زيادة مرتقبة لأسعار الكهرباء حتى 800%.. جدل واسع في الشارع السوري

أسعار الكهرباء

تتناقل الأوساط السورية منذ مساء الأمس أنباء أثارت حالة من القلق والامتعاض الشعبي، مفادها عزم الحكومة الانتقالية على الإقدام على خطوة اقتصادية جديدة تلامس القوت اليومي للمواطن، وهي رفع مرتقب لأسعار الطاقة الكهربائية مطلع الشهر المقبل.

وتشير التكهنات المتداولة، التي لم تحظ بتأكيد رسمي صريح بعد، إلى أن شرائح الارتفاع قد تصل في أعلاها إلى نسبة صادمة تناهز الثمانمائة بالمئة، في خطوة من شأنها أن تشكل عبئًا إضافيًا لا يطاق على كاهل السوريين الذين يرزحون أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة.

ظلام طويل يسبق رفع الأسعار

هذا التوجه الحكومي، الذي يلوح في الأفق، يأتي في سياق بالغ التعقيد والتناقض، ففي الوقت الذي تعتزم فيه الحكومة إعادة النظر في نظام التعرفة الكهربائية، ما تزال غالبية المحافظات السورية تغرق في ظلام دامس تفرضه ساعات التقنين الكهربائي القاسية التي تتجاوز في كثير من المناطق العشرين ساعة يوميًا، منذ أكثر من عقد من الزمان.

ويولد إصرار الحكومة على المضي قدمًا في هذا التعديل، رغم هذا العجز المزمن في توفير الحد الأدنى من الخدمة، حالة من الغضب الشعبي العارم والاستياء العميق إزاء أولويات الحكومة التي تبدو منفصلة عن واقع المعيشة المرير للمواطن.

وتبرر الحكومة الانتقالية دراسة رفع الأسعار بالحاجة إلى “تحسين الخدمة” وتغطية التكاليف التشغيلية التي ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، إلا أن هذه المبررات لم تلقَ قبولًا في الشارع، حيث يرى السوريون أن الحكومة تطالبهم بدفع ثمن كهرباء لا تصلهم أصلًا، وأنها تستخدم الإصلاحات الاقتصادية غطاءً لتمويل عجزها المالي المستمر.

كلفة إنتاج مرتفعة وتسعير رمزي

كان وزير الطاقة في الحكومة السورية، محمد البشير، قد كشف في تصريحات سابقة عن دراسة الوزارة لإعادة النظر في نظام التعرفة الكهربائية، مبررًا ذلك بأنه يهدف إلى “تمكين الوزارة من تحسين الخدمات الكهربائية وزيادة الإنتاج”.

وضع الوزير يده على جوهر الأزمة المالية للقطاع، موضحًا أن كلفة إنتاج كل كيلوواط من الكهرباء تتراوح بين اثني عشر إلى خمسة عشر سنتًا أميركيًا، في حين يتم بيعه للمستهلك بسعر رمزي لا يتجاوز العشر ليرات سورية (أي ما يعادل تقريبًا عُشر سنت أميركي).

وأكد الوزير أن “التكاليف كبيرة”، مشددًا على ضرورة “إعادة النظر بنظام التعرفة الكهربائية بحيث تحقق عوائد مالية للوزارة لشراء كميات إضافية من الغاز”، في محاولة لربط الزيادة المرتقبة بضرورة تأمين استمرارية الخدمة وتحسينها.

وتعاني سوريا بالفعل من عجز كهربائي هائل يقدر بنحو ثمانين بالمئة من احتياجاتها الفعلية، ويعود هذا النقص الحاد إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بمحطات التوليد وشبكات النقل خلال سنوات الحرب، بالإضافة إلى النقص المزمن في تأمين الوقود اللازم لتشغيل ما تبقى من المحطات.

محاولات سد العجز

رغم أن القدرة الإنتاجية الاسمية للمحطات كانت قد بلغت نحو خمسة آلاف ميغاواط بعد جهود إعادة التأهيل الجزئية، فإن التوليد الفعلي لا يتجاوز الألف وتسعمائة ميغاواط، وهو ما يفرض واقعًا قاسياً لا يتيح سوى تغذية كهربائية بمتوسط يتراوح بين أربع إلى خمس ساعات يوميًا فقط.

ولسد هذه الفجوة الهائلة، سعت الحكومة إلى معالجة جزئية للأزمة عبر جهود لاستجرار الغاز الطبيعي ونقله إلى سوريا من خلال خطوط الأنابيب التي تصلها بتركيا والأردن، فضلاً عن مساع لتعزيز الإنتاج المحلي.

في هذا الإطار، كانت البلاد قد وقعت اتفاقية لاستجرار الغاز من جمهورية أذربيجان عبر خط تركيا، وبدأ الضخ فعلياً في شهر آب/أغسطس الماضي، الأمر الذي تم الترويج له على أنه سيرفع التغذية الكهربائية إلى ما بين ثمان وعشر ساعات يوميًا، مقارنة بمتوسط الخمس ساعات السابقة، كما تجري حاليًا مباحثات لاستيراد الغاز عبر ميناء العقبة في الأردن، في محاولة لتنويع مصادر الطاقة.

لكن هذه الوعود، التي يفترض أن تُترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، اصطدمت بالأنباء المتداولة حول رفع الأسعار، ما أشعل فتيل ردود فعل غاضبة في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

بين انعدام الكهرباء وغلاء الأسعار

عكست تعليقات المواطنين حالة من اليأس والقنوط، حيث تساءل أحدهم بمرارة عن كيفية تدفئة الأسر خلال فصل الشتاء القارس القادم، في ظل غلاء المعيشة المستشري، متمنيًا أن “يكون الله في عون” الجميع.

ذهب معلق آخر إلى التحذير من “ثورة ثالثة”، مبررًا ذلك بأن “الجوع كافر”، ومقارنًا بين ما كان عليه الوضع من قبل حيث كان “النظام عم يخلينا نشتغل طول الشهر بشان الأكل والشرب والكهربا والغاز”، وبين ما يواجهونه الآن متسائلًا: “ماذا تفعلون بنا أنتم.. الفقر والتخلف قاتلنا وهالكنا”.

استمرت نبرة الغضب لتطال الأوضاع المعيشية برمّتها، حيث عبر أحد المعلقين عن سخطه من الرواتب و”الاقتصاد الميت” بحسب تشبيهه، متسائلًا عن مبرر رفع سعر الكهرباء قبل الشتاء القارس بأيام في ظل انعدام بدائل التدفئة المتاحة، وارتفاع سعر الغاز “خمسة أضعاف”، واصفًا الأمر بأنه “فوق الموت عصة قبر”، ومؤكداً أن “الأمور سيئة ولا تبشر بأي خير”.

الكهرباء تتحول إلى رمز لأزمة أعمق

تطرق معلق آخر إلى التناقض الصارخ بين وعود توفير الكهرباء ورفع سعرها، مستنكرًا: “فعلا يا فرحتنا على شنهو رفع الفواتير إذا 80 بالمئة بلاش، وينها الكهربا لحتى ترفعوا؟”، مطالبًا الحكومة بتوفيرها بشكل منتظم ثم رفع السعر ليتناسب مع معيشة المواطنين.

واختتم آخرون تعليقاتهم بمقارنة مؤلمة بين رفع أسعار المحروقات والوضع الاقتصادي، متسائلين بوجع: “العالم ما عم تلاقي تاكل وعم ترفعوا أسعار المحروقات، شلون بده يعيش هل الشعب المعتر؟”.

تعكس هذه الأصوات الغاضبة التي لا تنبع فقط من الخوف من ارتفاع فاتورة الكهرباء، بل من شعور متجذر بأن الحكومة فقدت صلتها بواقع الناس، أن الكهرباء في سوريا لم تعد مسألة خدماتية فحسب، بل تحولت إلى رمز لأزمة أعمق تتقاطع فيها أزمات الطاقة والمعيشة.

فبينما تتحدث الحكومة عن “ترشيد الدعم” و”التحول إلى تسعير واقعي”، يعيش غالبية المواطنين على ضوء الشموع ويقضون لياليهم في العتمة، في انتظار وعد طال انتظاره بتحسين الخدمة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم