لا تزال آثار حملة القمع التي شنّتها قوات الأمن الإيرانية على الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت إيران غير معروفة بشكل دقيق، بسبب انقطاع الإنترنت وحظر التغطية الإعلامية.
ما بدأ في 28 كانون الأول/ديسمبر في طهران كـ”ثورة” ضد الأزمات الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية، سرعان ما امتدّ إلى عشرات المدن والمحافظات الأخرى، بمشاركة متظاهرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية ودينية وعرقية متنوعة، حتى بات أكبر احتجاج مناهض للنظام منذ ثورة عام 1979.
وتردّدت هتافات “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي” على نطاق واسع خارج السوق الكبير في طهران. وردّاً على ذلك، قطعت الحكومة الإيرانية جميع خدمات الإنترنت عن نحو 92 مليون إيراني منذ 8 كانون الثاني/يناير، واستخدمت قوات الأمن القوة المفرطة والأسلحة النارية وغيرها من الأسلحة المحظورة ضد المتظاهرين، ما أسفر عن وقوع مجازر جماعية وإصابات خطيرة.
كارثة إنسانية في إيران
لا تُعدّ هذه الاحتجاجات الحالية في إيران ثورة جديدة ووحيدة، بل هي أحدث فصول سلسلة متواصلة من الانتفاضات، بدءًا من حركة الطلاب عام 1999، مروراً بالحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات عام 2017، وأحداث تشرين الثاني/نوفمبر الدامية عام 2019، و”انتفاضة العطشى” عام 2021، وصولاً إلى انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022. وقد انطلقت كلٌّ منها بدوافع مختلفة، لكنها توحّدت جميعها في أزمة متفاقمة ضد نظام الحكم في طهران.
لا أحد يعرف على وجه التحديد الأعداد الدقيقة للقتلى جراء استخدام السلطات الأمنية للقمع ضد المتظاهريين، لكن التقارير الدولية تشير إلى أن ثمة كارثة إنسانية تحدث في إيران.
ونقلت مجلة “تايم” عن مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الصحة الإيرانية قولهما إن ما لا يقل عن 30 ألف شخص لقوا حتفهم في اشتباكات الشوارع في مدن إيرانية، كما ذكرت صحيفة “الغارديان” رقماً مماثلاً بلغ 30 ألف قتيل في 7 كانون الثاني/يناير، نقلاً عن مصادرها، بحسب تقرير “يورونيوز“.
بينما في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، فإنهم يتحدثون عن تقديرات للخسائر تُقدّر بحوالي 3100 وفقاً لوسائل الإعلام الرسمية، بينما تشير مصادر مستقلة ومهنيون طبيون إلى أكثر من 30 ألف. وصرّحت ماي ساتو، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، لصحيفة “لوموند” الفرنسية بأنه في حين تشير الأرقام الرسمية للحكومة الإيرانية إلى أن عدد القتلى “يزيد قليلاً عن 3000″، فإن التقارير التي تلقتها تشير إلى أن العدد الفعلي قد يصل إلى عشرات الآلاف.
وأقرّ آية الله علي خامنئي في 27 كانون الأول/ديسمبر بمقتل “عدة آلاف من الأشخاص”، ونسب الوفيات إلى “مجرمين محليين ودوليين”، وزعم أن المتظاهرين هم “مثيرو شغب وإرهابيون” تابعون لحكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل.
شهادات من أطباء ومشافي
فيما قال الدكتور هاشم معزن زاده، وهو جراح في فرنسا يحافظ على اتصال منتظم مع مصادر طبية ومستشفيات داخل إيران، لقناة “يورونيوز” الفارسية إنه تم تسجيل ما لا يقل عن 22 ألف حالة وفاة في مرافق الطب الشرعي، بناءً على معلومات من مصادر مستشفيات مختلفة.

وأردف زاده أن الأدلة أظهرت أن قوات الأمن أطلقت النار على أشخاص كانوا يفرون، وكشفت الصور عن جروح دخول وخروج الرصاص من مؤخرة رؤوس الضحايا، مشيراً إلى أنه تم نقل أكثر من 900 جثة إلى مقبرة بهشت زهراء في طهران خلال 36 ساعة بعد أيام القمع الأكثر دموية في 18 و19 كانون الثاني/يناير. كما تم اعتقال العديد من الأطباء والعاملين في المجال الطبي لممارستهم العلاج للمتظاهرين المصابين ورفضهم التعاون مع ضباط الأمن.
أعلن الدكتور قاسم فخرائي، رئيس مستشفى فارابي للعيون في طهران، أن ألف شخص وصلوا إلى المستشفى مصابين بجروح في العين خلال احتجاجات كانون الأول/ديسمبر وحدها، مما يشير إلى أن المئات ربما تعرضوا لصدمات في العين من طلقات بنادق الصيد التي استهدفت الوجوه.
وفي السياق، قال أحد العاملين في مجال الرعاية الصحية في طهران لـ”بي بي سي” إن الأطباء كانوا يحاولون تجنب ذكر الإصابات الناجمة عن إطلاق النار في السجلات الطبية لأنهم كانوا يخضعون لمراقبة مستمرة من قبل قوات الأمن.
في إيران، إحدى الطرق الرئيسية التي يستخدمها النظام الثيوقراطي لقمع المظاهرات هي من خلال “قوات الباسيج”، الذراع التطوعية “للحرس الثوري”، حيث تضم المساجد في إيران مرافق لتلك القوات.
كما أفادت تقارير تلقتها هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن قوات الأمن اختطفت مرضى من المستشفيات ولم يُرَوا مرة أخرى، كما أن الدكتور علي رضا غولشيني، وهو جراح في قزوين، قد تم اعتقاله بتهمة معالجة متظاهرين مصابين.
وذكرت منظمة “العفو الدولية” في تقرير لها يوم 26 كانون الثاني/يناير أن مقاطع فيديو موثقة وشهادات شهود عيان جمعتها المنظمة أظهرت أن قوات الأمن المتمركزة في الشوارع وعلى أسطح المباني، بما في ذلك المنازل والمساجد ومراكز الشرطة، أطلقت النار مراراً وتكراراً من بنادق وبنادق صيد محشوة بطلقات معدنية على المتظاهرين، مستهدفة رؤوسهم وأجسادهم في أغلب الأحيان.
وتُشير الأدلة التي جمعتها “العفو الدولية” إلى أن قوات الأمن المتورطة في حملة القمع الدامية تشمل “الحرس الثوري الإسلامي”، بما في ذلك “كتائب الباسيج” التابعة له، وفرقاً مختلفة من قوات الشرطة الإيرانية، المعروفة اختصاراً باسم “فراجا”، بالإضافة إلى عناصر بزي مدني.
وأضافت أنه رغم القيود المفروضة، تحققت “العفو الدولية” من أدلة تُظهر أن السلطات ارتكبت عمليات قتل جماعي غير قانونية على نطاق غير مسبوق خلال انقطاع الإنترنت، كما نشرت السلطات وحدات مسلحة في الشوارع لفرض حظر التجول الليلي منذ 9 كانون الثاني/يناير، موجهة رسالة مفادها أن أي شخص يتجمع أو يخرج بعد حظر التجول سيواجه استخدام القوة المميتة، وأكدت “العفو الدولية”، على أن السلطات الإيرانية انتهكت باستمرار قانون حقوق الإنسان ومعاييره المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة النارية، مما يدل على استهتار صارخ ومتهور بحقوق الإنسان.
استراتيجية القتل الممنهج
تتضح تدريجياً حقيقة أن هذه الحملة على الاحتجاجات هي الأكثر دموية منذ “الثورة الإسلامية الإيرانية” عام 1979، على الرغم من قيام السلطات بقطع اتصال إيران بالإنترنت وجزء كبير من العالم الخارجي، فيما يحذر النشطاء من أن هذا يدل على لجوء إيران إلى نفس التكتيكات التي استخدمتها لعقود، ولكن على نطاق غير مسبوق، بحسب وكالة “أسوشيتد برس“. بينما لم ترد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على أسئلة الوكالة الدولية المفصلة بشأن قمع المظاهرات.
في إيران، إحدى الطرق الرئيسية التي يستخدمها النظام الثيوقراطي لقمع المظاهرات هي من خلال “قوات الباسيج”، الذراع التطوعية “للحرس الثوري”، حيث تضم المساجد في إيران مرافق لتلك القوات. ونقلت وكالة أنباء “مهر” شبه الرسمية عن الجنرال حيدر بابا أحمدي من “الحرس الثوري” في عام 2024 قوله إن “79 بالمئة من قواعد مقاومة الباسيج تقع في المساجد و5 بالمئة في أماكن مقدسة أخرى”، بحسب المصدر ذاته.
كما تُظهر مقاطع الفيديو عناصر من “قوات الباسيج” وهم يحملون بنادق طويلة وهراوات وبنادق هوائية، بجانب ظهور عناصر من شرطة مكافحة الشغب وهم يرتدون خوذات وسترات واقية، ويحملون بنادق هجومية وبنادق رشاشة.
قطع الإنترنت كأداة لممارسة القمع
بالنسبة للأنظمة الاستبدادية، تعتبر عمليات قطع الإنترنت أداة سياسية قوية للقمع تُستخدم لإخفاء عنف الدولة. فلم يكن إغراق ملايين الأشخاص في ظلام رقمي مجرد إجراء احترازي أمني، بل استراتيجية متعمدة تُستخدم لتعطيل العمل الجماعي، ومنع توثيق عنف الدولة، والتحكم فيما يمكن أن يراه الجمهور المحلي والدولي.
عندما انقطعت خدمات بيانات الهاتف المحمول، وشبكات الإنترنت، وحتى خطوط الهاتف في جميع أنحاء إيران، حُرمت العائلات من التواصل مع أحبائها، وعُزل المتظاهرون عن بعضهم البعض، وجُعل العالم الخارجي غافلاً إلى حد كبير عن الأحداث داخل إيران.
وبالتالي، لم يكن هذا إجراءً غير مسبوق، ولا استجابة أمنية مؤقتة، فقد دأبت السلطات الإيرانية على تقييد أو تعطيل الوصول إلى الإنترنت والهاتف خلال فترات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. فالصراع على الوصول إلى الإنترنت في إيران صراع سياسي بامتياز، يمثل وكأنه صراع حول من يُسمح له بالرواية، ومن يُسمح له بالظهور، ومن يُسمح لمعاناته بأن تُسجّل كحقيقة.
ولهذا لجأ الإيرانيون في الشتات وحلفاؤهم إلى منصات مثل “إكس” و””بوكس” و”إنستغرام”، مستخدمين وسم “#DigitalBlackoutIran ” للفت انتباه العالم إلى انقطاع الخدمات الرقمية وتصاعد القمع داخل إيران.
الحكومة تحاول مواجهة “كارثة” القمع
يجري تحقيق عميق ومؤلم داخل إيران، حيث يحاول السياسيون والأكاديميون والمؤسسة الأمنية استيعاب ما وُصف بـ”الكارثة” بعد الاحتجاجات العنيفة وقمعها الأكثر عنفاً من قبل قوات الأمن.
بدأ شكل النقاش الدائر في المجتمع الخاضع لرقابة مشددة في الظهور تدريجياً، حيث بدأت الصحف المختارة وقنوات “تيليغرام” بالانفتاح تدريجياً على الجماهير الدولية بعد الاحتجاجات، التي تشير بعض التقديرات إلى أنها ربما أسفرت عن مقتل أكثر من 30 ألف شخص، والتي صدمت العديد من الإيرانيين.
كتب محمد فاضلي، عالم الاجتماع الإصلاحي، على قناته على تطبيق “تيليغرام”: “سيظل تاريخ إيران متشابكاً مع هذا الحدث لعقود، مدفوناً تحت أنقاض هذه الكارثة”، بحسب تحقيق صحيفة لـ”الغارديان”.
قال أحمد زيد آبادي، الصحفي الإصلاحي والسجين السياسي السابق: “لا يمكن إلا لتقرير مهني من فقهاء الأمم المتحدة المستقلين أن يكون الفيصل النهائي بين الروايات المتضاربة حول هذه المأساة الوطنية. إن رفض الجمهورية الإسلامية لمثل هذا الطلب سيكون خطأً تاريخياً”.
بينما أشارت فاطمة مهاجراني، المتحدثة الرسمية باسم الحكومة، في مؤتمر صحفي، إلى ضرورة إجراء تحقيقين في أحداث محددة وقعت خلال الاحتجاجات، وكانت الأجهزة الأمنية قد رفضت في السابق جميع هذه التحقيقات.
ويزعم المطالبون بحرية الصحافة أن إيران محاصرة بين قنوات تلفزيونية دعائية حكومية لا يمكن مشاهدتها، وقنوات فضائية معادية للحكومة مقرها المملكة المتحدة. وأصدرت “رابطة طلاب جامعة طهران” بياناً قالت فيه إنها “مذهولة مما حدث لنا”، مشددة على أنه لا ينبغي السماح للجناة بالإفلات من عبء المسؤولية.
المسؤولية العالمية
تشير أدلة متزايدة إلى أن إيران اتخذت قراراً استراتيجياً قبل بدء الاحتجاجات، يتمثل في البقاء على قيد الحياة من خلال القتل الجماعي وبثّ الخوف عمداً.
لم يعد السؤال الذي يواجه العواصم الغربية هو ما إذا كانت الفظائع قد وقعت، بل ما إذا كان المجتمع الدولي يمتلك الإرادة للرد بأي شيء يتجاوز حدود الخطابات والبيانات. وذلك في ظل الحديث مؤخراً عن الضربة الأميركية المرتقبة على إيران، حيث تتراوح السيناريوهات التي ناقشتها مصادر إقليمية وأميركية بين ضربات محدودة، أو عمليات تصفية مُستهدفة لشخصيات بارزة في النظام الإيراني، وصولاً إلى هجمات على البنية التحتية العسكرية وأجهزة القمع، أو مزيج من هذه الخيارات. إلا أنه يبدو أن الطرفين أدركا خطورة اندلاع حرب في المنطقة، وبالتالي لجأوا أخيراً إلى خيار التفاوض.
في العموم، يظل إفلات السلطات الإيرانية من العقاب على ارتكابها المتكرر لجرائم بموجب القانون الدولي خلال حملات القمع السابقة للاحتجاجات، قد غذّى هذه الجولة الأخيرة من العنف، وهو ما يستدعي تحركاً دولياً أشد هذه المرة.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

