بعد مضي تسعة أيام على مقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، والذي قضى في ضربة أميركية-إسرائيلية في 28 آذار/فبراير الماضي، أعلنت طهران أمس الأحد، تعيين نجله مجتبى خامنئي خلفاً له، ليكون المرشد الثالث لإيران.
وقال مجلس الخبراء الإيراني، المؤلف من 88 عضوا، في بيان، إن تعيين مجتبى، جرى بعد جلسة تصويت من ممثلي المجلس، مشيرا إلى أن اختياره جاء بأغلبية ساحقة.
ويُعدّ مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد، وأحد أكثر الشخصيات نفوذا داخل الدوائر الضيقة المحيطة بمركز القرار في بيت خامنئي، إلا أن تعيين نجل خامنئي حمل رسائل ودلالات، مفادها أن طهران مازالت مستمرة في ذات النهج المبني على ولاية الفقيه.
رسالة طهران.. تعيين مجتبى خامنئي
ونقلت وكالة رويترز، اليوم الاثنين، عن مسؤولين إقليميين أن تعيين نجل خامنئي يمثل تحدياً مباشراً للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان قد أعلن أن نجل المرشد “غير مقبول”.

وأضافت رويترز، أن تعيين مجتبى من قبل مجلس خبراء القيادة سيؤدي إلى تثبيت “سيطرة التيار المتشدد” داخل طهران، في خطوة قد تعيد تشكيل مسار الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
وقال أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط: “وصول مجتبى إلى السلطة يعني اتباع النهج نفسه. إنه إحراج كبير للولايات المتحدة أن تنفذ عملية بهذا الحجم، وتخاطر بالكثير، ثم ينتهي الأمر بقتل رجل يبلغ 86 عاماً ليخلفه ابنه المتشدد”.
فيما يرى محللون أن اختيار مجتبى، وهو “رجل دين متشدد للغاية” بحسب رويترز، فإن يبعث برسالة مفادها أن طهران “رفضت أي احتمال للتسوية” من أجل الحفاظ على النظام، ولا ترى طريقاً أمامها سوى المواجهة والانتقام والصمود.
“مجتبى أكثر تشدداً من والده”
بعد ساعات من تعيين مجتبى خامنئي، أفادت وكالة مهر الإيرانية للأنباء، نقلاً عن “الحرس الثوري” الإيراني، تنفيذ الموجة الـ30 من عملية الوعد الصادق 4، بالتزامن مع إعلان قائد جديد للثورة الإسلامية في إيران.
وأوضح البيان أن العملية جرت ضد قواعد الجيش الأميركي في المنطقة وشمال إسرائيل، باستخدام صواريخ بالستية من نوع “خرمشهر” و”فتاح” و”خيبر” التي تعمل بالوقود السائل والصلب، والطائرات المسيرة.
وقال مسؤول إقليمي قريب من طهران لرويترز: “العالم سيشتاق إلى عهد والده. مجتبى لن يكون أمامه خيار سوى إظهار قبضة حديدية، وحتى لو انتهت الحرب، سيكون هناك قمع داخلي شديد”.
ونقلت رويترز عن مصدر إيراني مطلع، إن “أياماً صعبة تنتظر إيران تحت قيادة مجتبى، مع تشديد أكبر للقبضة الأمنية داخلياً وتبني سياسة أكثر عدوانية في الخارج”.
ويرى بول سالم، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن مجتبى ليس شخصية يمكن أن تتجه إلى تسوية مع الولايات المتحدة، وقال: “لا أحد يبرز الآن قادر على تقديم تنازلات. هذا اختيار متشدد في لحظة متشددة.”
من جهته، يرى الدبلوماسي الأميركي السابق والمتخصص في الشأن الإيراني، آلان آير، أن “مجتبى أكثر تشدداً حتى من والده”، مضيفاً أنه كان المرشح المفضل لدى الحرس الثوري، مشيرا أنه “سيكون لديه الكثير من الانتقام ليأخذه.”
وكانت إسرائيل قد حذّرت في وقت سابق، من أن أي خليفة لعلي خامنئي قد يصبح هدفاً أيضاً، بينما قال ترامب إن الحرب قد لا تنتهي إلا بعد القضاء على القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية.
علاقات وثيقة بـ “الحرس الثوري”
يُعد مجتبى، البالغ من العمر 56 عاماً، رجل دين نافذاً في مرتبة متوسطة، وقد عارض لسنوات التيارات الإصلاحية التي تدعو إلى الانفتاح على الغرب.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن علاقات وثيقة تربط خامنئي بكبار رجال الدين وبـ “الحرس الثوري” الذي يهيمن على أجهزة الأمن وعلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.
وتقول رويترز إن “خامنئي اكتسب نفوذاً كبيراً خلال عهد والده، ولعب دوراً محورياً داخل الأجهزة الأمنية والإمبراطورية الاقتصادية المرتبطة بها، وكان يُنظر إليه لسنوات بوصفه “حارس بوابة” المرشد أو حتى “مرشداً مصغراً” فعلياً”.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات عليه عام 2019، معتبرة أنه يمثل المرشد الأعلى في مهام رسمية رغم أنه لم يشغل أي منصب حكومي منتخب.
سلطة المرشد تعلو سلطة الرئيس
النظام السياسي الديني في إيران، يتمتع المرشد الأعلى بسلطات واسعة بوصفه أعلى سلطة في البلاد، بما في ذلك الإشراف على السياسة الخارجية والبرنامج النووي، إضافة إلى توجيه الرئيس المنتخب والبرلمان.
وقد بدء هذا جليا بعد تصريحات الرئيس الايراني مسعود بزشكيان، السبت، حيث قال في كلمة متلفزة: “مجلس القيادة المؤقت وافق على عدم شن هجمات على دول الجوار إلا إذا انطلق منها هجوم على إيران”، مشيرا الى “عدم وجود عداوة لإيران مع دول المنطقة”.
إلا أن ضعف بزشكيان، في ظل وجود “الحرس الثوري”، والتيار الذي يمثله خامنئي، عادت إيران بعد ساعات لتهاجم دول الخليج باستخدام الطائرات المسيرة.
وزارة الخارجية السعودية قالت في بيان لها اليوم: “فيما يتعلق بدعوة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أوضح فيها أنه ليس لديهم خطط للاعتداء على دول الجوار وأنه تم اتخاذ قرار بذلك من قبل مجلس القيادة، فإن المملكة تؤكد أن الجانب الإيراني لم يطبق تلك الدعوة على أرض الواقع، سواء خلال إلقاء الرئيس الإيراني لكلمته أو بعدها واستمر في اعتداءاته”.
وأضاف البيان أن الجانب الإيراني “مستند لحجج واهية لا تستند لأي حقيقة، بما فيها مزاعم سبق وأوضحت المملكة عدم صحتها وهي المتعلقة بانطلاق طائرات مقاتلة وطائرات تزود بالوقود من المملكة للمشاركة بالحرب، بينما الواقع أن تلك الطائرات تقوم بدوريات جوية لمراقبة وحماية أجواء المملكة ودول مجلس التعاون من الصواريخ والمسيرات الإيرانية”.
كما أكدت السعودية على أن الاعتداءات الإيرانية المتواصلة تعني مزيداً من التصعيد وسيكون لذلك أثر بالغ على العلاقات حالياً ومستقبلاً، وختم البيان بالقول إن “ما تقوم به إيران حالياً تجاه دولنا لا يغلب الحكمة والمصلحة في تجنب توسيع دائرة التصعيد الذي ستكون هي الخاسر الأكبر فيه”.

