يشهد الاقتصاد السوري، في ظل التحولات الأخيرة والانفتاح النسبي على الأسواق العالمية، حراكًا تجاريًا لافتًا تمثل في زيادة ملحوظة في حجم الواردات، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الانتعاش وتأثيراته على بنية الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا الارتفاع بعد فترة طويلة من الركود والقيود التجارية، مدفوعًا بتبني سياسات اقتصادية جديدة وتخفيف بعض الرسوم الجمركية، مما سمح بتدفق السلع من مختلف دول العالم، لا سيما من تركيا التي أصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا.
ما هو حجم التدفق التجاري؟
في هذا الصدد، يؤكد عضو غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أن هذا الارتفاع يعكس تغيرًا في المشهد التجاري السوري، فقد وصل حجم البيانات الجمركية، التي تعد مؤشرًا على حركة الاستيراد، إلى حوالي 40 ألف بيان جمركي خلال الفترة الماضية، وفق ما نقل عنه موقع “الحرية”.

وأشار إلى أن هذا الرقم، رغم أنه لا يعكس القيمة المالية الإجمالية للواردات، فإنه يشير بوضوح إلى تنامي حركة التجارة عبر المعابر الحدودية، ويبرز الحاجة إلى ضبط هذه الحركة لضمان توازنها مع مصالح الاقتصاد الوطني.
وتظهر أحدث بيانات البنك الدولي أن قطاع الصناعة السوري، الذي كان يشكل قبل عام 2011 ما يقارب 22 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، تراجع إلى أقل من 10بالمئة بحلول عام 2023، نتيجة الحرب والعقوبات وضعف التمويل، ما ينذر بأن استمرار تدفق الواردات دون تعزيز تنافسية الصناعات الوطنية قد يوسع الفجوة التجارية ويؤدي إلى مزيد من الاعتماد على الخارج.
تجارة داخلية “مقبولة” لكنها تواجه معوقات
رغم ذلك، يرى الحلاق أن الواردات تحتاج إلى ضوابط إضافية تضمن عدم إغراق السوق بالبضائع المستوردة على حساب المنتجات المحلية، مشددًا على أن تحقيق توازن اقتصادي يتطلب تقوية الصناعة الوطنية وزيادة الصادرات، باعتبارها حجر الأساس في بناء اقتصاد متوازن ومستدام.
وأوضح أن التجارة الداخلية، تنقسم إلى تجارة الجملة والمفرق، وأنها توصف اليوم بأنها “مقبولة”، لكنها تواجه عقبات جدية في ما يخص التوريدات والمدفوعات، مشيرًا إلى أن المستوردون يعانون من صعوبة تأمين التمويل الخارجي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يضعف تنافسية السلع السورية في الأسواق المحلية والخارجية على حد سواء.
ورأى الحلاق أن مجموعة من الإجراءات، إذا ما تم تنفيذها، يمكن أن تعيد للتجارة السورية قوتها وتوازنها، على رأسها دعم الصناعة المحلية بما يرفع من قيمة الصادرات ويقلص الاعتماد المفرط على الاستيراد.
تكاليف الطاقة المرتفعة تحدّ من التنافسية
يشير الواقع الاقتصادي إلى أن سوريا ما زالت بعيدة عن مستوى المنافسة مع دول الجوار، حيث تبرز مشكلة ارتفاع تكاليف الطاقة كأحد أبرز العوائق، ففي الوقت الذي تحصل فيه الصناعات التركية والأردنية واللبنانية على دعم مباشر أو غير مباشر من حكوماتها، يواجه الصناعيون السوريون أعباء متزايدة نتيجة كلفة الكهرباء والوقود المرتفعة.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2024، فإن متوسط تكلفة الطاقة في سوريا يزيد بنحو 45 بالمئة عن المتوسط الإقليمي، ما يحدّ من قدرة الصناعات المحلية على المنافسة في الأسعار وجودة الإنتاج.
هذا الواقع جعل المستوردين والمصنعين السوريين يطالبون بخطة وطنية واضحة لدعم الصادرات، فوفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن زيادة الصادرات بنسبة 10بالمئة فقط كفيلة بخلق ما لا يقل عن 150 ألف فرصة عمل جديدة في السوق السورية خلال عامين، ورفع الناتج المحلي بنسبة تقارب 2.5 بالمئة.
العرض والطلب.. معادلة مختلة
أكد الحلاق أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب وضع سياسة متكاملة تبدأ من دعم الطاقة وتسهيل التمويل، وصولًا إلى فتح أسواق جديدة عبر اتفاقيات تجارية ثنائية وإقليمية.
ومن زاوية الاقتصاد الجزئي، يرى الحلاق أن نجاح التجارة يتطلب ضبط العلاقة بين العرض والطلب، إذ يشير إلى أن المعادلة المثالية تقتضي أن يكون العرض أعلى قليلًا من الطلب، بما يسمح للتجار ببيع بضائعهم وتحقيق أرباح معقولة دون أن يتعرض المستوردون والصناعيون لخسائر، وفي الوقت ذاته يمنع ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
وأدى ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين في سوريا إلى اضطراب هذه المعادلة، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة تجاوزت 60 بالمئة خلال عام 2024 وفق المكتب المركزي للإحصاء، بينما لم ترتفع الدخول بما يتناسب مع ذلك.
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران
- 3 فجوات تخنق معيشة السوريين.. كيف عمّقت المحروقات الأزمة؟
- دمشق لطهران: سوريا لم تعد ساحة نفوذ لأي دولة
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟

