أعلن الرئيسُ السوري أحمدُ الشرع، خلال لقائه مع مجموعةٍ من الإعلاميين العرب في دمشق، أنّه لا ينتمي إلى أيّ تنظيمٍ جهاديّ، ولا يربطه أيُّ ارتباطٍ بجماعةِ “الإخوان المسلمين”، وأكّد أنّه ليس جزءًا من موجةِ الربيع العربي. جاءت تصريحاتُه واضحةً على لسانه، إذ قال إنّه لا يريد أن يكون امتدادًا لأيّ حركةٍ جهاديةٍ أو تنظيمٍ إسلاميّ، وليس مرتبطًا بذلك بأيّ شكلٍ من الأشكال.
أثار حديثُ الشرع هذا جملةً من التساؤلات حول مصيرِ جماعةِ “الإخوان المسلمين” في سوريا الجديدة: هل هي في طريقها إلى الحظر كما حدث في بعضِ الدول العربية؟ أم أنّها ربما تتعرّض لتجميدِ نشاطها لمدّةٍ ليس إلّا؟ أو ربما لا يحدث شيءٌ من هذا ولا ذاك، إنّما هي مجرّدُ فقاعاتٍ إعلامية؛ لأنّ جماعةَ “الإخوان المسلمين” في سوريا باتت ضعيفةً منذ أكثرَ من عقدين، وليست لها حاضنةٌ شعبيةٌ كبيرةٌ في سوريا.
فحديثُ الشرع أحدث صخبًا إعلاميًا كبيرًا لعدة أسبابٍ: أوّلُها أنّه حديثُ رئيسِ الجمهورية مع الإعلاميين العرب، الذي أراد الشرعُ من خلاله أن ينتشر الخبرُ انتشارَ النارِ في الهشيم، وهذا ما حدث. ثانيًا، إنّ العقليةَ العربية مُبرمجةٌ، لا تُحسنُ التفكير؛ فيتصوّر بعضُهم أنّ ما حدث في مصرَ والأردن وغيرِهما يمكن أن يتكرّر بسهولةٍ في سوريا، من دون أن ندرك أنّ لكلّ دولةٍ ظروفَها وأسبابَها في الإقصاء أو في الحظر.
وأيضا حديثه جاء بعد أن دعت جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا، بداية آب/أغسطس الفائت، إلى ضرورة “تبني خطاب العيش المشترك، والابتعاد عن لغة التأجيج الطائفي”، مؤكدة حرصها على “إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية”، ومعتبرة أن “العدالة الانتقالية شرط واجب وأساس للسلم الأهلي والاستقرار”، ومؤكدة أن الدولة “تُبنى على أسُسٍ تشاركيّة تمثيليّة، وانتخابات نيابيّة تعدديّة حرّة”، وهو ما اعتبره تهديدا صريحا له.
دعواتٌ لحلّ التنظيم
سوريا اليوم لديها قضايا أكثرُ خطورةً على الأمنِ القوميّ من جماعةِ “الإخوان المسلمين”، خاصةً أنّ هذه الجماعة باتت خارجَ التوقيتِ الزمنيّ السياسيّ منذ أن أبعدها حافظُ الأسد بعد صراعِ حلبَ وحماة، ومن بعده ابنُه بشارُ الأسد. فربما أراد الشرعُ من حديثه أن يوضّح أنّه قائمٌ على الشأنِ السوريّ كلّه، حتى الجماعةُ التي في الظلّ هي تحت العين والرقابة؛ فلا مانع من أن نُرسِلَ لها رسائلَ قلقٍ وارتباك، فتكون عصًا ضاربةً لها ولغيرِها من الجماعاتِ، وفي الوقتِ ذاته نؤمِّنُ المشهدَ السياسيَّ الداخليّ.

يقول في هذا الصددِ الصحفيُّ السوريُّ وائلُ علوان، في حديثه إلى “الحل نت”: “أحمد الشرع سيمنع أيَّ شيءٍ يُعيقُ الاستقرارَ في سوريا أو استقرارَه هو في السلطة، فلا جماعةَ الإخوان المسلمين ولا أيُّ جماعاتٍ أخرى من التنظيماتِ الجهاديةِ سيسمح لها الشرعُ أن تكون حجرَ عَثرةٍ في طريقِ المشروع. لذلك هو يُصرّح، وهذا التصريحُ ليس للاستهلاكِ الخارجيِّ فقط، وإنّما هو قرارٌ ورسالةٌ مباشرةٌ تُرسَلُ إلى الخارج، وهو أيضًا بوصلةُ عملِه داخليًّا”.
وعلى الرغم من أنّ حديثَ الشرع جاء بشكلٍ عَرَضيٍّ ينقصُه التوضيحُ والهدفُ والدلالةُ، فإنّ المستشارَ الإعلاميَّ له أحمدَ موفقَ زيدان — الذي كان ينتمي فيما سبقُ إلى الجماعةِ — كان أكثرَ وضوحًا حين كتبَ مقالةً عن “جماعةِ الإخوان المسلمين” في أوّلِ شهرِ آب/أغسطس الفائت، قال فيها: “من مارسَ العملَ السياسيَّ والدعويَّ بتسمياتٍ جديدةٍ كان أفضلَ حالًا ممّن أصرّ على التمسّك بسياسةٍ ديناصورية، محكومٍ عليها — بنظرِ بعضِ الجيولوجيين — بالاندثار، ما دام الديناصورُ قد عجزَ عن التأقلمِ مع الظروفِ الطبيعيّةِ الجديدة، وهو حالُ تنظيمٍ يرفض أن يتأقلمَ مع ظروفٍ داخليةٍ وإقليميّةٍ ودوليةٍ تجاوزتْه”.
ودعا زيدانُ تنظيمَ “الإخوان” إلى حلِّ نفسِه، أسوةً بالفصائلِ العسكريّةِ والسياسيّةِ الأخرى، مشيرًا إلى أنّ “حلَّ التنظيمِ اليوم، كما فعلتِ المكوّناتُ الأخرى، سيخدمُ البلدَ، الذي هو رأسُ مالِنا جميعًا، ومقصدُنا كلُّنا”.
ويعلّق هشامُ النجار، الباحثُ المختصُّ في الحركاتِ الإسلاميّة، في حديثِه إلى “الحل نت”، قائلًا: “من بعدِ مقالةِ زيدان وإشاراتِ أحمدِ الشرع، هناك توجّهٌ لحلِّ جماعةِ الإخوان في سوريا، وأتَت هذه التصريحاتُ في هذا السياق، ويعكسُ ذلك محاولةً من النظامِ السوريِّ الجديد إظهارَ نفسِه بمعزلٍ عن مشاريعِ الإسلاميين والجهاديين الفاشلةِ في السلطة، سواء مشروعِ الإخوان الذي أعقبَ ما عُرفَ بالربيعِ العربيّ، أو نموذجِ داعش الذي سقطَ في العراقِ وسوريا. يهمُّ الشرعَ ومَن معه أن يظهرَ في الإقليمِ وأمامَ القوى الدوليّة أنّه لا يتماسّ ولا يتّصلُ بهذه المشاريعِ الفاشلة، وأنّه حالةٌ مختلفةٌ كي يحظى باهتمامٍ ودعمٍ أكبر، ويزيلَ المزيدَ من الهواجسِ حوله”.
ويضيفُ هشامُ النجار: “دفَعه لذلك بيانُ جماعةِ الإخوان الأخير — الذي نشرتْه في 7 من آب — إذ حدّدت موقفَها ممّا سمّتْه العهدَ الجديد في سوريا، وقالت إنّه يندرجُ في إطارِ الدعمِ والحرصِ على نجاحِ عمليّةِ بناءِ دولةٍ مدنيّةٍ حديثةٍ ذاتِ مرجعيّةٍ إسلاميّةٍ، تقومُ على مبدأِ المواطنةِ الكاملةِ والتعدديّةِ السياسيّةِ، وترفضُ جميعَ أشكالِ الاستبدادِ والانقسام — هذا يدفعُ الشرعَ إلى أن يحرصَ على الظهورِ بمعزلٍ عن هذه الحالةِ المناوئةِ التي تُثيرُ الهواجسَ والقلقَ حيالَ نظامِه وتوجّهاتِه؛ حيث ستبرزُ — لا محالة — أسئلةٌ بشأنِ تبنّيه هذا النهجَ من عدمِه، وما إذا كان سيلعبُ دورَ (مصدرِ الثورةِ السُّنيّة) بمعنى أنّه يقومُ بالمهمّةِ التي كان يقومُ بها النظامُ الإيرانيُّ بتصديرِ الثورةِ الإسلاميّةِ إلى الدولِ العربيّة، لكنّها — هذه المرّة — على طريقةِ الجهاديّةِ السلفيّة”.
وبحسبِ هشامِ النجار: “من دونِ شكٍّ، هناك كثيرٌ من الرِّيبةِ واهتزازُ الثقةِ بنظامِ الشرع الجديد، بالنظرِ إلى ماضيه وتحالفاتِه الإقليميّة؛ ولذلك يقدّمُ نفسَه منفردًا، مُتنصّلًا من طيفِ الإسلامِ السياسيّ — مثل الإخوانِ وداعش — حتّى لا يُصيبَه ما أصابَهم من فشلٍ، وحتّى لا يسمحَ لهم — من جانبٍ آخر — باستغلالِ حكمِه ونظامِه والتترُّسِ خلفَه لمهاجمةِ أنظمةٍ رئيسيّةٍ في الإقليمِ يُناوِئونَها، في الوقتِ الذي يحرصُ فيه الشرعُ على إقامةِ علاقاتٍ طبيعيّةٍ معها”.
رسائلُ التصريحاتِ وموقفُ الجماعة
قولُنا عن حديثِ الشرعِ وزيدان فيما يتعلّقُ بجماعةِ “الإخوان المسلمين” أنّه فقاعاتٌ إعلاميةٌ لا يعني هذا أن تكونَ هذه الفقاعاتِ بلا رسائلَ أو معانٍ سياسيةٍ أرادت الحكومةُ السوريةُ أن توضّحَها للجميعِ في الداخلِ والخارج؛ فإنّ مستشارَ الشرعِ في مقالته يبعثُ برسائلَ إلى الدولِ العربيةِ التي تحظر “الإخوانَ المسلمين” ولا تُفضّل أن يكونَ لهم دورٌ في سوريا الجديدة، ومن ثمّ يؤكّدُ التزامَ دمشقَ بهذا الأمر، ويُغلقُ الأبوابَ أمام محاولاتِ التنظيمِ للعودةِ بعد سقوطِ الأسد.

ولهذا يرى الإعلاميُّ حسنُ محفوظ، في حديثِه إلى “الحل نت”، أنّه “تصريحٌ إعلاميٌّ بسببِ تخوّفِ بعضِ الدولِ العربيةِ من الجماعة، ولأنّها — حسبَ وجهةِ نظرِه (زيدان) — لم تعد قادرةً على مواكبةِ الواقعِ السياسيِّ المتغيّرِ في سوريا والمنطقة”.
كما أنّ الحكومةَ السوريةَ الجديدةَ لديها اختلافاتٌ كبيرةٌ مع جماعةِ “الإخوانِ المسلمين” من الناحيةِ المرجعيّةِ الفكريّةِ فيما يتعلّقُ بالحُكمِ ومفهومِ الدولةِ والمواطنةِ والتعاملِ مع الآخر، وهي عناصرُ ستُشكّلُ سوريا في المستقبل؛ فطبيعيٌّ جدًّا أن تحاولَ الحكومةُ السوريةُ الجديدةُ أن تُحجِّمَ “الإخوان” وغيرَهم حتّى يَخلُوَ لها وجهُ السّلطةِ كاملًا.
ويرى حسنُ محفوظ أنّ الجماعةَ حاولت استغلالَ أحداثِ الثورةِ وتوظيفَها لتقويةِ نفوذِها، لكنّ سلوكَها الإقصائيَّ جعلَها تخسرُ كثيرًا من رصيدِ مظلوميّتِها أمام العنفِ الذي مارسه عليها نظامُ الأسد منذ ثمانينيّات القرنِ الماضي، ولهذا تسعى الحكومةُ السوريةُ لإغلاقِ البابِ أمام أيِّ مشروعٍ يهدفُ إلى اختراقِ الدولةِ السوريةِ مستقبلًا. فالحكومةُ السوريةُ تريدُ القولَ إنّها لن تسمحَ بتكرارِ تجربةِ التوظيفِ السياسيِّ لـ”الإخوان” التي دمّرت دولًا أُخرى.
فحديثُ الشرعِ العابر، ومن قبلِه مقالةُ زيدان، ما هي إلّا مغازلةٌ غربيّةٌ من الحكومةِ السوريةِ التي تسعى إلى إرضاءِ المجتمعِ الدوليِّ الذي لديه قلقٌ كبيرٌ من المجتمعاتِ والجماعاتِ الإسلاميةِ المغلقة — سواء في بريطانيا أو فرنسا أو الولاياتِ المتحدةِ الأميركية التي رفعتِ العقوباتِ الاقتصاديةَ عن سوريا بشرطِ التعدّدِ أو التعايشِ السياسيِّ السلميِّ — فتسعى دمشقُ لتأكيدِ التزامِها بخطِّ مكافحةِ التنظيماتِ المتطرّفة.
وبالسؤالِ عن مصيرِ الجماعةِ في سوريا: هل من الممكنِ حظرُها قانونيًّا؟ يردّ وائلُ علوان: «أعتقدُ أنّه من المبكّرِ الحديثُ عن حظرِها أو عن قانونِ الأحزابِ في سوريا قبلَ استقرارِ الحالةِ الأمنيّةِ والسياسيّةِ والاقتصاديّةِ والدستوريّةِ أيضًا”. جماعةُ “الإخوان” التي عاشت مراحلَ دمويّةً في تاريخِها مع حافظِ الأسد ربّما تجدُ نفسَها في المستقبلِ القريب جماعةً إمّا محظورةً، أو يُصارُ إلى تصنيفِها بوصفِها جماعةً إرهابيّةً كما في مصر، أو مُعرَّضةً لحالاتٍ من الانهيارِ الداخليِّ — خاصّةً مع غيابِ جيلِ الشبابِ والبيئةِ الحاضنة — أو ربّما تجدُ نفسَها خاضعةً لرقابةٍ شديدةٍ من المجتمعِ المدنيّ.
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
- دراسة: “داعش” يغير نمط تهديده في سوريا بعد سقوط الأسد

