل الفائت، كشفت وكالة “تاس” الروسية عن شحنة قمح “استثنائية” وصلت إلى سوريا لأول مرة منذ سقوط النظام، تضمنت 6600 طن، تم تفريغها في ميناء اللاذقية بواسطة السفينة الروسية “بولا مارينا”، قبل أن تعود إلى ميناء روستوف أون دون.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن عملية التسليم تمت عبر شركة روسية لم تكن قد شاركت من قبل في تصدير الحبوب إلى سوريا، لافتة إلى وجود ديون متراكمة على النظام المخلوع لإحدى شركات توريد القمح.
ديون غير مسددة
في وقت سابق، صرح دميتري تريفونوف، الرئيس التنفيذي لشركة “إس تي جي إنجينيرينغ” الروسية، بأن شركته عملت في تصدير الحبوب إلى سوريا على مدى ثلاث سنوات، وقدمت خلالها نحو 1.1 مليون طن من القمح، أي ما يعادل قرابة نصف إجمالي الحبوب الروسية المستوردة خلال تلك الفترة.
وكشف أن الديون المستحقة على النظام السوري السابق للشركة تبلغ نحو 116 مليون دولار، نتيجة آلية دفع خاصة نص عليها العقد مع النظام المخلوع، بينما رفضت السلطات السورية الجديدة تسديد تلك الديون فعليا.
وأشار تريفونوف إلى أنه كان ضمن الوفد الروسي الذي زار دمشق في كانون الثاني/يناير الماضي برئاسة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف والمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف.
وقد التقى الوفد، بحسب ما أكد، الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، لمناقشة إمكانية استئناف توريد القمح وتسوية الديون، غير أن المحادثات انتهت دون تحقيق أي نتائج، وفق تقارير صحفية.
أواخر شباط/فبراير الفائت، أكدت شركة “إس تي جي إنجينيرينغ” الروسية، التي تشغل ميناء طرطوس التجاري في سوريا، أنها تواصل العمل كالمعتاد وإن عقدها لم يتعرض للإلغاء مثلما أشارت بعض وسائل الإعلام في الشرق الأوسط.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، أشار ثلاثة رجال أعمال سوريين وتقارير إعلامية إلى أن الإدارة الجديدة الحاكمة في سوريا ألغت العقد الموقع في عهد الأسد.
ونقلت صحيفة “الوطن” السورية شبه الرسمية آنذاك عن رياض جودي مدير جمارك طرطوس قوله إن عقد الاستثمار في الميناء أُلغي بعد عدم وفاء الشركة الروسية بشروط الصفقة المبرمة عام 2019 والتي تنص على الاستثمار في البنية التحتية، وفق تقارير صحفية.
بينما قال دميتري تريفونوف، لـ”رويترز”، إن شركته لا تزال تدير الميناء وإن أحدا لم يبلغهم بأن عقدهم أُلغي، وهي إجراءات قال إنها ستكون طويلة وبيروقراطية إذا حدثت.
وأردف تريفونوف “من المستحيل إنهاء الاتفاق من جانب واحد، لأنه مصدق عليه من الرئيس والبرلمان، ولم يخطرنا أحد بذلك”.
روسيا قلقة على مصالحها
على نحو منفصل، تحاول موسكو الحفاظ على قواعدها العسكرية في الساحل السوري (طرطوس واللاذقية) ومواقع أخرى، لكنها تواجه تراجعا في قدرتها على فرض رؤيتها السياسية داخل سوريا، وسط المتغيرات السياسية الأخيرة، وتحديدا التوجه الأميركي الجديد تجاه دمشق.
كما يبدو أنها لا تزال تسعى للتقارب مع السلطة الجديدة في دمشق، حيث قال مسؤولون روس مؤخرا أن بلادهم تسعى للحفاظ على نفوذها في سوريا.
وفي تصريحات أدلى بها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الأربعاء الفائت، كشف أنه لم تحدث أي تغييرات جذرية على قواعدها في سوريا حتى اليوم.
وقال ريابكوف في مقابلة أجراها مع وكالة “تاس” الروسية: إن “روسيا تأمل في حماية مصالحها الوطنية فيما يتعلق بالقواعد في سوريا وحل القضايا الإنسانية هناك”.
في العموم، كل هذه المؤشرات تعزز فرضية غياب التوافق بين دمشق وموسكو حتى الآن، وربما تنذر بمسار أكثر برودا في العلاقات خلال الفترة المقبلة، لا سيما وأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا يرغب بوجود علاقات مع الجانب الروسي، الذي ظل يدعم نظام الأسد لسنوات.

