“أُكلت قبل أن تدخل الجيوب”: ارتفاع الأسعار التهم زيادة الرواتب وفاقم الأزمة

في الوقت الذي كان يأمل فيه السوريون أن تنعكس زيادة الرواتب بنسبة 200 بالمئة إيجابياً على قدرتهم الشرائية، جاء الواقع مختلفاً، خاصة مع تسجيل ارتفاعات في أسعار العديد من السلع الأساسية، تراوحت بين 15-20 بالمئة، ووصلت في بعض الحالات إلى 40 بالمئة، ما جعل أثر الزيادة محدوداً، وأبقى الأوضاع المعيشية على حالها.

ورغم تأكيد وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية على استقرار الأسعار وتوفر المواد، إلا أن جولة ميدانية وحديث مواطنين لـ “الحل نت” كشف عن زيادات ملحوظة في مواد أساسية مثل السكر والزيت والأرز والمنظفات، في وقت يعاني فيه السوق من ضعف الإنتاج المحلي واعتماد واسع على الاستيراد.

ارتفاعات تسبق الرواتب

قبل صرف أول راتب بعد الزيادة، بدأت الأسواق تشهد تعديلات سعرية شملت سلعاً أساسية، حيث ارتفع سعر الزيت النباتي من 17 ألف ليرة سورية إلى 20 ألفا، ووصل في بعض المناطق إلى 22 ألف ليرة. ورصد “الحل نت” في جولة ميدانية بأسواق دمشق وريفها، ارتفاع سلع أخرى، إذ وصل سعر كيلو السكر إلى 9 آلاف ليرة بعد أن كان بـ 7500، بينما ارتفع الأرز بمتوسط 15 بالمئة، والمنظفات بين 10-15 بالمئة.

صورة تظهر أسعار بعض أصناف الخضار في أحد محال دمشق – “الحل نت”

لم يقتصر ارتفاع الأسعار على المواد الغذائية فحسب، إنما شملت الخضار أيضا، ارتفع سعر كيلو البندورة من 4 آلاف إلى 6 آلاف ليرة سورية، والخيار ارتفع من 6 آلاف إلى 10 آلاف ليرة، بينما ارتفع الليمون بنسبة 20 بالمئة، إذ شهدت أسعار الخضار ارتفاعا بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة.

وقال رامي، وهو موظف حكومي، إن زيادة الرواتب لم تنعكس على حياته المعيشية وتخفيف الأعباء، بل كانت عبارة عن وهم. وأضاف لـ “الحل نت”: “كنت متخيل إنه الزيادة رح تريحني شوي، بس الحقيقة الأسعار ركضت أسرع من الراتب، حتى الخضرة صارت أغلى بهي الحالة ما استفدت من الزيادة“.

ووصلت الزيادة في بعض المواد والسلع المستوردة إلى حدود 40 بالمئة، الأمر الذي يراه كثير من السوريين بأن زيادة الرواتب كانت أشبه بـ “مسرحية قديمة”، إذ قال سامر، وهو رب أسرة، لـ “الحل نت”، إن الزيادة أُكلت قبل أن تدخل الجيوب، معتبرا أن الحكومة لا تقوم بدورها في حماية المواطنين، ولم تختلف عن الحكومات السابقة في تعاطيها مع الطبقة المتوسطة.

بين الإحباط والتأقلم

رغم أن زيادة الرواتب الأخيرة لم تشمل جميع السوريين، خاصة العاملين في القطاع الخاص، إلا أن الأسعار شهدت ارتفاعات متتالية منذ الإعلان عن زيادة الرواتب بنسبة 200 بالمئة، ما أثر سلبا على مجموعة واسعة من السوريين، ناهيك عن الإحباط من الواقع المعيشي وعدم التغير الملموس في السياسات الحكومية بتعاطيها مع قضايا الشارع السوري وحياته اليومية.

"سوق الحرامية" الواقع على يمين شارع الثورة وسط مدينة دمشق - الحل نت
“سوق الحرامية” الواقع على يمين شارع الثورة وسط مدينة دمشق – الحل نت

وقالت نور عبد الكريم، وهي معلمة متعاقدة مع وزارة التربية منذ 4 سنوات، إن الزيادة الأخيرة لم تشملها وما زال راتبها 450 ألف ليرة سورية، لكن ارتفاع الأسعار طال جميع السوريين وزاد الفجوة بين دخلها الشهري ومتطلباتها المعيشية الأساسية، ما دفعها للتكيف السلبي.

وأضافت لـ “الحل نت”: “الأسعار ارتفعت كتير صار تفرق معنا يعني بدل ما جيب كيلو بندورة للبيت صرت جيب بالحبة واقتصدت بالمواد الغذائية لتكفينا لراس الشهر”.

الارتفاع في أسعار السلع والمواد الغذائية، انعكس تلقائيا على العديد من الخدمات، إذ لجأ حسام، وهو سائق سيارة أجرة، إلى رفع التعريفة لتتناسب مع زيادة الأسعار. وقال اـ “الحل نت”: “أنا ما إلي علاقة بالرواتب الحكومية، بس لما زادوا الرواتب الأسعار ارتفعت ومعد وفا معي كمان، لهيك اضطريت ارفع الأجرة ع الركاب”.

في ظل ما شهدته الأسواق من ارتفاعات متتالية، لجأت بعض الأسر من ذوي الدخل المحدود إلى التكيف السلبي مع الواقع الجديد، إذ لجأت هالة، وهي ربة أسرة، إلى تقنين مشترياتها وباتت تتسوق وفق حاجتها اليومية فقط، بما يتناسب مع الدخل الشهري الذي يأتي من عمل زوجها.

وأوضحت في حديث لـ “الحل نت”: “صرت أشتري الزيت والرز بكميات قليلة كتير بدل الكميات الكبيرة، ما عاد فينا نخزن متل قبل، كل شي عم يطلع سعره كل أسبوع، ما في مراعاة أبداً التجار ما بخافوا الله ناطرين نكشة ليرفعوا الأسعار مع العلم لما ينزل الدولار ما بنزلوا أسعارن بس لما بصير في زيادة بالرواتب برفعوا أسعارن”.

نسبة الفقر تجاوزت 90 بالمئة

يأتي ذلك في وقت ما يزال فيه السوريون يعانون من أوضاع معيشية صعبة نتيجة 14 عاما من الحرب وفرض العقوبات الغربية على سوريا، والتي لم تنته بعد، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم في البلاد.

سواق الحميدية في دمشق – الحل نت

إذ أكد تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، بينما يحتاج 16 مليوناً إلى مساعدات إنسانية، ويعاني 14 مليوناً انعدام الأمن الغذائي من بينهم 1.3 مليون في حال حرجة. في حين أن 60 في المئة من السكان عاطلون من العمل، وفق ما قال وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار مؤخرا.

وساهمت السياسات الحكومية في مفاقمة الأوضاع المعيشية، إذ اعتبرت جمعية حماية المستهلك أن التحول نحو اقتصاد السوق الحر، أدّى إلى تفاقم فوضى الأسعار في سوريا، في ظل غياب الضوابط والرقابة. وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، إن الرقابة التموينية تراجعت عن أداء دورها في ضبط الأسعار، واقتصر عملها على قضايا الغش والتدليس وعدم الإعلان عن الأسعار، ما تسبب في تفاوت كبير بين أسعار التجار.

أخيرا، باتت الأسواق اليوم تعكس معادلة صعبة: دخل أكبر على الورق، لكنه يذوب سريعاً أمام موجة الغلاء، في وقت تتراكم فيه الأعباء الأخرى من كهرباء، ووقود، وبدلات إيجار، ونفقات التعليم والصحة.

ومع غياب أي حلول جذرية أو رقابة فعّالة، يخشى كثيرون أن تتحول زيادة الرواتب إلى مجرد رقم إضافي لا يغير شيئاً في حياة المواطنين اليومية.

5 2 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم