مفاوضات تحت النار.. إسرائيل تفتح قناة مباشرة مع لبنان برعاية أميركية

إسرائيل ولبنان

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن إسرائيل ستبدأ “في أقرب وقت ممكن” مفاوضات مباشرة مع لبنان، بعد أن قال إن بيروت طلبت أكثر من مرة فتح هذا المسار، وإنه أصدر تعليمات للمجلس الوزاري المصغر ببدء الاتصالات.

ووفق البيان الصادر عن مكتبه، فإن هذه المفاوضات ستتركز على نزع سلاح “حزب الله” والتوصل إلى صيغة سلام بين البلدين، فيما قال نتنياهو إن إسرائيل تثمّن دعوة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح.

ضغط أميركي وتمهيد دبلوماسي

جاء الإعلان الإسرائيلي بعد اتصالات أجراها نتنياهو، الأربعاء، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، بحسب موقع “أكسيوس”.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين أن ويتكوف طلب من نتنياهو تهدئة الضربات في لبنان وفتح باب التفاوض، بينما قال مسؤول في الإدارة الأميركية لشبكة “إن بي سي” إن ترامب طلب من نتنياهو خفض وتيرة الضربات الإسرائيلية للمساعدة في إنجاح المسار التفاوضي الأوسع مع إيران.

 وفي المقابل، شددت واشنطن وتل أبيب على أن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع طهران لا يشمل لبنان، رغم أن بيروت وطهران حاولتا الدفع باتجاه ربط الملفين سياسياً.

موقف لبناني بين التهدئة والحذر

في بيروت، بدا أن الرسالة الإسرائيلية تلتقي مع مناخ سياسي لبناني يتحرك باتجاه تهدئة أوسع، وإن بشروط شديدة التعقيد، فالرئيس اللبناني جوزيف عون قال إن طرح وقف إطلاق النار مع إسرائيل والبدء بمفاوضات مباشرة معها بدأ يتفاعل “إيجاباً”، فيما كان رئيس الوزراء نواف سلام قد دعا قبل ذلك إلى توسيع نطاق وقف إطلاق النار القائم بين الولايات المتحدة وإيران ليشمل لبنان، معتبراً أن إدراج بلاده في أي تفاهم من هذا النوع من شأنه أن يخفف التصعيد الأمني ويحد من تكرار الضربات.

كما أفادت وكالة “رويترز” بأن لبنان يعمل على دفع مبادرة لوقف إطلاق نار مؤقت يفتح الطريق أمام محادثات أوسع، مع حاجة واضحة إلى دور أميركي باعتباره وسيطًا وضامنًا لأي اتفاق محتمل.

لكن الطريق إلى المفاوضات ما يزال محفوفاً بالتوتر الميداني والسياسي، فحرب إسرائيل وحزب الله اندلعت مجدداً على نطاق واسع منذ أواخر شباط/ فبراير، وأسفرت، بحسب “رويترز”، عن آلاف القتلى والجرحى وموجات نزوح كبيرة داخل لبنان، فيما استمرت الغارات الإسرائيلية على مواقع وقيادات مرتبطة بالحزب، ما جعل أي حديث عن تسوية عرضة للانهيار مع كل ضربة جديدة.

 خلافات جوهرية وترتيبات أولية

في هذا السياق، قالت “رويترز” إن الجانبين ما زالا مختلفين حول ما إذا كان الاتفاق الأخير يشمل لبنان أصلاً، وهي نقطة الخلاف التي دفعت طهران إلى التحذير من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية قد يفشل التفاهمات الجارية.

وكشف موقع “أكسيوس” الأميركي، أن أول اجتماع بين إسرائيل ولبنان سيعقد في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، ناقلاً عن مصدر إسرائيلي، أن رون ديرمر الوزير السابق قد يرأس وفد إسرائيل في المفاوضات مع لبنان.

تداعيات غارة إسرائيلية في بيروت، لبنان، 8 نيسان/ أبريل 2026 “رويترز”

وأفاد مسؤول إسرائيلي رفيع بأن المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان من المقرر أن تنطلق الأسبوع المقبل، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في مسار العلاقات بين الطرفين، موضحاً أن الاجتماع الأول سيُعقد في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، برعاية مباشرة من الإدارة الأميركية، حيث سيقود الجانب الأميركي السفير لدى لبنان ميشال عيسى.

 وأضاف أن إسرائيل ستمثلها سفيرها لدى واشنطن يخيئيل ليتر، فيما ستشارك لبنان عبر سفيرتها لدى واشنطن ندى حمادة موعد، في إطار مساعٍ دولية لخفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي مباشر بين الجانبين.

تفاوض تحت الضغط

من جانبها ترى الباحثة الإسرائيلية-الروسية إليزابيث تسوركوف أن اختيار يخيئيل ليتر لقيادة الوفد الإسرائيلي في المفاوضات مع لبنان يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يُعد من الشخصيات المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويتمتع بتوجه يميني وخبرة تفاوضية، كما أنه جزء من الفريق ذاته الذي يدير قنوات التفاوض مع سوريا.

وتعتبر تسوركوف عبر تدوينة لها على منصة “إكس”، أن موافقة إسرائيل على الانخراط في مفاوضات مباشرة، سواء مع لبنان أو سابقاً مع سوريا، لم تكن لتتم لولا ضغوط أميركية مكثفة ومستمرة دفعت بهذا المسار إلى الواجهة.

وشددت على أن الضمان الحقيقي لاستمرار العملية الدبلوماسية لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في حجم الانخراط الأميركي وقدرته على فرض الالتزام، معتبرة أن المقاربة الإسرائيلية التقليدية تميل إلى تغليب الأدوات العسكرية، ما يجعل أي مسار تفاوضي مرهوناً بتوازنات الضغط الدولي أكثر من كونه خياراً ذاتياً مستقراً.

فصل المسارات وإحراج طهران

من جهتها ترى الصحفية المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية منى العمري، أن القبول الإسرائيلي المفاجئ بالدخول في مفاوضات مباشرة مع لبنان لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سياسي أوسع، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل محاولة التفاف على كل من حزب الله وإيران، عبر تكريس فكرة أن الملف اللبناني منفصل عن مسار التهدئة الإقليمي.

وتشير عبر منصة “إكس” إلى أن هذا التحرك يتجاوز مجرد توجيه رسالة إلى طهران، ليصل إلى حد فرض واقع سياسي جديد في لحظة حرجة، خاصة في ظل تردد إيران في إعلان انخراطها الواضح في مفاوضات إسلام آباد بسبب استبعاد ملف لبنان من وقف إطلاق النار.

وأوضحت أن هذا المسار يأتي في إطار استثمار الانقسام الداخلي اللبناني، من خلال فتح قناة تفاوض مع الدولة الرسمية بعد رفض سابق، بهدف إبعاد لبنان عن طاولة التفاوض الإقليمية وتقليص نفوذ إيران، وصولاً إلى طرح مسألة نزع سلاح حزب الله عبر أدوات سياسية، لافتة إلى أن هذا الطرح يصطدم بوقائع ميدانية، إذ تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن نزع سلاح الحزب بالقوة يتطلب احتلالاً كاملاً للبنان، وهو خيار بالغ الكلفة.

وتخلص إلى أن إسرائيل لا تدخل المفاوضات من موقع التنازل، بل من منطلق فرض الشروط، مستندة إلى سجل سابق من عدم الالتزام بالاتفاقات، ما يجعل هذه الخطوة أيضاً أداة ضغط لإحراج إيران ودفعها إلى القبول بفصل المسارات التفاوضية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم