أرقام من قلب الأزمة.. استطلاع يكشف حقيقة الأوضاع الاقتصادية في سوريا

الأوضاع الاقتصادية

أظهرت نتائج استطلاع واسع أجراه “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” بالتعاون مع “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، ملامح دقيقة للواقع السوري بعد تسعة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وتولي الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، كاشفًا عن توازنات متباينة بين التفاؤل والخوف، وبين الثقة بالحكومة الجديدة واستمرار الشكوك حيال أدائها الاقتصادي والاجتماعي.

الاستطلاع، الذي شمل عينة كبيرة من 3690 مشاركًا موزعين على جميع المحافظات والتكوينات الاجتماعية والاقتصادية، يعد الأول من نوعه في سوريا من حيث الحجم والتغطية، ونفذ خلال الفترة الممتدة بين 25 تموز و17 آب، وبمشاركة أكثر من مئة باحث وباحثة، وتضمن أكثر من 420 سؤالًا تناولت قضايا الاقتصاد والسياسة والأمن والهوية الوطنية، بحسب ما أعلن المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث، محمد المصري، خلال مؤتمر صحفي عقد في دمشق.

الاقتصاد.. صورة قاتمة رغم وعود الحكومة

كشفت الأرقام أن صورة الاقتصاد السوري ما تزال قاتمة في عيون غالبية المواطنين، إذ رأى 64 بالمئة من المستطلعة آراؤهم أن الوضع الاقتصادي سيئ، مقابل 34 بالمئة فقط وصفوه بالجيد، في انعكاس مباشر للتحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، حيث ترتفع معدلات البطالة وتبقى الأسعار خارج السيطرة رغم وعود الحكومة الجديدة.

ومع ذلك، فإن نحو 59 بالمئة من المشاركين قالوا إن السياسات الاقتصادية تعبر عن تطلعاتهم، وهو ما يعكس قدرًا من التفاؤل أو ربما منح فرصة للحكومة كي تثبت قدرتها على إدارة الملفات المعقدة.

أما على صعيد الأمن، فقد أبدى 56 بالمئة من المشاركين رضاهم عن مستوى الأمان مقابل 42 بالمئة اعتبروه غير كافٍ، فيما رأى أكثر من نصفهم أن الحكومة نجحت في مهام أساسية مثل مكافحة الجرائم وحماية الممتلكات الخاصة والحفاظ على وحدة البلاد، لكن ثقة أقل من النصف وُضعت في أدائها بملفات حيوية كالبطالة وضبط الأسعار ومكافحة الخطاب الطائفي والتعامل مع الاحتلالات الأجنبية المتبقية بعد سقوط النظام السابق.

المفارقة أن 84 بالمئة من المشاركين عبروا عن شعور متفاوت بالخوف، من خوف دائم إلى قلق محدود، ما يعكس استمرار هشاشة الحياة اليومية رغم مؤشرات التحسن الأمني.

السياسة بين المشاركة والثقة المنقسمة

في المجال السياسي، اتسمت النتائج بنوع من التباين، إذ وصف 57 بالمئة من المشاركين الوضع السياسي بالجيد، بينما رآه 37 بالمئة سيئًا، كما أبدى 80 بالمئة اهتمامًا بالشأن العام بدرجات متفاوتة، في مؤشر إلى ارتفاع درجة الانخراط الشعبي بالسياسة بعد عقود من العزوف أو الإقصاء.

 بالموازاة، عبّر أكثر من نصف المستجيبين عن ثقة بمؤسسات الدولة، بما فيها الحكومة والأجهزة الأمنية والدفاعية والمحافظون، ما يشير إلى أن شرعية هذه المؤسسات ما تزال قائمة رغم التحديات.

غير أن مسألة تطبيق القانون أظهرت انقسامات واضحة، إذ رأى 47 بالمئة أن الحكومة تطبقه بالتساوي، مقابل 30 بالمئة قالوا إنها تحابي فئات معينة، و12بالمئة اعتبروا أنها لا تطبقه بعدالة على الإطلاق.

انتشار الفساد

قضية الفساد بدت الأكثر حضورًا في وعي السوريين، إذ أجمع 89 بالمئة من المشاركين على أنه ما يزال منتشرًا بدرجات متفاوتة، وإن كان 56 بالمئة منهم يرون أن مستوياته انخفضت مقارنة بما كان عليه قبل سقوط النظام السابق، ما يعكس توقعات عالية من الحكومة الانتقالية بإحداث فرق ملموس في هذا الملف الذي أنهك البلاد لعقود.

في المقابل، وصف 61 بالمئة السياسة الخارجية بأنها معبرة عن تطلعات السوريين، في حين أبدى 25 بالمئة اعتراضهم، ما يفتح المجال لتساؤلات حول قدرة الدبلوماسية السورية على تحقيق توازن بين الداخل المثقل بالأزمات والرهانات الإقليمية والدولية.

أما على صعيد الهوية الوطنية، فقد أظهرت النتائج استمرار التصدعات الاجتماعية رغم مرور أشهر على التغيير السياسي، إذ اعتبر 64 بالمئة أن السوريين نجحوا بدرجات متفاوتة في الانصهار ضمن بوتقة الأسرة الواحدة، لكن 12بالمئة أكدوا أن هذا الاندماج لم يتحقق على الإطلاق.

 الهوية الوطنية وتحديات الانقسام

بشأن العامل الأهم في تشكيل الهوية الوطنية، توزعت الآراء بين الثقافة السورية المشتركة (19 بالمئة) واللغة العربية (17 بالمئة) والعيش على الأرض السورية (10بالمئة)، فيما ذهبت نسب أخرى أقل نحو الدين والتنوع والعادات والتقاليد والعروبة والولاء للوطن أو الدولة.

غير أن الوجه الأكثر قتامة عكسته نظرة السوريين إلى واقع الطائفية والتمييز، حيث قال 85 بالمئة إن خطاب الطائفية ما يزال منتشرًا، وأشار 83 بالمئة إلى وجود تمييز على أساس مذهبي وديني، و80 بالمئة تحدثوا عن تمييز على أساس المحافظات، و77 بالمئة عن تمييز بين أبناء الريف والمدينة.

 كما أقرّت نسبة 84 بالمئة بأن السوريين اليوم يصنفون أنفسهم والآخرين وفق انتماءاتهم الدينية والمذهبية، بينما أكد 75 بالمئة أن هذه الظاهرة إما بقيت على حالها أو ازدادت مقارنة بما كانت عليه قبل عام.

بشكل عام، تعكس نتائج هذا الاستطلاع صورة معقدة للمجتمع السوري، حيث يتداخل فيها القلق الاقتصادي العميق مع تفاؤل حذر تجاه الاستقرار الأمني والسياسي، وتبرز تحديات الانقسام الاجتماعي والطائفي كأحد أكبر العقبات أمام بناء مستقبل مستقر.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم