إيلام.. مشاهدات من مدينة إيرانية تعيش على وقع الأزمات الخفية

قبل نحو أسبوعين من الآن، وبينما حدث في العراق انطفاء عام لمنظومة الكهرباء بشكل مفاجئ تزامنا مع طقس لاهب وصلت فيه درجة الحرارة إلى 50 مئوية، قررت الذهاب برحلة قصيرة إلى مدينة إيلام الإيرانية لابتعد عن الحر الذي لا يرحم. تبعد مدينة إيلام مركز محافظة عن بيتي في العراق مسافة 80 كم، بينما لا يفصلني عن الحدود الإيرانية سوى 5 كيلو متر.

وصلت إلى إيلام قادما من مدينة بدرة الحدودية التابعة لمحافظة واسط العراقية. رحلة لم تستغرق سوى ساعة واحدة وبالنسبة للقادم من العاصمة بغداد فالرحلة ستكون 4 ساعات. تقع إيلام في غرب إيران، وتعتبر من أصغر المدن الإيرانية من حيث السكان بـ 580 ألف نسمة، وهي مدينة كردية، وتُعد جزءا من جغرافيا كردستان الكبرى التي تتوزع على أربع دول: العراق، وإيران، وتركيا، وسوريا. تقع إيلام في شرق كردستان.

إيلام مدينة جبلية محاطة بالخضار من كل مكان، وطقسها في الصيف جيد مقارنة بمناطق الشرق الأوسط الأخرى. ففي شهري يوليو وأغسطس، تكون درجة الحرارة فيها نهارا بين 33 و35 درجة مئوية فقط، بينما تقارب الحرارة في دول مثل العراق 50 درجة مئوية. وفي الليل، تنخفض الحرارة لتصبح منعشة بين 20 – 25 درجة مئوية، لهذا اخترتها للهروب لـ 3 أيام من حرارة مدينتي.

بعيدا عن طبيعتها الخلابة، وجدت مدينة تعيش على وقع أزمات خفية تلامس حياة أهلها اليومية، لتتحول التقنية والاقتصاد والمجتمع إلى تفاصيل تحكي قصصا عن تحديات تتجاوز حدودها الجغرافية، فتأثير السياسة كان واضحا على مفاصل الحياة في المدينة.

واقع المدينة وأهلها: بين القيود والروح الحرة

على الصعيد الاجتماعي، لاحظت أن السكان يتحدثون اللغة الكردية، وتحديدا الكردية الجنوبية “خوراني”، وهي لهجة يتحدث بها معظم الكرد من الفيليين، وسكان إيلام هم كرد فيليون، كثير منهم من أصول عراقية كانوا يسكنون في محلات بغداد القديمة مثل الصدرية والكفاح وعگد الكراد. قام بتهجيرهم رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين وسحب جنسيتهم بعذر أنهم ليسوا عراقيين، فلجأوا إلى إيلام وكرمنشاه ومنهم من ذهب إلى طهران وبقية مدن إيران.

في إيلام، المثير للإعجاب هو هيمنة النساء الكرديات الإيرانيات الواضحة على سوق العمل؛ فهن يشكلن نحو 60 % من العاملين في المولات والأسواق والمطاعم والفنادق وبقية الحرف، ووجودهن القوي يمنح المدينة طابعا خاصا وديناميكية مميزة.

تتمتع نساء إيلام بحرية أكبر في اللباس مقارنة بالنساء الفارسيات. بعضهن يخرجن في قلب المدينة وهن سافرات لا يرتدين الحجاب، بينما ترتديه الأخريات بشكل رمزي لا يغطي شعرهن بالكامل، ويزلنه بكل أريحية، وحين تتجول في المدينة تجدهن يتفوقن عدديا على الرجال بين الناس المارة.

تأثير الحرب والسياسة على مفاصل الحياة

يُعد شارع سعدي شريان الحياة النابض في مدينة إيلام. سُمي الشارع بهذا الاسم تكريما للشاعر الفارسي الشهير سعدي الشيرازي، حيث يوجد تمثال له في قلب الشارع كرمز له. الشارع يمثل مركزا تجاريا حيويا، فهو يضم العديد من الأسواق والمولات والمطاعم والمقاهي. وتصل الحركة فيه إلى ذروتها بدءا من الساعة الخامسة عصرا وحتى التاسعة مساء، حيث يمتلئ بالمتسوقين والزوار، بل وبإمكانك أن ترى بشكل لافت أن النساء في الشارع هن أكثرية مقارنة بالرجال.

هذا الشريان ليس بمعزل عن الأزمات، بل تأثر مباشرة بالأحداث الأخيرة وهنا أقصد الحرب الإسرائيلية الإيرانية. كان أول ما لفت انتباهي هو إجراءات الأمن الاستثنائية التي فُرضت بعد “حرب الـ 12 يوما”. فعند محاولتي استخدام نظام تحديد المواقع (GPS)، وجدت أنه لا يعمل.

شا،ع سعدي وسط إيلام – (الحل نت)

سألني سائق التكسي الذي حاولت أن أُظهر له عنوانا لمزرعة في كارزان كي أذهب إليه، بابتسامة مُرة: “هل سمعت عن القصف الإسرائيلي؟”، ليردف بأن السلطات أغلقت النظام بالكامل كإجراء احترازي، خوفا من استخدامه لاستهداف واغتيال القيادات والجنرالات الإيرانية في طهران؛ لأن التحقيقات أفادت بأن الاغتيالات التي طالت كبار قادة البلاد العسكريين والخبراء النووين خلال الحرب على يد إسرائيل، كانت عن طريق نظام “GPS”.

هذا الإجراء أثّر على السائقين بشكل عام، وسائقي التكسي بشكل خاص، ويمكنك أن ترى الانزعاج بوضوح على محياهم؛ لأنه ببساطة بات يجعلهم يتيهون بين الشوارع أحيانا، ويتأخرون عن الوجهات التي يقصدونها، لا سيما تلك التي تكون بعيدة وخارج مركز المدينة.

القيود لم تتوقف عند هذا الحد. فالإنترنت في إيلام، وفي كل إيران مقيّد للغاية. لم يكن متاحا سوى تطبيق “واتساب” بشكل مباشر، بينما كانت كل المنصات الأخرى تتطلب استخدام شبكات خاصة افتراضية (VPN) للوصول إليها، وهو ما يعكس رقابة مشددة على الفضاء الرقمي بعد القصف الإسرائيلي الأخير.

خامنئي على الألسن بحيطة وحذر!

ما لفت انتباهي، أن أكثر ما أثار قلق السكان المحليين هو انقطاع الكهرباء اليومي. قبل القصف الإسرائيلي، لم تكن الكهرباء تنقطع أبدا، لكن الآن، أصبح الانقطاع لساعتين يوميا أمرا طبيعيا. ورغم قصر المدة، إلا أن الناس غير متأقلمين معه، فبمجرد أن تنطفئ الكهرباء ستشاهد التململ والانزعاج بشكل مباشر على وجوه الناس.

حين سألت عددا من السائقين ممن ركبت معهم عن الجرأة في سب المرشد، قالوا إنهم يترددون في شتم خامنئي إلا فبما بينهم أو من يعتقدون بأنه محل ثقة وذلك خشية من أي إجراء أمني قد يطالهم. هذا الأمر الذي شاهدته يدل على أن الأزمة العسكرية لم تكن مجرد حدث عابر، بل تركت آثارا ملموسة على البنية التحتية وحياة الناس.

واقع اقتصادي منعش للسائح مرهق للمواطن

تعتبر مدينة إيلام شريانا اقتصاديا مهما لإيران، حيث تعد منفذا بريا حيويا عبر الحدود مع العراق، وتحديدا عند منفذ مهران – زرباطية الذي يربط المدينة بـمحافظة واسط العراقية. هذا المعبر الحدودي يشهد أكبر تبادل تجاري بين البلدين، خاصة في مواسم معينة من كل عام، مما يجعله نقطة استراتيجية وحيوية للاقتصاد الإيراني.

رغم ذاك، إلا أن الواقع الاقتصادي يختلف تماما للإيرانيين، فحين وصلت كانت العملة غير ثابتة وتتجه نحو الهبوط. فخلال يومين فقط، قفز سعر صرف 100 دولار من 9 ملايين تومان إلى 9.5 ملايين تومان. هذا الانهيار في قيمة التومان هو نتيجة للعقوبات الأميركية المفروضة على الاقتصاد الإيراني. إن ما يُعد فرصة إيجابية للسائح الذي يحمل عملة أجنبية أو عملة بلاده، هو في الواقع انعكاس للعبء الاقتصادي الذي يعيشه المواطن الإيراني.

لقد عشت هذا التناقض بنفسي، حيث قمت بصرف قرابة 50 دولارا أميركيا فقط خلال رحلتي التي استمرت 3 أيام. هذا المبلغ كان كافيا لاستئجار شقة كبيرة مكونة من ثلاث غرف وصالة وشرفة، والقيام بجولات سياحية، وتناول أشهى الأطباق الإيرانية، وشراء الهدايا التذكارية.

قرية في منطقة كارزان بإيلام – (الحل نت)

كمثال على ذلك، هو أن وجبة بيتزا كبيرة الحجم لا تكلف السائح سوى دولارين أميركيين فقط، بينما يمثل هذا المبلغ ثمنا باهظا للمواطن الإيراني الذي لا يستطيع شراء هذه الوجبة إلا مرة واحدة كل أسبوع، فسائق التكسي كي يحصل على هذين الدولارين عليه إما أن يقوم برحلة تستغرق 50 كم، أو 4 رحلات في وسط المدينة نفسها.

مثال آخر على الانهيار في الاقتصاد الإيراني، هو أنه يمكنك استئجار فيلا فخمة أو مزرعة فاخرة تحتوي على كل وسائل الرفاهية، مثل مسبح إلى بلياردو وفيشة وأشجار مثمرة بالعنب والتين والرمان، بمبلغ 25 دولارا أميركيا فقط لليلة الواحدة، أما المزرعة العادية -تحتوي على ذات الوسائل بجودة أقل- والتي سكنتها أنا فتكلفتها تتراوح بين 12 و15 دولارا.

إيلام: التاريخ والحاضر

تُعدّ مدينة إيلام، وعاصمتها محافظة إيلام، جزءا من الأرض التاريخية التي كانت موطنًا للحضارة العيلامية القديمة. وقد استمدت المدينة اسمها من هذه الحضارة العريقة التي يعود تاريخها إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد.

في النهاية، غادرت إيلام وأنا أحمل في ذاكرتي صورة معقدة. إنها مدينة تختزن تاريخا عريقا وتتميز بطبيعة خلابة، ولكنها في الوقت نفسه تعيش تحت وطأة تأثيرات الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية. إنها مدينة ترفض أن تخبو روحها، وتستمر في الصمود بابتسامة رغم كل شيء.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم