ما قصة حساب “رهام عابدين” الوهمي الذي أجج الاحتقان الطائفي بسوريا؟

تداول حساب على منصات التواصل الاجتماعي مؤخرا، باسم “د. رهام عابدين”، ادعت فيه صاحبته أنها طبيبة من مدينة جبلة الساحلية، وأنها زارت أحد المسؤولين في المدينة، فتعرضت للإهانة الطائفية، ثم قتلت مع أولادها برصاص مجهولين.

وانتشرت القصة على عدة صفحات محلية على منصة “فيسبوك”، فيما لم تصدر أي تعليقات من الجهات الرسمية، وهو ما أدى إلى تأجيج التوتر الطائفي، الذي هو في الأساس بلغ مستويات خطيرة، وذلك بعد سقوط نظام بشار الأسد، ووقوع أعمال عنف وحدوث حالات خطف وقتل عشوائي ضد العلويين والدروز والمرشديين.

في هذا التوقيت الحساس الذي تمرّ به سوريا، ينبغي على السلطات السورية الجديدة أن تتعامل مع الحملات التضليلية التحريضية بجدية، وأن تضع خططا للحد منها.

لاحقا، تبيّن أن الصور المستخدمة في القصة مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي، وأن الحسابات التي نشرتها أنشئت قبل أيام فقط. فلا وجود للضحية، ولا لعائلتها، ولا للقصة التي حيكت بشكل جيد لتنتشر وتحدث أثرا سلبيا.

ما قصة رهام عابدين؟

بعد متابعة ورصد لعدد من الصفحات على منصة “فيسبوك”، اتضح وجود حساب يُسمي نفسه بــ”د. رهام عابدين”، نشر منشورا تدعي فيه صاحبته أنها زارت مسؤولا محليا في مدينة جبلة، فأساء معاملتها. ترد عليه بالإهانة، وبعد ساعات، يعلن عن مقتلها مع أطفالها برصاص مجهولين.

اللافت أنه خلال أقل من يوم، ظهرت أربعة حسابات جديدة تزعم صلة قرابة بـ”رهام عابدين”. جميعهم نشروا منشورات حزينة تؤكد وفاتها “تحت الرصاص”، وتدعوا للثأر، ما زاد من مصداقية روايتها، وأدى إلى موجة من التضامن والغضب.

لكن سرعان ما تبيّن أن جميع هذه الحسابات وهمية، وأن الصور المستخدمة مُعدلة بتقنية الذكاء الاصطناعي، والحسابات أنشئت حديثا. وبنفس الأسلوب، والصياغة، والتوقيت، والأهداف.

وصورة “رهام عابدين” مأخوذة من حساب روسي، وقد تم تعديلها لتبدو كشخصية جديدة. وكل ذلك، كما ادعى لاحقا صاحب الحساب، جاء لإثبات أن روايات انتهاكات الأمن العام “مفبركة”.

كذبة أخرى!

وبعد فضحت العديد من الحسابات على السوشيال ميديا، قصتها “الوهمية”، قام صاحب الحساب بتغيير اسمه وصورته إلى “معاذ المحارب”، المذيع في “الإخبارية السورية”.

ومن ثم كتب منشورا طويلا، زعم فيه أنه هو من ألّف القصة، وأنه فعل ذلك أمام غير بيدرسون، المبعوث الأممي إلى سوريا، لإثبات أن “روايات انتهاكات الأمن العام مفبركة”.

وقال: “منذ عدة أيام، وخلال جلسة مع السيد غير بيدرسون، المبعوث الأممي إلى سوريا، وفي حديث حول ما يُشاع من انتهاكات وقتل هنا وهناك..”.

وتابع: “فاقترحت على السيد بيدرسون أن أُثبت له أن أغلب تلك الروايات غير حقيقية. وقلت له: سأقوم بإنشاء حساب وهمي على فيسبوك، وأبث من خلاله رواية مختلقة من تأليفي. وبالفعل، أنشأت الحساب. وذكرت في إحدى منشوراتي رواية الدكتورة رهام، وكانت النتيجة أن السيد بيدرسون شاهد أثر الإشاعة بنفسه، وبهذا أثبتنا له صدق الحكومة وجديتها في بسط الأمن والأمان”.

وزعم الحساب أيضا، عبر منشور آخر بأنه تم “تداول البعض مؤخرا معلومات مفادها أن مجموعة من المحامين في محافظة اللاذقية يعتزمون رفع دعوى قضائية ضدي، على خلفية الإجراء التنسيقي الذي تم بالتعاون مع (وزارة الداخلية)، والذي يهدف إلى تسليط الضوء على هشاشة بعض المنصات الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكشف مدى قابليتها لتداول الأخبار المفبركة دون تحقق أو تدقيق”، رغم أن وسائل الإعلام لم تتطرق إلى خبر وفاة الدكتورة ريهام عابدين، إلا أنه تم تداوله فقط عبر صفحات عامة على منصات التواصل الاجتماعي.

ويقول العديد من الصفحات والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إن هذه الصفحة وهمية، وليست تابعة للإعلامي معاذ محارب أيضا.

“لا لتضليل المصداقية”

حساب “رهام عابدين”، شكك فيه العديد من المستخدمين منذ البداية، وحاولوا التحقق من شخصية صاحبته من خلال نشر اسمها وصورتها على صفحات محلية خاصة بمدينة جبلة، فضلا عن مشاركتها على حساباتهم الشخصية.

وكان من بين هؤلاء، مدير منصة “تأكد” لتقصي الحقائق، أحمد بريمو، الذي تبيّن من خلال التعليقات على حسابه إلى أنه لا توجد طبيبة بهذا الاسم في جبلة.

وحول ذلك أيضا، تقول الإعلامية ريما نعيسة: “قد يكون إلصاق اسم الصفحة بالإعلامي واحدة من ألاعيب من يدير الترند في سوريا، في محاولات بائسة لتوجيه الرأي العام وتشويش القضايا الحقيقية”.

فيما كتب الناشط السياسي، عامر المرعي، وهو من الساحل السوري، عبر حسابه على “الفيسبوك”: “نزل منشور من حساب تم انشاءه من أيار الماضي فقط. المنشور كان عن مدير منطقة جبلة وعن حادثة “مفترضة” جرت مع صاحبة الحساب “دكتور رهام بسام عابدين”.. المنشور انتشر متل النار.. 250 مشاركة واكتر.. منها صفحات عندها عشرات آلاف المتابعين”.

وتساءل قائلا: “كيف فينا نتأكد؟ الحسابات واضحة، لكن الأهم.. ليش ما تم نفي الحادثة بسرعة من قبل المسؤولين بجبلة، وهل عاجزين المسؤولين تقنيا يكشفوا هالحسابات من وين أو إذا كانت كلها عم تندار من نفس الـ IP!؟.. الشفافية ووجود إعلام سوري حقيقي ما عاد رفاهية، صار متصل بشكل مباشر بالأمن والسلم الأهلي (إذا في حدا مهتم يعني)”.

هذا وبعد سقوط نظام الأسد، ظهرت شبكة من الحسابات الوهمية والقنوات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لحوادث وقصص ملفقة، هدفها الأساسي بث “الحقد الطائفي”، خاصة ضد الطوائف الأقلية مثل العلويين والدروز والمسيحيين، بهدف تفخيخ التوتر الاجتماعي.

وبحسب تقرير سابق لشبكة الـ”بي بي سي عربية”، فإن أكثر من 60% من هذه الحسابات نشطت خارج سوريا، وتم استخدامها لترويج حملات منظمة تستهدف إثارة خطاب يحض على الكراهية والطائفية، بما فيها تسجيلات صوتية وأخبار كاذبة.

وكان من بينهم نشر تسجيل صوتي منسوب إلى شيخ درزي (الشيخ مروان كيوان)، تم تداوله على أنه يحتوي على إساءة دينية، ما أثار موجة من العنف، اندلعت على إثرها اشتباكات مسلحة في جرمانا وأشرفية صحنايا وصحنايا بدمشق، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا. وحتى الآن، لا وجود لهذا التسجيل الصوتي أساسا.

في هذا التوقيت الحساس الذي تمرّ به سوريا، ولا سيما بعد نحو 53 عاما من “حكم الأسدين” الأب والابن، والذي كان السبب الرئيسي في زرع الأحقاد والتوترات الطائفية والقومية بين السوريين، ينبغي على السلطات السورية الجديدة أن تتعامل مع هذا النوع من الحملات التضليلية بجدية، وأن تضع خططا للحد منها، لما قد تسببه من تفاقم التوتر الطائفي الموجود أصلا بين المجتمع السوري ككل.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم