في غضون أيام قليلة، امتد الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى حرب إقليمية جرّت معها حلفاء أميركا الرئيسيين في الشرق الأوسط، وبدا أن أذرع وميليشيات إيران في المنطقة دخلت على خط المواجهة، مما زاد من احتمالات نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقاً ذي تداعيات خطيرة.
لكن دوماً من يدفع ثمن الحروب ليس من بدأها أو وسّعها. فما تداعيات التصعيد الحالي من قبل أذرع طهران في حال تدخلت جميعها، خاصة بعدما قرر “حزب الله” اللبناني والموالي لطهران الدخول في غمار هذه الحرب دون الرجوع إلى الدولة اللبنانية، وهو ما اعتبره الكثيرون من اللبنانيين أن “الحزب”، وللمرة الثانية، يذهب بخيار الانتحار بلبنان ولم يُخيّرهم، بل ارتهن للقرار الإيراني ومصالحه فقط.
وقد أفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمقتل نحو 48 من كبار القادة الإيرانيين في الساعات الأولى من الحملة الجوية، بمن فيهم المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي. بالنسبة لدولة كإيران، التي لم تشهد سوى انتقال واحد للسلطة منذ حربها الأهلية عام 1979، فإن هذا يُرجّح أن يُسبّب فوضى عارمة وعدم استقرار في جميع مستويات القيادة الإيرانية.
اضطراب القيادة الإيرانية
أقرّ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي بأن وحدات الجيش تتصرف على الأرجح بشكل مستقل ودون اتصال بالقيادة العليا، وهو تصريح خطير ينم عن فوضى في الإدارة الإيرانية، واعتراف بأن لا أحد في طهران يعرف من المسؤول.

وبينما حاول الخطاب الرسمي في إيران طمأنة مؤيديه وحلفائه في المنطقة بأن عملية اختيار خليفة للمرشد الأعلى ستجري وفق الدستور، أفادت الرواية الرسمية بأن مجلساً مؤقتاً يضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورجل دين لم يُعلن اسمه كان يتولى إدارة شؤون البلاد بشكل ظاهري خلال الفترة التي قُتل فيها علي خامنئي.
ومن ثم، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران، مساء يوم الأحد الفائت، انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للبلاد خلفاً لوالده. وذكر المجلس، المؤلف من 88 عضواً، في بيان أنه “في الجلسة الاستثنائية التي عقدت اليوم، وبناءً على التصويت الحاسم لأعضاء مجلس خبراء القيادة، تم تعيين مجتبى الحسيني الخامنئي القائد الثالث للجمهورية الإسلامية” منذ تأسيسها عام 1979.
كما دعا المجلس الشعب الإيراني إلى الحفاظ على الوحدة ومبايعة المرشد الجديد، مؤكداً أن “قرار اختيار مجتبى خامنئي جاء لتجنب حدوث فراغ في القيادة”.
إيران ترفع تكلفة الحرب
لكن خلال الفترة الفائتة، أي ما بعد علي خامنئي، بدت الإدارة في إيران مضطربة. وحتى بعد تعيين ابنه مجتبى مرشداً، فإن تصفية عدد من كبرى القيادات الإيرانية لن تعوّض ما خسرته طهران، فضلاً عن اختلاف شخصية وخبرات مجتبى عن والده، ما سيُبقي الهجمات الإيرانية مضطربة كما لوحظ خلال الأيام الماضية، إذ بدت أشبه بلاعب جُنّ جنونه ويضرب في كل مكان، وهو ما طرح تساؤلات لدى المحللين عمّا إذا كانت تلك الضربات نتاج خطة أم فوضى.
وقد استهدفت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة إيرانية ما لا يقل عن ستة من أصل 19 منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. وتشمل هذه المنشآت مواقع في الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين والعراق، كما استهدفت طهران أيضاً منشآت دبلوماسية أميركية في المنطقة.
إلا أن الهجمات الأكبر طالت الدول الخليجية وتحديداً نقطا مدنية، من مطارات رئيسية وفنادق فاخرة إلى منشآت طاقة حيوية، وقد أُغلق مضيق هرمز فعلياً، وحُوّلت مسارات السفن منذ بداية الحرب، فيما يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر هذا الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح.
وأدى الجمع بين الهجمات على منشآت الطاقة الرئيسية وتعطيل حركة الشحن في الخليج العربي، وهي منطقة تنتج حوالي 40 بالمئة من نفط العالم، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي بشكل كبير وزاد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.
ما يبدو حتى الآن، أن إيران تحاول استهداف دول الخليج بشكل رئيسي لإلحاق أضرار بحلفاء الولايات المتحدة لإجبارها على وقف الحرب، بعد ضغوط الخليج بسبب الهجمات والخسائر التي تكبدوها.
ويقول الخبراء إن طهران، في مواجهة تهديد وجودي، فطهران إلى زيادة الألم الاقتصادي والسياسي والعسكري للصراع بالنسبة للولايات المتحدة وتأمين إنهاء الأعمال العدائية. ويبدو أن طهران تراهن على تردد ترامب في التورط في حروب فوضوية ومكلفة، وتسعى إلى إثبات أنها تمتلك القدرة على إطالة أمد الصراع وجعله أكثر تعقيداً وتكلفة، هذا ما قاله حميد رضا عزيزي، وهو زميل في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية.
مع تكثيف إسرائيل لحملتها بات لبنان الآن على حافة الانجرار الكامل إلى الحرب الإقليمية المتصاعدة، وهو مصير سعت الحكومة اللبنانية جاهدة لتجنبه.
من ناحية أخرى، فهناك تقدير أن إيران تمتلك كميات محدودة من الصواريخ بعيدة المدى للوصول إلى إسرائيل، لكنها تمتلك مخزونات أكبر من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لاستهداف أهداف أقرب، كما هو الحال في العراق ودول الخليج.
ولهذا تريد الاحتفاظ بصواريخها بعيدة المدى حال ساءت الأمور، ومعدل إطلاق الصواريخ الفترة المقبلة سيكشف خطة إيران الحقيقية وراء الصواريخ والضربات العشوائية التي قامت بها خلال الأيام الأخيرة.
ثمن تدخل الفصائل العراقية
احتمالات توسيع الحرب تزداد يوماً بعد يوم، خاصة مع دخول وكلاء إيران على الخط، لكن الكلفة لديهم ستكون أكبر مما سيتكبده الخليج نفسه. فالثمن الذي ستدفعه الدول التي تضم وكلاء طهران سيكون باهظاً، وسيدفع مواطنو تلك الدول ثمناً من أجل حرب لم يريدوا الدخول فيها، ولم يسألهم أحد إن كانوا يريدون دخولها من الأساس.
فالعراق، على سبيل المثال، هو الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يستهدفها كلا الطرفين في الصراع الحالي. وهناك قد تؤثر الحرب على كل شيء، بدءاً من الحكومة المقبلة وصولاً إلى العنف الطائفي ورواتب موظفي الخدمة المدنية، إضافة إلى آثار اقتصادية أخرى.
وبحسب غرفة التجارة الإيرانية العراقية المشتركة، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 12 مليار دولار (10.2 مليار يورو) في عام 2024. ويُعتقد أن إيران تُورّد نحو خُمس السلع الاستهلاكية العراقية، كما يُعرف أنها تستخدم العراق للالتفاف على العقوبات الأميركية والحصول على العملات الأجنبية.
من المرجح أن يؤدي عدم الاستقرار في إيران إلى قلب تلك العلاقات الاقتصادية والتجارية رأساً على عقب. وقال حمزة حداد، الباحث العراقي لـ”دويتشه فيله“: “يتمتع العراقيون بخبرة في التكيف مع الأوقات الصعبة، أي قطع الكهرباء، لذا سيكون هناك قدر أقل من عدم الاستقرار على المدى القصير. ولكن إذا طالت الحرب، فقد يتغير ذلك”، مشيراً إلى أن الدولة العراقية تعتمد بشكل كبير على مبيعات النفط، مردفاً أن إغلاق مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط سيؤدي لتوقف عائدات النفط، وبالتالي سيكون لذلك أثر على قدرة العراق على دفع رواتب موظفيه. كما سيؤدي إلى مصاعب في تشكيل الحكومة الجديدة والعودة إلى فترة اللايقين التي شهدها العراق من قبل.
كما أن دخول الميليشيات العراقية بقوة على خط الحرب من شأنه أن يشعل العراق، حيث أعادت إحدى القنوات على تطبيق “تيليغرام” التابعة للميليشيات الموالية لإيران، والتي كانت غير نشطة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، نشر بيانات تبنّيها لهجمات نفذتها جماعة تُعرف باسم “المقاومة الإسلامية في العراق”.
وفي الأشهر الأخيرة، وردت تقارير تفيد بأن بعض الميليشيات الموالية لإيران تستعد للوقوف إلى جانبها في حال نشوب حرب. إلا أنه ورد أيضاً أن هذه الميليشيات منقسمة فيما بينها، وأن بعضها يرفض التدخل في الحرب. وفي اليوم الأول للحرب، أعلنت قيادة عمليات “كتائب حزب الله” في العراق: “سنبدأ قريباً بمهاجمة القواعد الأميركية رداً على عدوانهم”.
وبالفعل دخلت “كتائب حزب الله” العراقي على خط المواجهة عبر تدشين مرحلة “الاستنزاف الشامل” ضد القواعد الأميركية في المنطقة، حيث أعلنت مسؤوليتها عن سلسلة هجمات بمسيّرات وصواريخ استهدفت مواقع حيوية وقواعد عسكرية في العراق، مع توجيه تهديدات صريحة بتوسيع نطاق العمليات لتشمل المصالح الأميركية في دول الجوار.
وهذا التحرك الميداني يهدف إلى تخفيف الضغط العسكري عن الداخل الإيراني من خلال تشتيت منظومات الدفاع الجوي الغربية وفتح جبهات استنزاف إقليمية.
وعلى المستوى الاستراتيجي، تُنفذ “الكتائب” دور “رأس الحربة” في تنسيق العمليات العابرة للحدود، حيث أشارت تقارير استخباراتية إلى دورها في تسهيل هجمات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه أهداف إقليمية ضمن بنك الأهداف الإيراني. وقد تجلى هذا الانخراط في البيانات الرسمية “للمقاومة الإسلامية في العراق” التي أكدت أن الحرب الحالية هي معركة وجودية لم يعد فيها مجال للحياد، مما أدى إلى تلقي “الكتائب” ضربات جوية مركزة استهدفت قادتها الميدانيين ومخازن سلاحها، وفق عدة تقارير لمعهد دراسة الحرب (ISW).
ورغم ذلك، فإن انخراطها ليس بالقوة نفسها التي انخرط بها “حزب الله” اللبناني في مسار المواجهة الحالية. فمثل إيران، يبدو أن “حزب الله” الموالي لطهران أصبح الآن في مرمى النيران، ليس لأنه قوي ويشكل تهديداً كبيراً إلى حد ما، بل لأنه يمرّ بحالة ضعف فريدة من نوعها. وعلى الرغم من ذلك، قرر أن يجرّ لبنان إلى حرب أخرى.
اللبنانيون غاضبون
وقد أطلق “حزب الله” صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، في حين أرسل الجيش الإسرائيلي قوات إلى جنوب البلاد، وهو ما نتج عنه فرار آلاف السكان من القرى في الجنوب، وفي بيروت، تجمعت العائلات النازحة في ساحة الشهداء بالمدينة وعلى الممشى على طول البحر الأبيض المتوسط، وفق “بي بي سي“.
مع تكثيف إسرائيل لحملتها بات لبنان الآن على حافة الانجرار الكامل إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية المتصاعدة ضد إيران، وهو مصير سعت الحكومة اللبنانية جاهدة لتجنبه.
أما “حزب الله”، فبعد أن شهد اغتيالات قادته، وضرب ترسانته العسكرية فهو أيضاً يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة داخل لبنان، حيث تصاعد الغضب بسبب قرار “الحزب” دخول الحرب مع إسرائيل، وجر بقية البلاد معها.
وكانت المشاهد مشابهة بشكلٍ مخيف لما حدث قبل ثمانية عشر شهراً، حين دفعت حملة قصف إسرائيلية وتفجير أجهزة “البيجر” لعناصر “الحزب” الناس إلى النزول إلى الشوارع وأثقلت كاهل المستشفيات. حينها، جلبت صدمة الهجوم شعوراً بالتضامن إلى البلاد: امتدت طوابير بنوك الدم إلى خارج أبوابها، لكن هذه المرة، قوبل الاعتداء بشعور من الاستسلام المنهك والغضب المكبوت، وفق “الغارديان“.
وحتى بين القاعدة الشعبية “للحزب”، التي تُطلق على نفسها اسم “مجتمع” مؤيدي “الحزب”، أثار دخول الأخير الحرب صدمة. وقالت امرأة من الضواحي الجنوبية لبيروت، الخاضعة لسيطرة “حزب الل”، والتي رفضت ذكر اسمها لـ “الغارديان”: “إسرائيل تقصف لبنان منذ عامين، ولم يرد حزب الله ولو لمرة واحدة. والآن، تُقصف إيران ليومين، فيحرقون البلد بأكمله من أجلها؟ إنهم لا يكترثون للبنان”.
على مدى أسابيع، وجّه المسؤولون اللبنانيون تحذيرات لـ”حزب الله” مفادها أن دخوله الحرب مع إسرائيل إلى جانب إيران سيؤدي إلى معاناة البلاد بأكملها. وقد أدى قرار الجماعة بقصف إسرائيل على أي حال إلى شعور عميق بالخيانة لدى الحكومة اللبنانية، وخاصة لدى القوات المسلحة اللبنانية، حيث شعر كلاهما بأنهما تعرضا للتضليل.
أما “الحوثيون” فهم الوحيدون من بين أذرع إيران الذين لم ينضموا رسمياً إلى القتال حتى الآن. وفي الأيام الأخيرة، تظاهروا مؤيدين لإيران ومعارضين لاغتيال علي خامنئي، ونشروا بيانات أعلنوا فيها تضامنهم مع إيران ولبنان في أعقاب الهجمات، لكنهم لم يعلنوا انضمامهم رسمياً إلى المعركة.
وقد قالت مصادر أمنية رفيعة في اليمن لـ”العين الإخبارية”، إن زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، لم يحسم بعد أمر المشاركة في الحرب لدعم إيران. وتجدر الإشارة إلى أن “الحوثيين” متورطون في نزاع طويل الأمد مع السعودية، التي تتعرض هي الأخرى لهجوم إيراني، لذا فإن هذه العلاقات الإقليمية تؤثر أيضاً على أي قرار يُتخذ بشأن انضمام “الحوثي” إلى المعركة.
- سوريا “تشدّ الحزام”.. هل يدفع المواطن فاتورة ضبط الإنفاق الحكومي؟
- “الأشغال” تدافع عن مشروعية الاستملاك.. وحقوقيون يطالبون بإثبات التعويض
- ضمن خطة “صفر مخيمات”: إغلاق مخيم الشهابات وعودة مئات المهجرين من دير الزور
- بين “القطيع” و”قوم كرام”.. جدل حول تصريحات يوسف قبلاوي
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران

