أزمة الغاز في سوريا تتفاقم: طوابير خانقة وضغط معيشي متزايد

تشهد سوريا منذ أشهر أزمة متزايدة في توفر الغاز المنزلي، انعكست في طوابير طويلة أمام مراكز التوزيع وارتفاع كبير في الأسعار في السوق السوداء، وسط تأكيدات رسمية بوجود بوادر انفراج تدريجي. إلا أن المعطيات تشير إلى أن الأزمة تتجاوز كونها ظرفاً مؤقتاً، وترتبط بعوامل هيكلية عميقة وفشل في قطاع الطاقة.

إذ على الرغم من تأكيد الجهات الحكومية أن التوريدات مستمرة، فإن الواقع الميداني أظهر اختناقات واضحة في التوزيع، ترافقت مع ازدياد الطلب، خاصة مع حلول شهر رمضان والعيد.

انتظار طويل في إدلب وحماة

تفاقمت أزمة الغاز المنزلي في مناطق متفرقة من ريف إدلب، لا سيما في محيط باب الهوى، حيث شهدت مراكز التوزيع ازدحاماً شديداً واصطفاف مئات المواطنين في طوابير طويلة للحصول على أسطوانة غاز.

واضطر الأهالي إلى الانتظار لساعات طويلة وسط نقص حاد في الكميات المتوفرة، ما أدى إلى حالة من التوتر والاستياء الشعبي، خاصة مع ارتفاع الأسعار في السوق السوداء. و تراجع الإمدادات القادمة إلى المنطقة، ما فاقم معاناة السكان الذين يعتمدون بشكل أساسي على الغاز في حياتهم اليومية، في وقت لم تتمكن فيه العديد من العائلات من تأمين احتياجاتها، مع غياب أي حلول فورية.

وفي السياق ذاته، شهدت مدينة حماة أزمة مشابهة، حيث يضطر المواطنون إلى التسجيل والانتظار منذ ساعات الصباح وحتى موعد الإفطار، في مشهد تكرر يومياً في رمضان دون أي تحسن. وغياب مؤشرات على انفراج قريب، ودون تدخل أو تحرك من المسؤولين المحليين أو وزارة الطاقة للتخفيف عن المواطنين.

درعا: تغيّر طقوس العيد

في محافظة درعا، تستمر أزمة الغاز التي بدأت مع شهر رمضان، لتطال العادات الاجتماعية المرتبطة بعيد الفطر.

فقد اضطرت العديد من الأسر إلى التخلي عن إعداد الحلويات المنزلية التقليدية، مثل المعمول وخبز القالب والكعك، بسبب الخوف من استهلاك الكميات المحدودة من الغاز. في حين اضطرت اسر إلى شراء المعمول من السوق، رغم اعتيادها على تحضيره منزلياً، ما يغير الشعور بحضور العيد. 

كما اضطرت بعض العائلات إلى شراء أسطوانات الغاز من السوق السوداء بأسعار وصلت إلى 300 ألف ليرة سورية، مقارنة بالسعر الرسمي البالغ نحو 125 ألف ليرة، ما يعكس حجم الفجوة بين العرض والطلب.

أمام أحد مراكز توزيع الغاز في محافظة درعا. آذار/مارس 2026 (انترنت)

وفي درعا كما في إدلب تقول المراكز المحلية المعتمدة أن الشركة العامة لتوزيع الغاز توقفت عن التسليم لعدة أيام، قبل أن تستأنف توزيع كميات محدودة، ما ساهم في إطالة فترات الانتظار وزيادة الضغط على المادة.

أمام هذا الواقع، لجأت الأسر إلى حلول بديلة، من بينها استخدام الحطب للطهي أو الاعتماد على طباخات تعمل على المازوت، رغم صعوبة استخدامها وتكاليفها الإضافية.

كما يحاول البعض استغلال ساعات وصل الكهرباء المحدودة للطهي، رغم التقنين القاسي الذي يصل إلى سبع ساعات قطع مقابل ساعة تشغيل، ما يجعل هذه البدائل محدودة الفعالية.

سوق سوداء وطلب متزايد

بينما تؤكد التصريحات الرسمية تحسن الإمدادات، تستمر السوق السوداء في فرض أسعار مرتفعة تتجاوز ضعف السعر الرسمي، حيث تباع الأسطوانة في بعض المناطق بأكثر من 300 ألف ليرة سورية.

وتشير التقديرات إلى أن الاحتياج اليومي الطبيعي يبلغ نحو 170 ألف أسطوانة، إلا أن الطلب ارتفع مؤخرًا بنسبة تصل إلى 300% نتيجة حالة القلق والتخزين التي رافقت الأزمة.

وبحسب تصريحات مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، يبلغ الإنتاج اليومي نحو 7.6 مليون متر مكعب، مع الحاجة إلى كميات إضافية لتغطية الطلب، ما يعكس وجود فجوة واضحة في الإمدادات.

في محاولة لمعالجة الأزمة، طرح رئيس جمعية حماية المستهلك عبد العزيز المعقالي مقترحاً يقضي بالسماح للمواطنين باستيراد أسطوانات الغاز من الدول المجاورة، خاصة لبنان، ما قد يسهم في كسر الاحتكار وخفض الأسعار. بحسب مانقلت صحيفة الوطن السورية.

ويرى أن هذا الحل يمكن أن يحد من استنزاف القطع الأجنبي، ويؤدي إلى استقرار الأسعار عند حدود تتراوح بين 12 و15 دولاراً للأسطوانة الواصلة إلى دمشق.

من جهته، أعلن وزير الطاقة في الحكومة الانتقالية محمد البشير، في 17 آذار، تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز، مؤكداً عودة التوزيع إلى وضعه الطبيعي، والعمل على إنشاء مستودعات تخزين جديدة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي.

إلا أن هذه التصريحات تتناقض مع الواقع الميداني الذي لا يزال يشهد اختناقات حادة في التوزيع، وطوابير طويلة، واستمرار نشاط السوق السوداء.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم