يشكل الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين “مصرف سوريا المركزي” وشركة “ماستركارد” العالمية حدثًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، يتجاوز مجرد كونه صفقة تجارية عابرة، كونها خطوة استراتيجية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة المالية العالمية، بعد سنوات من العزلة والعقوبات التي تركت بصماتها العميقة على شرايينه الاقتصادية.
ولا يمثل هذا الاتفاق مجرد إدخال بطاقات دفع إلكترونية، بل هو بوابة لفتح آفاق جديدة للتجارة والتعاملات المالية، وإعادة بناء جسور الثقة المفقودة على مدار ما يقرب من عقد ونصف.
تطورات دخول السوق السورية
أعلن مصرف سوريا المركزي، الأحد، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة ماستركارد العالمية؛ بهدف إدخال أنظمة دفع إلكترونية متطورة إلى السوق السورية، وهي المرة الأولى التي تشهد فيها سوريا اتفاقية من هذا النوع.
كما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أنه استقبل وفدًا من الشركة برئاسة نائب الرئيس التنفيذي ورئيس شعبة غرب المنطقة العربية آدم جونز، حيث جرى بحث سبل التعاون في مجال تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والرقمي في سوريا.

وأوضح الوزير، عبر منشور على صفحته في فيسبوك، أن النقاشات ركزت على الدور المحوري لأنظمة الدفع الحديثة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، مشيراً إلى أن الخطط الحكومية تسعى إلى تعزيز البنية التحتية المالية وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية تحت إشراف مصرف سوريا المركزي.
وشدد على أن هذه الجهود تأتي ضمن رؤية أوسع لتعزيز الشمول المالي وتحسين كفاءة القطاع المالي، بما يتيح للمواطنين وصولاً أسهل إلى الخدمات المصرفية، مشيرًا إلى أن اهتمام “ماستركارد” بالسوق السورية يعكس ثقة الشركة بالإمكانات الاقتصادية للبلاد، ويشكل خطوة مهمة نحو اندماج أوسع مع النظام المالي العالمي.
نقلة نوعية في تحديث النظام المالي
يمثل دخول “ماستركارد” إلى السوق السورية نقلة نوعية في تحديث النظام المالي، فالمعطيات الحالية تشير إلى أن البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في البلاد ما زالت تحتاج إلى تحديث شامل لتواكب التطورات العالمية.
على الرغم من أن مذكرة التفاهم ليست سوى حجر الزاوية، إلا أنها تضع خارطة طريق واضحة، حيث ستعمل “ماستركارد”، بخبرتها العالمية وشبكتها الواسعة، على تمكين المصارف السورية من تقديم خدمات دفع إلكترونية متطورة، ما سيسهل على الأفراد والشركات إجراء المعاملات المالية بسرعة وأمان، ويقلل الاعتماد على النقد، الذي أصبحت مخاطره واضحة في ظل تقلبات سعر الصرف.
كما يعني دخول ماستركارد إلى سوريا فتح الباب أمام إصدار بطاقات مصرفية محلية ودولية، وهو ما قد يغير سلوك الاستهلاك اليومي للمواطنين الذين اعتادوا التعامل النقدي المباشر في كل صغيرة وكبيرة.
تحول في سلوك الاستهلاك اليومي
إذا ما تحقق ذلك على أرض الواقع، فإن مواطنًا يعيش في دمشق أو حلب سيكون قادرًا على استخدام بطاقته المصرفية لدفع ثمن مشترياته من السوبرماركت، أو حتى لحجز فندق خارج البلاد، وهو أمر غاب عن السوريين طويلًا بفعل العقوبات وانقطاع شبكات الربط المصرفي العالمية.

هذا التطور لا يعني فقط تحسين الخدمات المالية للأفراد، بل يعني أيضًا توسيع هامش الحركة أمام الشركات المحلية التي تسعى للانخراط في التجارة الإلكترونية أو التعامل مع شركاء خارجيين.
في هذا السياق صرح الدكتور عبد الرحمن محمد، عضو هيئة التدريس في كلية الاقتصاد بجامعة حماه، بأن هذه المبادرة تهدف إلى إدخال تقنيات دفع إلكترونية متطورة إلى السوق السورية، مما سيعمل على تحسين كفاءة النظام المالي بشكل ملحوظ.
جدوى الخطوة
أشار الخبير، إلى أن هذا التطور سيمكن المصارف السورية من تقديم خدمات دفع إلكترونية متقدمة، وهو ما سيسهل على الأفراد والشركات إجراء معاملاتهم المالية بسرعة وأمان أكبر، مما يقلل الاعتماد على النقد ويُعزز من الشفافية المالية.
بحسب بيانات البنك الدولي وسجل التنمية المالية، تُظهر المؤشرات الأقدم أن نسبة السوريين الذين يملكون حسابًا مصرفيًا نشطًا تفوق فئة 14 سنة كانت لا تتجاوز حوالي 23.3 بالمئة في عام 2011.
كما أن عدد المودعين لدى المصارف التجارية كان يقاس بعدد لكل 1000 بالغ، وبلغ ما يقارب 212 مودعًا لكل 1000 بالغ في سنوات ماضية، مما يكشف عن انخفاض نسبة انتشار الخدمات المصرفية قبل الحرب.
وتضع هذه الأرقام سوريا بين الدول الأكثر تأخرًا من حيث الشمول المالي، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 46 بالمئة من السكان البالغين لدى العديد من الدول الناشئة يمتلكون حسابات مصرفية.
بوابة نحو التجارة والاستثمار
في ظل هذا الواقع، أكد الخبير، أن هذه الخطوة ستعزز قدرة الأفراد على الوصول إلى الخدمات المالية العالمية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام التجارة والاستثمار، مما يُسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك، فإن المذكرة تهدف إلى ربط المصارف السورية بشبكات الدفع العالمية، وهو ما سيُتيح لسوريا استعادة جزء من مكانتها في النظام المالي العالمي، ويسهل التحويلات المالية الدولية، ويُعزز من قدرة الشركات السورية على التفاعل مع الأسواق العالمية، مما قد يؤدي إلى زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

بحسب التقرير الاقتصادي للمنظمة العالمية للتجارة لعام 2024، فإن الدول التي تدمج أنظمتها المالية بالشبكات العالمية تشهد نموًا في تدفقات رؤوس الأموال بنسبة تصل إلى 15بالمئة خلال السنوات الثلاث الأولى من الإدماج.
ويشير تقرير البنك الدولي لعام 2023 إلى أن الدول التي تبنت أنظمة دفع رقمية متطورة شهدت زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.5 بالمئة و1.2 بالمئة سنويًا نتيجة لزيادة الكفاءة والشمول المالي
التحديات أمام التنفيذ
لم يغفل الخبير، عن الإشارة إلى التحديات التي قد تعترض طريق تنفيذ هذه المبادرة الطموحة، موضحًا أن البنية التحتية الحالية تحتاج إلى تحديث شامل لتلبية متطلبات الدفع الإلكتروني، بالإضافة إلى ضرورة استعادة الثقة في النظام المالي بعد سنوات من العقوبات والعزلة.
لا تزال القيود قائمة على بعض المصارف والمسؤولين بحسب تقارير وزارة الخزانة الأميركية (OFAC) حتى منتصف 2025.
كما أكد على أهمية وجود إطار قانوني وتنظيمي يدعم الابتكار في القطاع المالي ويضمن حماية المستهلكين وسلامة المعاملات، مشددًا على أن مذكرة التفاهم هذه تُعد خطوة استراتيجية نحو تحديث النظام المالي في سوريا.
فرص اقتصادية جديدة
من جهة الفرص، يرى الخبير أنه إذا نجحت الخطوة، فستكون لها آثار اقتصادية ملموسة، أبرزها زيادة الإيرادات الضريبية نتيجة خروج جزء من النشاط الاقتصادي من الظل، وتحسين فعالية السياسات النقدية بسبب إدخال آليات تعتمد على المعاملات الإلكترونية، إضافة إلى تحفيز نمو قطاع التكنولوجيا المالية والشركات الناشئة التي تستطيع تقديم حلول دفع محلية مبتكرة.
كذلك، تعزيز الشمول المالي،خصوصًا للفئات التي لا تمتلك حسابات مصرفية، من شأنه أن يُوسع قاعدة الادخار، فضلًا عن تمكين المشاريع الصغيرة، وتحسين القدرة على المشاركة في الاقتصاد الرقمي.

واختتم تصريحه بأن مذكرة التفاهم تمثل نقطة تحول محتملة، لكنها مشروطة، وأن الأمر لن يكون مجرد توقيع، بل تنفيذ فعلي ممنهج، فقد بات مطلوبًا أن تتبع هذه الخطوة خطوات موازية، من بينها رفع القيود التي ما زالت مفروضة من عقود، بناء ثقة المجتمع والمستثمرين، وتعزيز الشفافية في سياسات الصرف والتعامل المالي.
يشار إلى أن “ماستر كارد” كانت علقت خدماتها في سوريا عام 2011 ، معلنة أن الشركة اتخذت تلك الخطوة عملا بالقانون وأن تمتثل للعقوبات التي قررتها وزارة الخزانة الأميركية ضد دمشق آنذاك.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

