انتهت المحادثات الروسية-السورية في الكرملين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الحكومة السورية للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، بعد جلسة امتدت لأكثر من ساعتين ونصف الساعة، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الروسية.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن الجانبين اتفقا على عقد اجتماع للجنة حكومية دولية مشتركة في المستقبل القريب، كما ناقشا سبل التعاون في مجالات متعددة.
وفي وقت سابق اليوم الأربعاء، وصل الشرع إلى موسكو في زيارة رسمية على رأس وفد حكومي ضم وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، إضافة إلى رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين سلامة، بحسب ما أفادت به قناة “الإخبارية السورية”.
زيارة الشرع لروسيا
تعد هذه الزيارة الأولى لأحمد الشرع إلى روسيا، والأولى التي تجمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. غير أن اللقاء أثار موجة غضب واسعة في الأوساط السورية، حيث اعتبر كثيرون أن على السلطات السورية عدم إعادة العلاقات مع موسكو التي كانت، “الطرف الرئيسي في إطالة أمد الحرب السورية ودعم نظام بشار الأسد السابق، وقتل وتشريد آلاف الأسر السورية”.

ويرى كثير من السوريين أن لا مصلحة وطنية في إعادة العلاقات مع روسيا، التي “لم تقدم للشعب السوري سوى الدمار والخراب وتوطيد حكم دكاتوري”، في إشارة إلى الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته موسكو للنظام الأسدي السابق طوال سنوات الحرب.
وأشاروا إلى أن روسيا تؤوي شخصيات من النظام السابق، بينهم بشار الأسد وعائلته وعدد من المقربين منه، إضافة إلى “عدم إعادة الأموال التي هربت من سوريا خلال سنوات الصراع”.
ويطالب سوريون غاضبون بأن تقدم موسكو اعتذارا رسميا عن دورها في الحرب السورية، إلى جانب تعويض الضحايا المدنيين الذين تضرروا جراء الغارات الروسية، فيما يشدد آخرون على أن أي علاقة جديدة مع روسيا يجب أن تكون أولا مقابل تسليم بشار الأسد ومحاكمته أمام القضاء السوري، ومن ثم فتح علاقات رسمية وهامشية، وإنهاء الوجود الروسي بسوريا.
ويرى سوريون أن قرار إعادة العلاقات مع موسكو يجب أن يكون بتوافق وطني شامل، باعتبار أن الشعب السوري هو المتضرر الأول والأخير من التدخل الروسي في البلاد. ولذلك، يطالب كثيرون الحكومة السورية بعدم تجاهل مطلب السوريين، وعدم المضي في إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا على أسس مصلحية أو حسابات سياسية ضيقة.
ماذا دار بين الشرع وبوتين؟
أكد بوتين، خلال استقباله الشرع في موسكو، اليوم الأربعاء، أن روسيا مستعدة لإنجاز المشاريع المشتركة مع سوريا واستئناف أعمال اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين، وفق “روسيا اليوم”.
وأشار بوتين إلى “العلاقات الدبلوماسية التاريخية الممتدة بين روسيا وسوريا”، لافتا إلى أن “هناك أسرا وصداقات مشتركة بين الشعبين”، مضيفا أن موسكو “تريد تعزيز سلطة الدولة السورية ومصلحة الشعب السوري”.
وأكد بوتين أن “تلك المصلحة كانت الدافع الأساس وراء السياسة الروسية تجاه دمشق، وليس المصالح السياسية”.
وأوضح الرئيس الروسي أن بلاده مستعدة للتواصل مع الحكومة السورية الانتقالية عبر وزارتي الخارجية في البلدين، مشيرا إلى أن “انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في سوريا كانت نجاحا كبيرا”، معتبرا أنها “ستعزز العلاقات بين مختلف القوى السياسية السورية”.
من جانبه، قال الشرع إن سوريا “تحترم جميع الاتفاقيات السابقة الموقعة مع روسيا”، مشيرا إلى أن “الإنتاج السوري يعتمد في جزء كبير منه على التعاون مع موسكو، وأيضا الكثير من محطات الطاقة يعتمد على الخبرات الروسية وكثير من العلاقات السياسية والاستراتيجية الدولية والإقليمية مرتبط أيضا بروسيا”.
وتابع: “نحن نحترم كل ما مضى من اتفاقيات وهذا التاريخ العظيم، ونحاول أن نعيد ونعرف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات وأن يكون هناك استقلالية للحالة السورية وسلامة ووحدة أراضيها واستقرارها الأمني المرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي”.
بدوره، كشف نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن مباحثات الرئيسين بوتين والشرع في “الكرملين” تناولت جوانب عدة أهمها الإنساني بالإضافة إلى الطاقة والنقل والصحة والسياحة، مضيفا خلال حديثه للصحفيين: “سوريا بحاجة إلى إعادة بناء بنيتها التحتية”، مؤكدا أن “روسيا قادرة على تقديم الدعم في هذا المجال”.
وأضاف: “لدينا فهم مشترك بأن سوريا تحتاج اليوم إلى عملية إعادة إعمار شاملة، إذ تضررت بنيتها التحتية بشكل كبير، بما في ذلك قطاعات الطاقة والسكك الحديدية والنقل. ويمكن لروسيا أن تقدم الدعم في هذا المجال، خاصة وأن شركاتنا مهتمة بتطوير البنية التحتية للنقل وإعادة تأهيل منظومة الطاقة، التي تم بناؤها في الأصل خلال الحقبة السوفيتية”.
وأكد نوفاك وفق “روسيا اليوم“، أنه سيجري بحث هذه الملفات بمزيد من التفصيل، مضيفا: “نحن مستعدون لتقديم الدعم والمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا”، كاشفا أن الجانبين بحثا آفاق التعاون في مجالات متعددة أخرى، من بينها الجانب الثقافي والإنساني، بالإضافة إلى تنمية القطاع السياحي والرعاية الصحية، لافتا إلى أن دمشق أبدت اهتماما بالحصول على القمح والأدوية الروسية.
وأوضح نائب رئيس الوزراء الروسي، أن موسكو ودمشق اتفقتا على عقد اجتماع للجنة حكومية دولية مشتركة في المستقبل القريب.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر حكومي سوري في وقت سابق أن الحكومة الانتقالية تسعى للحصول على ضمانات من موسكو بعدم تسليح “فلول النظام السابق”، إضافة إلى ملف تسليم الرئيس السابق بشار الأسد لمحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم ضد السوريين، خلال زيارة الشرع لموسكو. وأضاف المصدر أن المحادثات تشمل أيضا دعم روسيا في إعادة بناء “الجيش السوري الجديد”.
وقبيل الزيارة، أعلن المتحدث باسم “الكرملين” دميتري بيسكوف أن اللقاء بين بوتين والشرع سيتناول أيضا مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا. وقال بيسكوف خلال مؤتمر صحفي إن “هذا الأمر سيطرح بطريقة أو بأخرى خلال المحادثات اليوم”.
ارتهان القرار السياسي للروس
في ضوء ذلك، يمكن القول إن معضلة العلاقة مع روسيا، وبحسب السوابق التاريخية في السياسة السورية، تكمن في تعامل موسكو مع الطرف الحاكم كأداة لإدارة مصالحها، كما برز خلال سنوات التبعية في عهد الأسد، خصوصا منذ تدخلها العسكري عام 2015.
كما أن مصالح موسكو في شرق المتوسط لا تعدو كونها مجرد بقاء مؤقت من خلال قاعدة طرطوس وحميميم، إنما هي استراتيجية فرض قوة اقتصادية عسكريتارية للهيمنة على خطوط الطاقة والطرق البحرية، وذلك بما يتصادم مع المصالح الأوروبية والأميركية على نحو مباشر.
ومن ثم، فإن التقارب بين الشرع وروسيا حتى لو بدا ظاهريا خيار سياسي براغماتي، ومحاولة للتوازن بين الأطراف والمحاور المتنازعة على أساس المصالح المتبادلة والمشتركة، لكنه، في نهاية المطاف، سيخرج عن المسارات المفترضة وستضغط موسكو لتمرير قواعدها.
وعليه، فالغرب وواشنطن، سيظل يرى كل منهما هذه العلاقة بقدر كبير من الريبة والشك، حيث إن المدار الروسي لا يتحرك بناء على صيغة عمل مشترك بقدر ما يوظف تحالفاته لتكون وسائط تحقق النفوذ والقوة والهيمنة، خصوصا في الحالة السورية التي راكم فيها على مدار عقد كامل جملة مصالح اقتصادية وعسكرية.

وبين الارتهان لموسكو أو الاستجابة لشروط سياسية داخلية تقوم على اللامركزية والتشاركية والدستور التوافقي، يقف الشرع أمام خيارين لتقليص الضغوط وكسب الشرعية دون خسارة الأطراف الخارجية. فالمناورة التكتيكية في غياب التوافق الداخلي ستجعل منه أداة وظيفية لا أكثر، وبالتالي تبعية القرار السوري مجددا للجانب الروسي كما كان في عهد الأسد.
كما أن الثابت، ورغم ذلك كله، فإن أي محاولة لإعادة العلاقة مع روسيا تصطدم أولا بذاكرة السوريين. فالقصف الروسي استهدف الأحياء السكنية والبنى المدنية، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين. كما أن التعاون الاقتصادي والعسكري مع موسكو، حتما، سيعيد إنتاج التبعية الاستراتيجية كما في فترة الأسد، وهو ما حدث في تأجير ميناء طرطوس لمدة 49 عاما، أو السيطرة على موارد الطاقة.
- على وقع التصعيد.. القوات الحكومية تتقدم في الحديدة
- استهدف ناقلة إيرانية قرب جزيرة خرج وترامب يلوّح بالتصعيد
- شريان تعز تحت النار.. قصف “حوثي” يستهدف المدنيين في هيجة العبد والكدحة
- القضاء العراقي يشدد الخناق على الفصائل المسلحة بتهم “الإرهاب”
- الرئيس الإيراني السابق: على طهران سؤال شعبها قبل مواصلة الحرب لعقود

