الأجور المتدنية تهدد الاقتصاد السوري.. ومطالب برفع الرواتب إلى 300 دولار

الأجور

تتعاظم أزمة الأجور في سوريا كأحد أبرز معوقات أي تعافٍ اقتصادي فعلي، ليس في دمشق وحدها، بل على امتداد المناطق الخاضعة للسلطة الانتقالية.

في المشهد الراهن، يُقبل كثيرون على الشكوى من أن رفع الرواتب بات ضرورة مصيرية، لكن دون خطة متكاملة تراعي التضخم والهيكل المالي للدولة وقدرتها على التمويل.

اتساع الفجوة بين الدخل والمعيشة

في سياق ذلك كشف تحليل أكاديمي عن فجوة كارثية بين متوسط دخل المواطن وتكاليف المعيشة، الأمر الذي دفع إلى إطلاق دعوات عاجلة تطالب برفع الحد الأدنى للرواتب بما يعادل ثلاثة أضعاف مستواه الحالي، لتجنب الركود الاقتصادي الكامل.

قدم  عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور علي كنعان، تحليلًا أكد فيه أن متوسط الدخل الشهري للعامل في القطاع العام والخاص لا يتجاوز حاليًا عتبة المئة دولار أميركي.

ورأى أن مستوى الأجور في سوريا ما يزال متدنيًا إلى درجة تعكس اختلالًا عميقًا في بنية الاقتصاد الوطني، إذ لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري حاليًا سقف المئة دولار للعامل، وهو رقم لا ينسجم بأي شكل مع معايير المعيشة المعتمدة عالميًا، ولا مع واقع الأسعار المحلي المتصاعد منذ سنوات.

تضخم متصاعد يلتهم الأجور

أوضح كنعان أن هذه الأرقام تضع سوريا في موقع استثنائي من حيث تدني القوة الشرائية للمواطنين، مشيرًا إلى أنه لا توجد دولة في العالم اليوم يتقاضى موظفوها رواتب بهذا الانخفاض، في ظل تكاليف معيشية تتجاوز أضعاف ذلك المبلغ.

هذا الرقم الضئيل، يعكس “اختلالًا عميقًا” في بنية الاقتصاد الوطني ويضع سوريا في خانة استثنائية عالميًا من حيث تدني القوة الشرائية، في ظل أسعار صرف متقلبة وتضخم جامح.

عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور علي كنعان

تشير أحدث البيانات إلى أن معدل التضخم السنوي في سوريا بلغ نحو 15.87 بالمئة في فبراير 2025، بعد أن كان في السابق أعلى بكثير، مدفوعًا بانخفاض حاد في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار.

معيشة تحت خط الفقر المدقع

وفقًا للتقديرات الرسمية الأخيرة، وخاصة بعد الزيادة التي أقرت مؤخرًا بنسبة 200 بالمئة، بات الحد الأدنى للأجور يبلغ 750 ألف ليرة سورية شهريًا وهو ما يعادل أقل من 100 دولار، مما يعني أن متوسط الأجر لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الأساسية.

ويؤكد كنعان أن هذا الوضع دفع بالغالبية العظمى من السوريين إلى ما دون خط الفقر المدقع، مستشهدًا بالمعايير الدولية التي يحددها صندوق النقد الدولي، حيث يشير إلى أن الدخل اليومي للفرد لا يجب أن يقل عن 2.25 دولار.

ووفق تقارير اقتصادية مستقلة، تتجاوز تكلفة المعيشة الشهرية لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد حاجز الـ 12 مليون ليرة سورية، بينما يعيش 90 بالمئة من السوريين تحط خط الفقر.

تعميق الرقود

أكد كنعان أن استمرار هذا الوضع دون معالجة حقيقية يهدد بتآكل ما تبقى من الطبقة الوسطى وبتعميق حالة الركود الاقتصادي، إذ أصبح العامل غير قادر على تغطية الحد الأدنى من احتياجاته اليومية، فضلًا عن العجز عن الادخار أو الإنفاق على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة.

أي محاولة لتحريك عجلة الإنتاج أو دعم الطلب المحلي لن تنجح ما لم يطرأ تعديل جوهري على منظومة الأجور يضمن تحسين مستوى المعيشة ورفع القدرة الشرائية للمواطنين.

وشدد على ضرورة أن تعمل الحكومة بشكل عاجل على رفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 300 دولار شهريًا، معتبرًا أن هذا الرقم يشكل الحد الأدنى المقبول لتحقيق توازن نسبي بين العرض والطلب في السوق وتحفيز القوى العاملة على الإنتاج.

رفع الأجور ضرورة لا ترف

بيّن كنعان أن رفع الأجور ليس ترفًا أو مطلبًا شعبويًا، بل ضرورة اقتصادية تهدف إلى إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، موضحًا أن زيادة الدخل تؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات، وهو ما يعيد تحريك الإنتاج ويخلق فرص عمل جديدة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أن المعايير الدولية التي يعتمدها صندوق النقد الدولي لتحديد خط الفقر تشير إلى أن الحد الأدنى للدخل اليومي للفرد لا يجب أن يقل عن 2.25 دولار، أي ما يعادل أكثر من 3.5 ملايين ليرة سورية شهريًا للأسرة الواحدة، وهو ما يعني أن معظم السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر الشديد.

ولفت إلى أن هذه الأرقام تكشف عمق الفجوة بين الأجور الحالية والتكاليف الفعلية للمعيشة، وأن أي إصلاح اقتصادي لا يبدأ من تصحيح هذه المعادلة سيظل جزئيًا وغير مجدٍ.

إصلاح شامل لا زيادة شكلية

كما دعا كنعان إلى مقاربة شاملة لقضية الأجور لا تقتصر على مجرد الزيادات الاسمية، بل تشمل إعادة النظر في السياسات الضريبية والدعم الحكومي والتوازن بين القطاعين العام والخاص، مؤكدًا أن رفع الأجور دون كبح جماح الأسعار أو ضبط الأسواق لن يؤدي إلى نتائج مستدامة.

هناك ضرورة لربط سياسات الأجور بالإنتاجية، بحيث تتحول الزيادة في الدخل إلى محفز فعلي للنمو وليس مجرد تضخم إضافي في السوق.

وختم كنعان تصريحه بالتأكيد على أن رفع الأجور إلى مستوى يوازي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة هو الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، وأن الاستثمار في الإنسان والعامل هو الاستثمار الأجدى لأي دولة تسعى للتعافي، لأن الإنتاج لا يمكن أن يتحقق في بيئة يعاني فيها المواطن من الفقر والحرمان.

 واعتبر أن استمرار تجاهل هذه الحقيقة سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الكفاءة والإنتاجية، وإلى تفاقم الهجرة الداخلية والخارجية، ما لم تُتخذ قرارات جريئة تعيد توزيع الدخل بعدالة وتضع الإنسان في صدارة الأولويات الاقتصادية.

زيادات بالرواتب لا تواكب الواقع

يشار إلى أنه منذ بداية 2025 أعلنت الحكومة الانتقالية السورية عن زيادة في الرواتب العامة للقطاع العام تصل إلى 200 بالمئة بموجب المرسوم 102، لتصبح القيمة الدنيا حوالي 750 ألف ليرة سورية (قرابة 75 دولارًا في السوق الموازية آنذاك).

كذلك، سبق أن أعلن وزير المالية مشروع رفع راتب الموظفين في القطاع العام بنسبة 400 بالمئة، مع استبعاد بعض الوظائف الوهمية.

وعلى الرغم من أن هذه الزيادات تقدّم انتعاشة نقدية، تبقى بعيدة عن مواجهة الفجوة الحقيقية بين الدخل والتكاليف، فعلى سبيل المثال، ارتفعت قيمة سلة الغذاء الأساسية في عام 2025 إلى مستويات تفوق قدرة الأسر ذات الدخل المتوسط، كما أن أسعار الخبز والمحروقات تظل رهينة لتذبذب سعر الصرف.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم