يشكل وصول الدفعة الثانية والأخيرة من المنحة النفطية السعودية إلى البلاد محطة جديدة في مسار الدعم الذي تعتمد عليه الحكومة لتأمين احتياجاتها الأساسية من الطاقة، في ظل التحديات المتنامية التي تواجهها منظومة الإمداد المحلي.
فقد أعلن وزير الطاقة محمد البشير تسلم مليون برميل إضافي، ليرتفع إجمالي ما وصل من المنحة إلى مليون وستمائة وخمسين ألف برميل، وهي كمية تعد محورية في سد فجوات الاستهلاك وتخفيف الضغط على الشبكات القائمة، ولا سيما في ظل الاضطرابات التي تشهدها السوق العالمية وارتفاع تكاليف الاستيراد على الدولة.
ضبط فني دقيق واستلام آمن
أوضح البشير أن الفرق الفنية أنهت عمليات الفحص والاستلام وفق المعايير المتبعة، ما يعكس محاولة رسم صورة من الانضباط الفني في التعامل مع المنحة لضمان دخولها بشكل آمن وفعّال إلى منظومة التوزيع الوطنية.
ويأتي هذا التفصيل في ظل حاجة الحكومة إلى طمأنة الرأي العام بشأن جودة الإمدادات ومرحلة ما بعد وصول الشحنات، خصوصًا أن أي خلل في عمليات الفحص أو النقل قد يؤدي إلى تعطيلات تتكرر كل موسم، وتنعكس مباشرة على ساعات التغذية الكهربائية وتوافر المحروقات، سواء للاستخدام المنزلي أو الصناعي.
وأشار إلى أن الشحنة الأخيرة ليست مجرد دفعة وقود، بل جزء من تعاون مستمر بين دمشق والرياض، يُراد له أن يشكل ركيزة استقرار في قطاع الطاقة خلال الفترة المقبلة، فالعلاقة بين البلدين شهدت خلال الأشهر السابقة تحركات مكثفة هدفت إلى تعزيز الإمدادات وتخفيف الضغط الذي تسببه الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة على البنية الطاقية.
خطة توزيع تضمن وصول الدعم للمحافظات
يعني وصول هذه الشحنات، وفق خبراء اقتصاديين، أن الحكومة قادرة على كسب فترة زمنية إضافية لتخفيف الاختناقات في السوق، ريثما تتمكن من إعادة بناء جزء من بنيتها الإنتاجية أو تأمين عقود استيراد بديلة طويلة الأجل.
وفي السياق نفسه، تراهن الحكومة على أن ينعكس هذا الدعم بشكل مباشر على استقرار التوزيع في المحافظات، وهو ما ألمح إليه الوزير حين أكد أن الدفعات ستوزع تباعًا وفق خطة تشغيلية ستعلن قريبًا.

تُظهر هذه الإشارة محاولة لضبط توقعات المواطنين الذين ينتظرون تحسنًا في التزويد، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء وما يرافقه من ارتفاع كبير في الطلب على المازوت ووقود التدفئة، غير أن التجارب السابقة تُظهر أن التوزيع غالبًا ما يصطدم بعقبات لوجستية وإدارية تتعلق بالفساد، وبسوء إدارة المخزون، وبعجز الشبكات المحلية عن التعامل مع الازدحامات الموسمية، وهو ما يجعل الإعلان عن خطة تشغيلية واضحة مطلبًا ضروريًا للرأي العام.
ويرى اقتصاديون أن المنحة السعودية تمثل دعامة مؤقتة، لكنها لا تُغني عن الحاجة إلى إصلاحات جذرية في قطاع الطاقة، بدءًا من تحديث البنية التحتية للمصافي، مرورًا بإعادة تأهيل خطوط النقل، وانتهاءً بإيجاد حلول مستدامة لأزمة الكهرباء.
دعامة مؤقتة تحتاج إلى إصلاحات
يشير هؤلاء إلى أن الاعتماد على المنح أو الهبات لا يمكن أن يشكل استراتيجية طويلة الأمد، إذ تبقى هذه الكميات رهينة الاعتبارات السياسية ومتغيرات العلاقات الدولية، في حين أن الطلب المحلي يتزايد بوتيرة لا تتناسب مع قدرة الحكومة الحالية على توفير بدائل ثابتة.
لكن وصول هذه الدفعة يشكّل متنفسًا إضافيًا للبلاد التي تعاني منذ سنوات من نقص الوقود، ويضع الحكومة أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على إدارة هذا الدعم بكفاءة وعدالة، بعيدًا عن شبكات الاحتكار والتهريب التي لطالما امتصت جزءًا كبيرًا من الإمدادات.
وفي ختام تصريحاته، وجه الوزير شكره للقيادة السعودية، مشددًا على عمق الروابط المشتركة بين البلدين، وهي رسالة ذات طابع سياسي بقدر ما هي فنية، في وقت تسعى فيه الحكومة الانتقالية لتعزيز أي مسار من شأنه تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، ولو بشكل مرحلي، ريثما تتضح ملامح المرحلة المقبلة من إعادة هيكلة قطاع الطاقة في سوريا.
- 6993 قتيلاً و363 مجزرة.. حصيلة 9 سنوات من التدخل الروسي في سوريا
- إيران تتحرك بين موسكو والدوحة مع تصاعد الضغوط الأميركية
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟

