كشف تحقيق أوكراني أن روسيا استأنفت شحنات الحبوب إلى سوريا بعد أشهر من التوقف، مشيرا إلى أن بعض هذه الشحنات “مسروقة” وقد نقلت من أراضٍ أوكرانية والواقعة حاليا تحت الاحتلال الروسي.
وذكرت منصة “Latifundist Media” الأوكرانية أن سفينة الشحن الجاف DAMAS WAVE (المعروفة سابقا باسم GOLDEN YARA، وتحمل الرقم IMO: 8915299)، وتبحر تحت علم جزر القمر، قامت بعدة رحلات بين ميناء فيودوسيا المحتلة في شبه جزيرة القرم وميناء طرطوس السوري.
روسيا تزويد سوريا بالحبوب
وبحسب الصحفية الاستقصائية كاترينا ياريسكو من مشروع SeaKrime، فإن هذه هي الرحلة الثالثة التي تحمل فيها السفينة حبوبا أوكرانية من مناطق محتلة، واصفة الأمر بأنه “استغلال غير مشروع للموارد الزراعية” في المناطق التي تحتلها روسيا.
وسجلت خريطة “مارين ترافيك” مسار السفينة من شبه جزيرة القرم المحتلة باتجاه مضيق البوسفور. ووفقا لها، تعد هذه الرحلة الثالثة للسفينة إلى سوريا محملة بالحبوب “المسروقة” من أوكرانيا. وكتبت ياريسكو على موقع التواصل الاجتماعي “إكس”: “وصلت “داماس ويف” إلى فيودوسيا قادمة من طرطوس مُحمّلة، وفي 31 تموز/يوليو، تم تفريغ حمولتها بالفعل وبدأت عملية تحميل جديدة”.

وتظهر صور أقمار صناعية وبيانات تتبع السفن، وفقا لياريسكو، أن السفينة وصلت إلى فيودوسيا قادمة من طرطوس بتاريخ 31 تموز/يوليو الفائت، حيث أفرغت حمولتها، ثم بدأت عملية تحميل جديدة قبل أن تغادر في 15 أو 16 آب/أغسطس الجاري متجهة مجددا إلى سوريا ومن المتوقع أن تصل في 22 من الشهر الجاري، أي بعد يومين.
هذا وكانت وكالة “تاس” الروسية قد كشفت في وقت سابق أن موسكو زودت سوريا بشحنة قمح “لمرة واحدة” لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد، وذلك بسبب تراكم ديون على النظام السابق. الشحنة، البالغة 6600 طن، وصلت إلى ميناء اللاذقية في 20 نيسان/أبريل على متن السفينة الروسية “بولا مارينا”، قبل أن تعود إلى ميناء روستوف.
وتشير الأرقام الواردة إلى أن سوريا لم تتلق حتى الآن سوى مساعدات طارئة محدودة، بما في ذلك 220 ألف طن القمح من العراق و500 طن دقيق من أوكرانيا.
هل تعود العلاقات السورية الروسية؟
يتزامن استئناف روسيا تصدير الحبوب إلى سوريا، إن صح التحقيق، مع مؤشرات على إعادة ترتيب العلاقات بين موسكو ودمشق بعد مرحلة من الفتور، وذلك عقب سقوط نظام بشار الأسد.
ويبدو أن القرار الروسي بإرسال شحنات قمح جديدة إلى ميناء طرطوس لا يبدو مجرد استجابة لحاجة سوريا الماسة إلى هذه المادة الاستراتيجية، بل يدخل في إطار مقايضة سياسية أوسع، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وفد سوري رفيع بقيادة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو في تموز/يوليو الماضي.
الزيارة لم تقتصر على بحث التعاون الاقتصادي، بل شملت ملفات عسكرية حساسة كتعزيز الوجود الروسي في الساحل وإمكانية نشر قوات في الجنوب، ما يعكس رغبة موسكو على توسيع نفوذها الاستراتيجي مقابل ضمان دعم دمشق على عدة أصعدة.
وبالتالي، يمكن اعتبار إمدادات القمح الروسية ورقة تفاوض بيد موسكو، ومؤشرا على طبيعة العلاقة المستقبلية بين البلدين. فدمشق التي وجدت نفسها تبحث خلال الأشهر الماضية عن بدائل للقمح الروسي، عادت لتعتمد مجددا على روسيا في تلبية احتياجاتها الغذائية، ما يضعها في موقع التبعية مجددا للقرار الروسي على نحو يعيد إلى الأذهان نهج الأسد السابق.
من جانبها، يبدو أن موسكو تسعى من خلال هذه الخطوة وغيرها إلى توسيع حضورها العسكري والسياسي في سوريا، إذ كشفت صحيفة “كوميرسانت” الروسية أن السلطات الانتقالية أبدت اهتماما باستئناف دوريات الشرطة العسكرية الروسية في محافظات الجنوب، كما كان الحال قبل سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بما يمنح روسيا فرصة لتعزيز نفوذها في الداخل السوري.
واليوم، ومع تكرار الضربات الإسرائيلية، رغم سقوط نظام الأسد، تبدو روسيا ترغب أن تلعب دورا في الحد من التصعيد بين سوريا وإسرائيل عبر إنشاء قنوات تنسيق عسكرية غير معلنة، بهدف تجنب المواجهات المباشرة، فضلا عن تسيير دوريات الشرطة العسكرية في الجنوب، وذلك بغية الحفاظ على نفوذها في سوريا وتعزيز موقعها بالمنطقة ككل، ما يؤشر إلى أن اتفاقيات جديدة قد ترتسم بين هذه الأطراف.
لكن في العموم، استمرار الوجود الروسي بسوريا، سيتسبب في تعقيد حسابات الغرب وواشنطن، ويقلل من فرص التعاون والشراكة الاستراتيجية، كما سيجعل ملف العقوبات مأزوما بتداعيات السلبية، على الوضعين الاجتماعي والسياسي.

وعلى اعتبار أن جرائم روسيا في حق المدنيين بسوريا وبنيتها التحتية التي دمرتها بطائراتها لا تقل فداحة عن ما ارتكبه نظام الأسد وبراميله المتفجرة. وعليه، فإن استمرار هذا التواجد سيبعث أيضا بانقسام وغبن شديدين داخل المجتمع السوري الذي يسعى إلى الخروج من الحقبة السابقة، وطي صفحة الماضي، وبناء دولة طبيعية لها سيادتها، ومصالحها.
أزمة غذاء بسوريا
أكدت مصادر لوكالة “رويترز” في وقت سابق أن روسيا كانت موردا رئيسيا للحبوب قبل الإطاحة بنظام الأسد، لكنها أوقفت الإمدادات إلى حد كبير منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 بسبب تأخير الدفع وعدم اليقين بشأن الحكومة الجديدة.
هذا وتواجه سوريا أزمة غذائية محتملة هذا العام بعد أن أدى أسوأ جفاف منذ 36 عاما إلى خفض إنتاج القمح بنحو 40%، مما وضع حكومة دمشق الانتقالية التي تعاني من نقص السيولة في موقف صعب، غير قادرة على تأمين مشتريات واسعة النطاق، حسبما أوردته “رويترز” مؤخرا.
وقال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (فاو) لـ”رويترز” إن “نحو 3 ملايين سوري قد يواجهون الجوع الشديد”، وأضاف أن أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 25.6 مليون نسمة يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي.
وقال مسؤول حكومي سوري، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الحكومة الجديدة اشترت 373,500 طن فقط من القمح من المزارعين المحليين هذا الموسم. وهذا يمثل حوالي نصف الكمية المشتراة العام الماضي.
وأضاف المصدر ذاته أن من المتوقع أن تستورد الحكومة نحو 2.55 مليون طن هذا العام. لكن دمشق لم تعلن بعد عن أي صفقات كبيرة لاستيراد القمح وتعتمد على شحنات خاصة صغيرة يبلغ مجموعها نحو 200 ألف طن بموجب عقود مباشرة مع مستوردين محليين، حسبما قال مصدران في الصناعة طلبا عدم الكشف عن هويتهما.

