بينما كانت محافظة السويداء في الجنوب السوري تعيش أيامها الأكثر دموية منذ منتصف الشهر الجاري، تتكشف ملامح رواية مُرعبة تشير إلى أن تلك الأحداث قد تكون جريمة متكاملة الأركان أُعدّ لها مسبقًا على يد الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع.
فبينما كانت الأنظار تتجه نحو بوادر انفلات أمني، كانت أجهزة الدولة – وفقًا لبيانات تحليلية صدرت حديثًا – تتخذ إجراءات منظمة لعزل المحافظة رقميًا، تمهيدًا على ما يبدو، لما ستشهده لاحقًا من عنف طائفي دموي.
دليل جديد
قدم تقرير حديث صادر عن مشروع IODA التابع لمعهد جورجيا التقني، أحد أبرز المراكز العالمية المتخصصة في تحليل بيانات الإنترنت حول العالم، والذي يتتبع سلوك الشبكات العالمية ويراقب أداء البنى التحتية الرقمية في مناطق النزاع، أدلة تقنية تُضاف إلى الروايات الحقوقية التي تتهم الحكومة السورية الانتقالية، بقيادة أحمد الشرع، بالتورط المباشر في تصعيد العنف، والتغطية عليه عبر حجب الإنترنت وفرض تعتيم رقمي شامل.

البيانات التي كشف عنها التقرير في 22 تموز/يوليو، تُظهر بشكل قاطع أن محافظة السويداء شهدت انقطاعًا ممنهجًا ومتدرجًا للاتصال بالإنترنت، بدأ بشكل متقطع مطلع الشهر، ثم تصاعد حتى تحول إلى تعتيم شبه كامل بين 14 و21 من نفس الشهر، أي بالتزامن الدقيق مع الهجمات المسلحة ووقوع مجازر طائفية موثقة في المدينة.
وبحسب التحليل البياني الذي يغطي الفترة من 1 إلى 21 تموز/يوليو، تراوحت نسب الاتصال في الأيام العشرة الأولى بين 30 و90 بالمئة، وهي مؤشرات توحي بتدخل تقني جزئي أو تشويش مقصود.
وقف الخدمة
في الفترة التالية، من 11 إلى 14 تموز، بدأت المؤشرات تهبط سريعًا، قبل أن تنهار كليًا خلال الأسبوع الأخير من الرصد، اللافت في الأمر والأخطر أن بيانات بروتوكول التوجيه (BGP)، التي تُستخدم لتحديد ما إذا كانت الشبكات المحلية قد خرجت فعليًا عن الخدمة، لم تُظهر انهيارًا في البنية التحتية، ما يعني أن الحجب لم يكن بسبب خلل فني أو هجوم خارجي، بل نتيجة قرار مركزي متعمد بوقف الخدمة.
في تقرير سنوي لمنظمة Access Now الرقمية، والمسؤولة عن توثيق عمليات إغلاق الإنترنت في جميع أنحاء العالم والدفاع عن الحقوق الرقمية، حول الإظلام الرقمي العالمي، أكد أن “قطع الإنترنت ليس مجرد انتهاك للحق في الاتصال، بل هو تمهيد للعنف غالبًا”.
بالنسبة للسويداء، فإن هذه الانقطاعات لم تكن سوى واجهة لما اعتبرته منظمات حقوقية مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و”المرصد السوري” مجازر طائفية ارتُكبت في وضح النهار، ولكن بلا تغطية.
صورة مُقلقة
وثّقت التقارير عمليات إعدام ميداني، واعتقالات تعسفية، ونهب واسع لممتلكات المدنيين، وحالات اختفاء قسري طالت أكاديمي فرنسي وأستاذ جامعي أميركي، عُثر لاحقًا على جثتيهما في أقبية مقر أمني خارج المدينة.

وإذا ما أُخذت البيانات التقنية إلى جانب الروايات الحقوقية والميدانية، فإنها ترسم صورة مقلقة للغاية، تفيد بأن عملية أمنية منظمة تم فيها استخدام أدوات الحجب الرقمي ليس فقط للتضييق على وسائل الإعلام أو تقييد الحريات، بل للتستر على ما جرى من انتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.
وقد أصدرت “هيومن رايتس ووتش” بيانًا مؤخرًا، طالبت فيه السلطات السورية بالكشف الفوري عن أسباب قطع الإنترنت في السويداء، وإجراء تحقيق مستقل حول الأحداث.
رواية “الاتصالات” حول سبب الانقطاع
من جهتها عللت وزارة الاتصالات السورية، الأحد، في بيان لها سبب انقطاع الإنترنت بالسويداء، زاعمة أنه ناتج عن صعوبات تقنية، ونفاد الوقود اللازم لتشغيل التجهيزات الفنية.
بررت الوزارة بأن مجموعات خارجة عن القانون أعاقت وصول كميات جديدة من الوقود إلى السويداء، مشيرة إلى أن الخدمات ستظل عرضة للانقطاع مع تعذر إدخال كميات جديدة من الوقود.
ويختتم تقرير IODA بالقول إن “النمط المسجّل لانهيار الاتصال يتطابق مع حالات الحجب المقصود التي سُجلت في دول شهدت عنفًا رسميًا، وفي حين لا تُظهر البيانات التقنية وحدها الجهة المسؤولة، فإنها تقدم دليلاً موضوعيًا على وجود قرار سياسي باستخدام التعتيم الرقمي كأداة للسيطرة الأمنية”.
وفي ضوء ذلك، تبدو حكومة الشرع الانتقالية مطالبة بتوضيح الحقائق كاملة، فما حدث في السويداء، وفق هذه المعطيات، ليس حادثًا عرضيًا ولا اضطرابًا طائفيًا عابرًا، بل هو لحظة مفصلية تكشف عن الوجه الخفي لسلطة تتعمد التعتيم على الانتهاكات واخفاء الأدلة لتورطها فيها.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

