كيف أضاع أحمد الشرع حاضنة شعبيّة مُحتملة في السويداء؟

كيف أضاع أحمد الشرع حاضنة شعبيّة مُحتملة في السويداء؟
كيف أضاع أحمد الشرع حاضنة شعبيّة مُحتملة في السويداء؟

كجميع السوريّين، استبشر أهالي السويداء خيراً بسقوط نظام الأسد، وتولّي “إدارة انتقاليّة” زمام السّلطة في دمشق، وانخرطوا مع مواطنيهم في حلم بناء دولة مواطنة، تُعيد للإنسان السوري كرامته، التي سلبها حكمُ الأسدين لأكثر من نصف قرن. 

وبدأت تظهر في السويداء العديد من الآراء والأفكار والتوقّعات، وأخذ الشارع يتمايز بوضوحٍ بين فصائليٍّ ومدنيٍّ، مع محاولاتٍ خجولةٍ لإعادة إحياء فكرة العمل السياسي الذي جرى كبته لعقود. 

وكانت الأصوات الرافضة للشرع و”الإدارة الانتقالية” موجودة، لكن مع وجود أصوات أخرى مقابلة لها تدعو إلى الحوار المستمر مع دمشق للوصول إلى صيغة جامعة تُرضي جميع الأطراف، وترفض القطيعة التي انتهجها البعض، وترى فيها عبثاً لا يخدم مرحلة بناء الدولة التي يتطلّع إليها الجميع. لكن ما الذي حدث، وكيف انهار حلم “الدولة الوليدة” لدى أبناء السويداء؟ 

حلم الدّولة 

كان الشارع المدني في السويداء بمعظمه يرحّب بفكرة دخول مؤسسات الدولة وإنهاء حالة فوضى السلاح، علماً أنّ غياب سلطات الدولة في السويداء بدأ منذ سنواتٍ عديدةٍ قبل هروب بشّار الأسد، إذ كانت السيطرة العسكريّة للفصائل المحلّية، مع استمرار وجود مراكز القوى الشرطية والأمنية لكن دون أي تأثير على أرض الواقع. 

مظاهرات في السويداء ضد الحكومة الانتقالية بدمشق – المصدر السويداء 24

رفض شباب السويداء الالتحاق بالخدمة الإلزامية في جيش النظام السابق منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وكانت حالة الرفض الجماعيّة تلك شكلاً من أشكال المقاومة ضدّ نظام الأسد ومحاولته إعادة السويداء إلى نطاق طاعته مستخدماً مختلف الأساليب، لكنّه لم يلجأ للقوّة العسكريّة، وحاول إخضاع الأهالي عن طريق خلق حالة من “اللّادولة” وتركهم يعانون من انتشار السلاح والفصائل بشكلٍ عشوائي. 

وبقيت السويداء تعيش حالة الفوضى تلك، حيث الدولة غائبة أمنيّاً، لكنّها حاضرة بشكلٍ جزئيٍّ خدميّاً. 

ومع بدء عهدٍ جديدٍ في سوريا، كانت الرّغبة السّائدة لدى عموم المدنيّين هي الاندماج بشكلٍ كاملٍ مع الدولة السورية، ورفض فكرة التّدخل الإسرائيلي، حيث خرج الناس في مظاهرةٍ حاشدةٍ في ساحة الكرامة يوم الثلاثاء 25 شباط/فبراير 2025 رفضاً لتصريحات نتنياهو حينها “إسرائيل لن تتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية في جنوب سوريا”، ورفعوا الأعلام السورية والفلسطينية فقط، مع اللّافتات التي تندّد بإسرائيل والتصريحات الإسرائيلية وتؤكّد على الانتماء السوري. 

قبل 13 تمّوز ليس كما بعده 

“كالغريق الذي يتعلّق بقشّة” يقول شابٌ من السويداء لـ”الحلّ نت”، ويتابع “صباح الأربعاء 16 تمّوز/يوليو، بعد أن استفقت على هول المجازر، أمضيت ساعاتٍ في مشاهدة الفيديوهات وتتبّع الأخبار، مُحاولاً إيجاد مبرّرٍ كالدفاع عن النفس أو أي شيء آخر لعمليات القتل والإهانة والتنكيل التي قام بها عناصر من الأمن العام بحق المدنيّين في السويداء، محاولاً إنقاذ وهم بناء الدولة الذي عشته طوال أشهرٍ منذ سقوط الأسد”.

كثيرون من أبناء السويداء كانوا يثقون بالرواية الرسميّة حول الأمن العام، وبأنّه على عكس أمن النظام السابق، مهمّته الأساسية حماية المواطنين والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم. 

لذلك ومع إعلان الحكومة الانتقالية في دمشق عزمها على دخول قوّات وزارة الداخلية للسويداء، لم يشعر بعض أهالي السويداء بأيّ قلقٍ، “شعرت بارتياحٍ لأنّنا سنتخلص أخيراً من فوضى السلاح” يقول الشاب، ويتابع: “كنت أعلم أنّ العمليّة لن تكون سهلةً وبالتأكيد ستحدث اشتباكات مع الفصائل المحلّية، لكنّها ستنتهي بانتشار قوى الأمن العام حسب اعتقادي، ولم أتخيّل حدوث مجازر بحقّ المدنيّين أو حتى مجرّد تجاوزات وإهانات”.

لكن عند البعض الآخر سيطر شعورٌ بالخوف والتوجّس من الطريقة التي ستتعامل بها القوّات القادمة من دمشق إلى المحافظة مع الأهالي، خصوصاً بعد الحملات التحريضية والتجييش الطائفي والتهديدات المستمرّة “بقصّ الشوارب وإبادة الدروز”، فكانت المجازر التي ارتكبتها قوّات الأمن العام ووزارة الدفاع صدمةً حقيقيّةً للمدنيّين، وحطّمت أحلامهم حول أمنٍ عامٍ يحفظ حياة المواطن وكرامته.

ما حدث في السويداء عرّى الحكومة الانتقالية وكشف بوضوح عن بنيتها الفصائليّة الطائفيّة، وفي أحسن الأحوال عن عجزها عن ضبط قوّاتها إذا اعتبرنا أنّ تلك القوّات لم تأخذ تعليماتها بالقتل والسرقة والإهانة والإذلال من المسؤولين في تلك الحكومة. 

حملات التجييش الطائفي التي بدأت قبل أشهر وشيطنة أبناء طائفة كاملة، وعدم وجود أي تدخّل رسمي من قبل الحكومة في دمشق لوقف ذلك التحريض عدا عن تجريمه ومحاسبة من يقف خلفه. 

وما تبع ذلك من إهاناتٍ وإذلالٍ وذبحٍ وتنكيلٍ بأشخاصٍ مدنييّن عُزّل في السويداء فقط لأنّهم “دروز”، واستمرار تهجير الأهالي من قراهم الغربية والشمالية، والحصار المفروض وتجاهل معاناة الناس، كل تلك الممارسات جعلت أهالي السويداء جميعهم يقفون ضدّ الحكومة الانتقالية التي خسرت قصداً أو من دون قصد حاضنةً شعبيّةً محتملةً في السويداء. 

من الجدير ذكره أنّ ممارسات الحكومة الانتقالية في كل من الساحل وصحنايا وجرمانا، واستمرار نهجها الإقصائي، كان يؤدّي في كلّ مرّة إلى تناقص من كانوا يؤيّدونها من أهالي السويداء، لكنّ ذلك التناقص لم يصل إلى أقصاه إلّا بعد الأحداث الأخيرة.

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم