في وقت تحاول فيه سوريا الخروج من عنق الزجاجة الذي فرضته سنوات الحرب الطويلة، واستعادة توازنها المفقود في قطاع الطاقة، يقف مشهد الطاقة في شرق المتوسط أمام تحولات جديدة، بعد أن وقعت أذربيجان مذكرة تفاهم تتضمن توريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر تركيا، والتعاون والتنسيق في استكشاف النفط، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية.
ومن شأن تلك الخطوة الجديدة أن تضع دمشق مجددًا على خارطة الطاقة، خاصة وأن الاتفاقية تمثل تحولًا جوهريًا في علاقة سوريا بمصادر الطاقة، ليس فقط من زاوية تأمين احتياجاتها المتدهورة من الغاز، بل أيضًا من حيث موقعها كمعبر ومتلقي ضمن شبكة إقليمية جديدة للطاقة.
تعزيز أمن الطاقة
بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، فإن مذكرة تفاهم تم توقيعها مؤخرًا بين أذربيجان وسوريا تنص على توريد الغاز الطبيعي إلى دمشق، إلى جانب تعاون في مجال استكشاف النفط، في وقت أكد فيه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال لقائه نظيره السوري أحمد الشرع، أن سوريا تمر بأزمة طاقة خانقة، وأن المشروع المقرر تنفيذه قريبًا من شأنه أن يعزز أمن الطاقة لديها.

وتزامن ذلك مع إعلان وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عن توقيع اتفاق أولي مع شركة “سوكار” الأذربيجانية لتأمين الغاز الطبيعي لسوريا، في إطار شراكة طويلة الأمد قد تشكّل مدخلاً لتعزيز الاستقلال الطاقي السوري وتنويع مصادر الإمداد.
الزيارة الرئاسية السورية إلى باكو، والتي توّجت هذا الإعلان، جاءت في سياق سياسي يزداد فيه الانفتاح السوري على المحيط الإقليمي بعد سنوات من العزلة، ويعكس التفاهمات الدولية التي ينتج عنها حوافز ذات طابع اقتصادي ودعمًا لقطاع الطاقة في سوريا.
الواقع السوري
بالنظر إلى الواقع السوري في مجال الطاقة، فإن حاجة البلاد إلى الغاز لم تعد ترفًا تنمويًا، بل باتت احتياجًا أساسيًا لاستمرار الحياة اليومية، فوفق تقرير وزارة الكهرباء السورية لعام 2024، فإن العجز اليومي في تزويد محطات التوليد بالغاز الطبيعي يصل إلى نحو 4.5 ملايين متر مكعب.
في ظل إنتاج داخلي لا يتجاوز 2 مليون متر مكعب يوميًا، مقابل حاجة فعلية تتجاوز 6.5 ملايين متر مكعب، وهو ما يفسر انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في مختلف المناطق السورية، وشلل القطاعات الإنتاجية التي تعتمد على الطاقة لتشغيل منشآتها.
أما البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة النفط، فتشير إلى أن الإنتاج السوري من الغاز كان قد بلغ ذروته في عام 2010 عند 8.7 ملايين متر مكعب يوميًا، قبل أن يتراجع بنسبة تتجاوز 75 بالمئة بعد خروج معظم الحقول الكبرى من الخدمة، لا سيما الواقعة شرق الفرات تحت سيطرة “قسد” والتحالف الدولي.
انعكاسات اقتصادية للاتفاق الجديد
بحسب تسريبات نقلها موقع “ترند” الأذربيجاني مطلع تموز/يوليو 2025، فإن الاتفاق الجديد يتضمن توريد ما يصل إلى 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الأذري سنويًا إلى سوريا، عبر شبكة الأنابيب التركية، ضمن اتفاقية ثلاثية ذات طابع استراتيجي.
هذا الرقم في حال تثبيته قد يُغطي نحو 63 بالمئة من العجز الحالي، ويخفف الضغط عن الحكومة السورية في تأمين بدائل مؤقتة من الطاقة، في ظل غياب السيولة المالية.

وسيكون الحصول على الغاز الأذري بمثابة رئة مؤقتة للاقتصاد السوري، تتيح زيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية، وتحسين عمل المنشآت العامة، ورفع مستوى الإنتاج الصناعي الذي تراجع بنسبة تفوق 70 بالمئة منذ عام 2011 بحسب تقارير البنك الدولي.
من جهة أخرى، تمثل هذه الخطوة بالنسبة لأذربيجان توسيعًا لمحفظتها في تصدير الغاز، إذ سجلت صادراتها من الغاز إلى أوروبا نحو 11.4 مليار متر مكعب في عام 2024، وفقاً لما نشرته شركة “سوكار”، وهي تتجه تدريجيًا إلى توسيع حضورها في أسواق الشرق الأوسط.
وهو ما يجعل السوق السورية فرصة لباكو، ليس فقط من ناحية تجارية، بل أيضًا لتكريس حضورها في معادلات النفوذ الإقليمي، خاصة بعد استعادتها الكاملة لإقليم ناغورني قره باغ، وسعيها الحثيث للعب دور سياسي يتجاوز حدود جنوب القوقاز.
تركيا.. المستفيد الثالث
أما تركيا، التي تمرر هذه الصفقة عبر أراضيها، فستكون المستفيد الجيوسياسي والاقتصادي الثالث، إذ ستجني عوائد مباشرة من رسوم مرور الغاز، إضافة إلى مكاسب استراتيجية تعزز موقعها كممر إقليمي للطاقة يربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.
من شأن هذا الدور أن يُعيد إلى أنقرة موقعها كمفصل إقليمي لا يمكن تجاوزه في شبكات الطاقة، خاصة مع تنامي دورها في مشاريع خطوط الأنابيب مثل “تاناب” و”تركيش ستريم” وممر الغاز الجنوبي الذي يربط أذربيجان بإيطاليا.
ومن جانب آخر، تستهدف تركيا تصدير ملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى سوريا سنوياً بدءاً من شهر حزيران/ يونيو، كما أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية أرسلان بيرقدار في آيار/مايو، موضحًا أنه تم الانتهاء من ربط خط الغاز الطبيعي الممتد من ولاية كيليس التركية إلى منطقة حلب السورية.
وأشار بيرقدار إلى أن الغاز التركي سيسهم في إنتاج 1200 إلى 1300 ميغاواط من الكهرباء، أولاً إلى حلب ومن ثم إلى حمص، كاشفاً أن العمل جارٍ على مشاريع تتعلق بتعزيز البنية التحتية للطاقة في سوريا على المدى الطويل، من الإنتاج إلى النقل والتوزيع”.
خطوة عملية
في آيار/ مايو، قال البشير إنه اتفق مع نظيره التركي على تزويد سوريا بـ6 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً عبر خط نقل كلّس–حلب، بما يسهم في زيادة ساعات تشغيل الكهرباء وتحسين واقع الطاقة في سوريا.
ويدرس البلدان إنشاء خط آخر للطاقة بين الريحانية بهاطاي التركية ومنطقة حارم بريف إدلب، بحسب تصريح سابق لوزير الطاقة السوري، حيث أشار إلى أن المشروع “مطروح على جدول الأعمال”.

الاتفاقية رغم ما تحمله من فرص، لا تخلو من تحديات جدية، أولها البنية التحتية السورية المتهالكة، حيث تشير أرقام وزارة النفط إلى أن أكثر من 60 بالمئة من شبكات نقل وتوزيع الغاز قد تضررت أو دمرت خلال الحرب، الأمر الذي يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل قبل استقبال الكميات المستوردة.
وفي حال تنفيذ الاتفاق، فقد يمثل أول خطوة عملية نحو دمج سوريا مجدداً في بنية الاقتصاد الإقليمي، من بوابة الطاقة هذه المرة، لا من بوابة السياسة أو الأمن، وربما يكون ذلك أكثر واقعية في زمن التحولات الباردة.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

