جدل دستوري حول صلاحيات “شقيق الشرع”.. أين دور مجلس الوزراء؟

شقيق الشرع

أثار مشروع القانون المالي الأساسي الجديد الذي يجري تداوله داخل أروقة السلطة في دمشق عاصفة من الجدل القانوني والسياسي، بعدما كشفت مسودته عن بنود تمنح الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية التي يتولى منصب الأمين العام لها ماهر الشرع شقيق الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، صلاحيات واسعة كانت، بحسب الدستور السوري، حكرًا على مجلس الوزراء.

هذا التحول غير المسبوق، الذي يضع الأمين العام في موقع يمارس فيه صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول الأسس الدستورية التي استند إليها، والآثار المترتبة عليه في مسار توزيع السلطة داخل الدولة.

صلاحيات استثنائية للأمين العام

بحسب المسودة، تخول المادة “19” الأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع بفتح الاعتمادات اللازمة بقرار من الوزير المختص في حالات الكوارث أو الظروف الاستثنائية التي تهدد أمن الدولة، أو مصالحها العليا ومواجهة المتغيرات الاقتصادية غير المتوقعة التي تؤثر على تنفيذ الموازنة العامة للدولة.

فيما أظهرت “المادة 26” من القانون أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تتولى بدورها دراسة مشروع الموازنة العامة، وبعد اعتماد صيغته النهائية ترفعه إلى رئيس الجمهورية مرفقًا بتقرير الوزير (وزير المالية) لإحالته إلى مجلس الشعب، وذلك قبل 60 يومًا على الأقل من بداية السنة المالية التي تعود لها تلك الموازنة.

هذا القلق تصاعد أكثر مع ما كتبته الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، عبر صفحتها على موقع فيسبوك، حين طرحت تساؤلين اعتبر الأكثر مباشرة في هذه القضية: الأول حول السند الدستوري الذي سمح بنقل صلاحيات مجلس الوزراء إلى الأمانة العامة التي هي في الأصل جهاز إداري تابع لمؤسسة الرئاسة، والثاني حول ما إذا كان هذا القرار سيصدر بالصيغة ذاتها لو لم يكن الأمين العام الحالي شقيق رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع.

تحول يمس دولة القانون

سيروب أكدت أن هذا التغيير ليس مجرد تعديل إجرائي، بل يمثل تحولًا محوريًا في آليات إدارة شؤون البلاد، خاصة في الجانب المالي الذي يُعدّ عصب الاقتصاد، موضحة أن القضية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تمس مبدأ دولة القانون واستقلالية المؤسسات، وهو ما يتطلب إجابة واضحة حول مدى قانونية هذا النقل للصلاحيات وحدوده.

من الناحية الدستورية، يحدد الدستور السوري مجلس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية العليا المسؤولة أمام مجلس الشعب عن إدارة الدولة في مختلف قطاعاتها، بما في ذلك المالية.

 وفي المقابل، فإن الأمانة العامة للرئاسة جهاز إداري يعاون رئيس الجمهورية في أداء مهامه، ولا يملك أي سند قانوني لممارسة صلاحيات تشريعية أو تنفيذية مستقلة.

مخاوف من خلل في توازن السلطات

بناء على ذلك أشارت سيروب، إلى أن نقل هذه الصلاحيات الحيوية إلى مؤسسة غير خاضعة للمساءلة العلنية أمام البرلمان يُنظر إليه كخلل في توازن السلطات، وخطوة تعمّق من مركزية القرار داخل مؤسسة الرئاسة بعيدًا عن أي رقابة دستورية أو مؤسساتية.

المخاوف لا تقف عند حدود الصياغة الدستورية فقط، بل تمتد إلى طبيعة المرحلة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها سوريا، فالمشروع الجديد يتناول القانون المالي الأساسي، وهو حجر الأساس في إدارة المال العام وتوزيع الموازنات ورسم السياسة المالية للدولة.

وإخراج هذا الملف من يد مجلس الوزراء، الجهة التي يفترض أن تكون مسؤولة عن صياغة السياسة المالية ومناقشتها أمام البرلمان، يعني حرمان العملية من آليات الشفافية والمساءلة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على ثقة الشارع والقطاع الاقتصادي بمؤسسات الدولة.

غياب التفسير الرسمي يعمّق الشكوك

رغم أن الحكومة لم تقدم بعد أي تفسير رسمي أو قانوني لهذه الخطوة، إلا أن تساؤلات الأوساط الاقتصادية تعكس مخاوف من أن يكون القرار مرتبطًا بالتركيبة الشخصية لقيادة المرحلة الانتقالية أكثر من ارتباطه بمقتضيات إصلاح مؤسسي حقيقي.

فالأمين العام الحالي، حازم الشرع، هو الشقيق الأكبر لرئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع، وهو ما دفع محللين إلى القول إن هذا التداخل بين روابط الدم والقرار السياسي قد يفتح الباب أمام اتهامات بالمحسوبية وتغليب الاعتبارات العائلية على مبادئ الحوكمة الرشيدة.

وفي ختام منشورها، دعت الباحثة الاقتصادية إلى ضرورة توضيح الأساس القانوني لهذا القرار، والأهداف المرجوة منه، وتقديم ضمانات واضحة حول آليات المساءلة والشفافية.

وأكدت على أن مبدأ دولة القانون يقتضي أن تكون جميع القرارات، خاصة تلك المتعلقة بتوزيع السلطات، مبنية على أسس دستورية صلبة وبعيدة عن أي تفسيرات شخصية قد تقوض الثقة في مسار الإصلاح المؤسسي.

لجنة تعمل في الخفاء

هذا البعد لم يقتصر على تحليلات داخلية، بل وجد صداه في تحقيق استقصائي نشرته وكالة “رويترز” للأنباء، كشفت فيه أن حكومة الشرع الانتقالية تعمل على إعادة تشكيل الاقتصاد السوري بعد سنوات العقوبات، تحت إشراف لجنة غامضة يقودها شخصيات ظلّت مخفية الهوية.

التحقيق أشار إلى أن حازم الشرع يشرف بشكل مباشر على هذه اللجنة، إلى جانب شخصية مثيرة للجدل هي “أبو مريم الأسترالي” (إبراهيم سكرية)، وهو أسترالي من أصل لبناني مدرج على قوائم العقوبات في بلاده بتهمة تمويل الإرهاب.

ووفق “رويترز”، حصلت هذه اللجنة على أصول تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار، منها ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار أُخذت من ثلاثة رجال أعمال بارزين كانوا جزءًا من تكتل اقتصادي يسيطر عليه مقربون من الرئيس السابق بشار الأسد، شملت حصصًا في شركات كبرى مثل شركة الاتصالات الرئيسية في البلاد بقيمة تقارب 130 مليون دولار.

تداخل الصلاحيات وغموض المشهد

اللافت أن الحكومة لم تعلن رسميًا عن إنشاء هذه اللجنة أو طبيعة عملها، ما جعل صلاحياتها مكشوفة فقط لأولئك الذين يتعاملون معها بشكل مباشر، وهو ما يزيد من غموض المشهد ومنح الجدل حول القانون المالي بعدًا إضافيًا يتعلق بتوزيع الثروة وإدارة الأصول.

هذا التداخل بين نصوص قانونية غامضة، ولجان غير معلنة تعمل في الخفاء، وصلاحيات استثنائية تُمنح لشخصيات مرتبطة بعلاقات عائلية مباشرة مع رأس السلطة، يثير مخاوف عميقة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة في سوريا.

فبينما كان السوريون يتطلعون إلى مرحلة انتقالية تعزز استقلالية المؤسسات وتعيد الثقة بالحوكمة، يجدون أنفسهم أمام مشهد يعيد إنتاج مركزية القرار ويُغيب دور المؤسسات المنتخبة لصالح دوائر ضيقة غير خاضعة للمساءلة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم