في خطوة لافتة تندرج ضمن تحولات كبرى في ملف الطاقة بسوريا، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، عن اكتمال ربط شبكة الغاز الطبيعي التركية مع الشبكة السورية عبر خط أنابيب يمتد من ولاية كيليس إلى مدينة حلب.
الإعلان جاء خلال مشاركته في الندوة الدولية التاسعة لمنظمة “أوبك” في فيينا، حيث أوضح أن المشروع يمثل تتويجًا لجهود فنية وهندسية استمرت لعدة أشهر، بهدف دعم البنية التحتية للطاقة في سوريا، وتسريع جهود إعادة الإعمار بعد سنوات من التدمير الواسع في القطاع الكهربائي.
مشروع الربط بشبكة الغاز التركية
الاتفاق ينص على تزويد سوريا بنحو 6 ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا، أي ما يعادل ملياري متر مكعب سنويًا، سيتم استخدام معظمها في تشغيل محطات توليد الكهرباء المتوقفة جزئيًا، لا سيما في مدينة حلب، التي تعد واحدة من أكثر المناطق تضررًا في البلاد.
وفقًا للتقديرات الرسمية فإن 50 بالمئة من شبكة الكهرباء بالمنطقة الشرقية من المحافظة غير صالحة للاستخدام، كما بلغ حجم الخسائر بقطاع الكهرباء في المدينة نحو 40 مليار دولار.

وترافق هذا الخط الغازي مع برنامج كهربائي موازٍ يشمل تزويد حلب بـ200 ميغاواط من الكهرباء، على أن تصل الكمية إلى 1000 ميغاواط لاحقًا، مع خطة لاستكمال خط كهرباء بجهد 400 كيلوفولت قبل نهاية العام الجاري.
الحكومة السورية، ممثلة بوزير الطاقة محمد البشير، أكدت بدورها أهمية الاتفاق من الناحية التقنية والاقتصادية، مشيرة إلى أن الغاز القادم من تركيا سيعيد تشغيل البنية التحتية لمحطات حيوية، ويسهم في رفع ساعات التغذية بشكل تدريجي في المناطق المتضررة.
سيادة سورية كاملة
في المقابل، احتفظت الدولة السورية بالسيادة الكاملة على إدارة الشبكة الوطنية والإشراف على التوزيع عبر “الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية”، بحسب ما صرح به مدير عام الموانئ عدنان حاج عمر، الذي أوضح أن نوع الاتفاق هو عقد امتياز يمنح شركة STE التركية – السورية حق التشغيل، دون أن يمس بالسيطرة السيادية.
الأثر الاقتصادي المحتمل لهذا الربط، من شأنه أن يتجاوز مجرد زيادة التغذية الكهربائية؛ إذ يشكل المشروع نقطة انطلاق لتحفيز عودة عجلة الإنتاج الصناعي، خاصة في المناطق الصناعية الكبرى مثل الشيخ نجار في حلب.
من جهته، أوضح المهندس محمد شاهر، أحد المسؤولين في قطاع الطاقة، أن الخطة الحكومية تستند إلى توزيع الغاز بحسب أولويات تقنية تضمن استقرار الشبكة، خاصة في شمال البلاد، وفقًا لما نقل عنه موقع “الجزيرة”.
كما أشار إلى أن تغذية المدينة بـ200 ميغاواط مبدئيًا سيسهم في إعادة تشغيل أكثر من 60 بالمئة من المنشآت الصناعية المتوقفة جزئيًا، مع إمكانية استعادة خطوط إنتاج كاملة في قطاعات النسيج، الصناعات الغذائية، والأدوية خلال فترة تمتد من ستة أشهر إلى عام.
نظام الجزر المعزولة
التقارير تؤكد أن حلب لن تكون المستفيد الوحيد من هذا المشروع، إذ ستُزود مناطق مثل حريتان، عندان، نبل، تل رفعت، وكفر حمرة بالكهرباء وفق نظام الجزر المعزولة، على أن تُستكمل عمليات الربط خلال ستة أشهر إلى عامين بحسب جاهزية المحطات المحلية.
وتنفذ المشروع الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية (STE) بناءً على عقد موقع في السادس من تموز/ يوليو الجاري مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء.

ووفق مصادر في “كهرباء حلب”، فإن وتيرة الإنجاز تجاوزت 25 بالمئة مع تقدم ملحوظ في تجهيز محطات رئيسية.
في السياق نفسه، وقّعت سوريا مذكرة تفاهم مع أذربيجان عبر الوسيط التركي لتوريد الغاز وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات التنقيب والطاقة التقليدية والمتجددة.
تحول استراتيجي
كما أعلنت وزارة الطاقة السورية، في أيار/مايو الماضي، توقيع مذكرة تعاون مع تحالف شركات طاقة بقيمة 7 مليارات دولار لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، بما في ذلك مشاريع الطاقة النظيفة، في مسعى متسارع لتوسيع خيارات التزويد وتقليل الاعتماد على الفيول التقليدي.
الخبير الاقتصادي، أسامة العبد الله، وصف المشروع بأنه “تحول استراتيجي” في إعادة تشكيل ملف الطاقة في سوريا، موضحًا أن كل ساعة كهرباء إضافية تعني دوران خط إنتاج جديد.
تحسين استقرار الكهرباء سيقلل من كلفة الإنتاج، ويعيد جذب المستثمرين المحليين والمغتربين، الذين بدأ بعضهم فعليًا، بحسب تأكيدات وزارة الصناعة، تقديم طلبات لإعادة تشغيل مصانعهم المتوقفة.
الخبير الاقتصادي، أسامة العبد الله
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الطاقة، أحمد سليمان، أن هذه المشاريع تتكامل مع خطة طارئة لتحسين التغذية على المدى القصير، وخطة استراتيجية أوسع للانتقال إلى الطاقة المتجددة، موضحًا أن الاتفاقيات الأخيرة مع تركيا وأذربيجان، إضافة إلى دعم قادم من قطر عبر الأردن، تمنح سوريا تنوعًا في مصادر الإمداد، وتقلل من الضغط الواقع على الشبكة التقليدية.
مضاعفة ساعات التغذية
المنحة القطرية، المعلن عنها في آذار/مارس الماضي، تتضمن تزويد جنوب سوريا بمليوني متر مكعب من الغاز يوميًا لتشغيل محطة كهرباء عبر الأردن، في مشروع غير تجاري يتم تحت إشراف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وقدّر المحلل الأردني عامر الشوبكي، أن هذه الكمية قد تضاعف ساعات التغذية اليومية من ساعتين إلى أربع، ما ينعكس مباشرة على الحياة اليومية، بل وقد يشجع على عودة بعض اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية.
التحديات التقنية، ومنها الحاجة إلى صيانة الشبكات وخطوط النقل القديمة، لا تزال قائمة، لكن ما يميز المشروع هذه المرة هو تجاوزه للإطار النظري، ودخوله في طور التنفيذ العملي بوتيرة متسارعة، خاصة وأن الفجوة بين القدرة الإنتاجية والطلب على الكهرباء بلغت نحو 5.2 غيغاوات، إذ تحتاج البلاد إلى نحو 6500 ميغاوات لتأمين الكهرباء على مدار الساعة، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي 1500 ميغاوات.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

