بينما تثور الشكوك وتتعدد حول حقيقة أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال حياً، أو حول حدود إصابته جراء القصف الذي طالت الصف الأول من قيادات النظام الإيراني، جاء بيانه المكتوب، الذي أذيع عبر التلفزيون الرسمي، ليشير إلى أن قيادات “الحرس الثوري” في طهران تسيطر بنيوياً على قيادة النظام، سواء في تموضع خامنئي الابن داخل حدود ظلّ المرشد، أو توظيفه داخل المنصب بصورة رمزية فقط.
وبدا لافتاً أن النظام في طهران يميل حتى الحدود القصوى إلى التشدد من خلال تمفصل “الحرس الثوري” في مؤسسات الدولة وتعميم سيطرته وفرض توغله وتغلغله في بنية الحكم، ذلك ما برز على نحو واضح ومباشر من خلال تعيين القيادي السابق “للحرس” محسن رضائي باعتباره مستشاراً عسكرياً للمرشد الإيراني.
ومع تأكيد إيران أمس الثلاثاء ما سبق أن كشفه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بخصوص مقتل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، تتعزز فرضية صعود القوى الراديكالية وجناح الصقور بما يقوض فرص الوجوه البراغماتية بالسلطة ويضيق من احتمالات الانفتاح على التفاوض والدبلوماسية.
غير أن هذا الاحتمال برغم ما يؤشر إلى سيناريوهات مفتوحة بشأن الحرب وإطالة أمد النزاع، لكنه يعتمد على رهان متمثل في استنزاف السلطة من الداخل بإيران وذلك عبر إثارة التناقضات بين أجنحة السلطة وتفخيخ الصراعات التقليدية بين الإصلاحيين والكتل الصلبة في مكتب المرشد و”الحرس الثوري”، الأمر الذي يترتب عليه إضعاف النظام وإشغاله بأزماته الداخلية، مع الأخذ في الاعتبار ترجيح حدوث انتفاضة في ظل هذا الوضع بما يؤدي لتغيير محدود وربما جزئي في طبيعة السلطة تتخلى من خلاله عن مشروعها الإقليمي إلى جانب ترسانتها النووية والصاروخية.
مجتبى خامنئي: واجهة حكم أم مرشد فعّلي؟
جاء تعيين المرشد الجديد لإيران كأحد أهم تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، حيث خالف تقاليد انتقال السلطة التي لا تعتمد على التوريث فضلاً عن غياب شروط عديدة جوهرية للمنصب في خامنئي الابن تتصل بوضعه الحوزوي حيث لم يحظى برتبة “المجتهد” التي تضمن له الاستحقاق بالمنصب.

كما أن ذلك يعبر عن أحد أهم التحولات السياسية في “الجمهورية الإسلامية” منذ أكثر من أربعة عقود. حيث إن هذا الاختيار، وللمرة الأولى منذ ثورة 1979، يأتي من خلال انتقال السلطة العليا مباشرة من الأب إلى الابن، وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها النظام السياسي في طهران. وقد صادق “مجلس خبراء القيادة” على خامنئي الابن بعد نحو أسبوع من مقتل والده، صباح الأول من آذار/مارس الجاري، في ضربة أميركية-إسرائيلية أطاحت بجزء كبير من القيادة الإيرانية العليا.
ذلك ما يدفع التحليل نحو فهم إعلان تموضع خامنئي الابن في هذا المنصب الدال واللافت في تراتبية النظام السياسي في إيران، من خلال سيطرة “الحرس الثوري” على السلطة، وتحول مفهوم إدارتهم “الدولة العميقة” نحو العلن عبر استخدام رمزية خامنئي الابن وامتلاكه “ولاية الدم” عن أبيه.
بيد أن تحليل مضمون البيان المنسوب لمجتبى، والذي ألقاه مذيع التلفزيون الرسمي، يشي بأن الكثير من مضمون البيان، خاصة ما يتصل بمضيق هرمز ووضعه قيد الاستخدام الاستراتيجي في أولويات إدارة الصراع من قبل طهران ضد الولايات المتحدة الأميركية، يعكس ذهنية “الحرس الثوري”، وبعيداً عن تسمية المرشد الجديد، سواء كان سليماً أو مصاباً، أو غيّبته الضربات الأميركية في بداية العمليات العسكرية.
إذن، تبدو إيران على تخوم مرحلة استثنائية، حيث يبدو الثقل السياسي فيها لصالح جهة واحدة، ولا يُعرف فيها توازن فاعل بين المؤسسات الأمنية.
وقد يبدو منطقياً أن المجتمعات المركزية، متى ما شهدت تحديات ومخاطر عالية الكلفة والتأثير، تتراكم فيها السلطة وتحتشد خلف الجهة الأكثر تشدداً وتطرفاً. وربما يتوافق ذلك الإطار النظري مع الواقع العملي في طهران، حيث سيطرة “الحرس الثوري” على مفاعيل السلطة.
تداعيات اغتيال قيادات الصف الأول
ليس ثمة شك أن جزءاً هاماً ولافتاً من بنك الأهداف للعمليات العسكرية ضد إيران يميل نحو تطويع النظام الإيراني من خلال عدة إجراءات محددة، تشمل قدرات الصواريخ الباليستية، والبرنامج النووي، ووضع كميات معلومة من اليورانيوم تحت إدارة دولية، وتقييد الأذرع العقائدية والعسكرية في الشرق الأوسط، سواء في اليمن ولبنان وكذلك العراق.
يتسق ذلك الهدف مع واقع العمليات الميدانية، خاصة مع الضربات الأولى التي استهدفت المرشد علي خامنئي وعديد القيادات الأمنية والعسكرية من الصف الأول، فضلاً عما أعلنته تل أبيب من خلال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في تصريحات حول مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وقائد “قوات الباسيج” غلام رضا سليماني، في ضربات نفذها سلاح الجو خلال ساعات ليل السادس عشر من آذار/مارس الجاري، مما يعني تركيزاً أكبر للقوة داخل قبضة “الحرس الثوري” الإيراني.
من الصعوبة تقليل أثر اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والقيادات الأمنية والعسكرية، أو التغاضي عن كلفة مقتل لاريجاني وقائد “قوات الباسيج”، وذلك على خلفية النكوص الذي يشهده النظام السياسي الإيراني، الذي خبر طوال العقود الفائتة التوازن التقليدي بين المؤسسات، لمصلحة صعود مركز قرار أمني أكثر تماسكاً.

تأسس النظام الإيراني تاريخياً على توازن دقيق بين مقر المرشد، ورئاسة الجمهورية، والحوزة الدينية، والجيش التقليدي، و”الحرس الثوري”، و”قوات الباسيج”، وشبكات البازار الاقتصادية. وقد منح هذا التوازن “الجمهورية الإسلامية” قدرة على الاستقرار النسبي، رغم الأزمات المتكررة التي واجهتها منذ قيام الثورة.
ورغم ما يتمتع به النظام السياسي والأمني في طهران من قدرات دفاعية لا مركزية تسمح له بالصمود أمام الضربات الموجعة والمؤثرة، إلا أن التطورات الأخيرة، التي ذهبت بالسلطة داخل حوزة “الحرس الثوري” الإيراني دون غيره، تحمل دلالات هامة حول واقع السلطة حالياً ومن يمتلك القرار.
كما أنها تحمل دلالات لافتة حول مستقبل السلطة وشرعيتها، لا سيما ما يتعلق بإجراءات اختيار المرشد الثالث، خامنئي الابن، كتعبير مباشر عن خلل في بنية الحكم، سواء ما يتعلق بالتوازنات النسبية بين مؤسسات الدولة، أو ما يرتبط بمناسيب القوة والتأثير بين مفهوم السلطة الدينية والسلطة الأمنية داخل حدود النظام.
ربما ما يعزز هذا التحليل أن مجتبى خامنئي، بالأصل، يعد قريب الصلة بـ”الحرس الثوري” بشكل دال، مما يعني أن مؤسسة “الحرس الثوري” ستضمن ديمومة البنية الأمنية والسلطوية للنظام، بغض النظر عن شائعات نقله إلى روسيا للعلاج.
مضيق هرمز: ورقة “الحرس” في التفاوض والحرب
وإذا ما اتفقنا على فرض رئيس يتمحور حول أن هدف الحرب الجارية الآن، خاصة من قبل واشنطن، يتمثل في تطويع النظام وإرغامه على جملة من الشروط التي تحقق اعتبارات الأمن الإقليمي بحسب المنظور الغربي، فقد يبدو منطقياً أن يعمل “الحرس الثوري” على أن تظل السلطة داخل حدوده، بعيداً عن أي شرعيات منافسة قد تهدد توازنات الداخل، الأمر الذي يسمح “للحرس” بأن يكون طرفاً في أي مفاوضات أو وساطات تجري من أجل اليوم التالي.
إلى ذلك، قد يكون من المؤكد أن خامنئي الابن ما زال على قيد الحياة، لكن أوضاع النظام والدولة ستسمح لهما بالمضي، ولو مؤقتاً، رغم الإعلان عن مقتل شخصيات مؤثرة في توازنات النظام مثل لاريجاني. غير أن ذلك قد يدفع، حتماً، نحو لحظة تفاوض لا تبدو فيها طهران مؤثرة بالدرجة الكافية.
قد لا يكون في ذهنية “الحرس الثوري” من أوراق ضغط أقوى من التأثير على الممرات المائية ومدى انعكاس ذلك على سلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي، وهو ما يتمثل في وضعية مضيق هرمز، الذي سيطر على البيان المنسوب لخامنئي الابن وأغلب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في الجغرافيا السياسية المعاصرة، توجد نقاط محدودة على الخريطة يمكنها أن تغيّر مسار الاقتصاد العالمي في لحظات. ويُعدّ مضيق هرمز واحداً من أهم هذه النقاط. فهذا الممر البحري الضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان يشكّل الشريان الأساسي لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى العالم. ومن هنا، يمثل راهن المضيق في لحظة السيولة اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن على إدارة المخاطر في مثل هذه اللحظات.
يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وتعتمد دول صناعية كبرى في آسيا، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، بشكل أساسي على الطاقة القادمة من الخليج عبر هذا الممر.

ولذلك فإن التهديد بإغلاق المضيق يمثل ورقة ضغط تفاوضية من قبل النظام الإيراني بغية تحسين أدواته من أجل البقاء، وهو ما يتسق أيضاً مع تفكير “الحرس الثوري” وآليات عمله ومنهاجه؛ خاصة أن إيران لطالما استخدمت ورقة مضيق هرمز في سياق المواجهة مع الغرب. ففي كل مرة تتصاعد فيها الضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية، تعود التهديدات بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه.
إلى ذلك، يعد اختيار خامنئي الابن مرشداً أعلى في إيران بعد مقتل أبيه، مؤشراً على مدى نفوذ “الحرس الثوري” المتزايد في بنية السلطة الإيرانية، حيث يحسم هذا الاختيار استمرار السيطرة الأمنية والسلطوية لمنظومة “الحرس” على القرار في طهران.
ورغم كل المخاطر المحتملة التي قد تهدد توازنات النظام في المستقبل، سواء من الضربات العسكرية أو الضغوط الدولية أو تآكل الشرعية الداخلية، فإن رمزية وجود الابن في هذا المنصب تكشف استراتيجية واضحة “للحرس” في ترسيخ هيمنته وتحويل أي تهديد محتمل إلى أداة لإعادة ضبط السلطة. ويظل هذا الاختيار بمثابة مؤشر على تحول إيران نحو إدارة مركزية للقرار الأمني، مع بقاء أدوات الضغط والتفاوض، من مضيق هرمز إلى الصواريخ الباليستية، في يد “الحرس الثوري”.
