غلاء فاحش وركود غير مسبوق.. ما تكلفة كسوة عيد الأضحى في سوريا؟

كسوة العيد

مع اقتراب عيد الأضحى، تتبدّى كسوة العيد في سوريا هذا العام بوصفها عبئاً إضافياً على الأسر لا مناسبة موسمية للفرح فقط، بعدما تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات شديدة الانخفاض واشتدت موجة الغلاء على معظم السلع، وفي مقدمتها الألبسة.

وبحسب نائب رئيس جمعية حماية المستهلك ماهر الأزعط، فإن أسواق الملابس تعيش “ركوداً غير مسبوق”، إذ بات الطلب ضعيفاً جداً، فيما دفع انكماش المبيعات التجار إلى كبح الأسعار نسبياً، بحيث لم تتجاوز الزيادة 20 إلى 25 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم أن الظروف، لولا الركود، كانت ستدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.

الفقر يبتلع فرحة العيد

تظهر تقديرات حديثة أن أكثر من 80 إلى 90 بالمئة من السوريون يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2026، كما تصل معدلات البطالة العامة إلى أكثر من 50 بالمئة، فإن أي حديث عن عيدٍ اقتصادي بمعناه التقليدي يبدو بعيداً عن الواقع السوري اليوم.

وبحسب الأزعط فإن هذا الجمود الذي يطبق على الأسواق ليس مجرد قلة إقبال، بل هو انعكاس مؤلم لحالة من الغلاء الفاحش الذي تجاوز قدرة المواطنين على التحمل، بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي التي أفقرت تسعة من كل عشرة سوريين، وفق ما أوضحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

تقديرات حديثة أظهرت أن أكثر من 80 إلى 90 بالمئة من السوريون يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2026- صورة من الإنترنت

هذا المشهد لا ينفصل عن الأزمة المعيشية الأوسع التي ترسمها مؤشرات الأمم المتحدة، إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 90 بالمئة من السوريين كانوا في أواخر 2024 إما بحاجة إلى المساعدة أو عرضة لانعدام الأمن الغذائي، فيما قدّر برنامج الأغذية العالمي أن كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق الشهري لأسرة من خمسة أفراد بلغت في تشرين الأول/أكتوبر 2024 نحو 2.7 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 200 دولار.

كما أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى 18 بالمئة من سلة الغذاء الأساسية، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين الراتب الشهري ومتطلبات المواسم الاستهلاكية.

أسعار تتجاوز قدرة العائلات

يرجع الأزعط، هذا التراجع الحاد في حركة الشراء إلى ضعف القوة الشرائية للمواطنين، وعدم قدرتهم على مجاراة قفزات الأسعار الصاروخية، وفق تصريحات نقلتها عنه صحيفة “الوطن”.

النتيجة الوحيدة لهذا الركود، والتي اعترف بها الأزعط بمرارة، هي أنَّ التجار اضطروا إلى “كبح جماح الأسعار” وجعلها تقتصر على ارتفاع نسبته تتراوح بين 20 و25 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، محذراً من أن الأسعار كانت ستقفز بنسب فلكية لولا هذا الشلل التام في السوق.

لكن هذه النسبة تخفي وراءها أرقاماً فادحة بالنسبة لعائلة سورية بسيطة، فتكلفة “كسوة العيد” لعائلة من خمسة أفراد لا تقل، في الحد الأدنى للأسعار الشعبية، عن ثمانية ملايين ليرة سورية، في حين يبدأ سعر الطقم الولادي الواحد من ستمئة ألف ليرة ويصل إلى ثلاثة ملايين ليرة في الأسواق الممتازة.

البالة لم تعد ملاذاً

أمام هذا الواقع، تلجأ الأسر إلى استراتيجية قاسية، تقتصر فيها الكسوة على شراء الملابس للأطفال فقط، مع إلغاء حصة الأب والأم من العيد تماماً، كما لم تقتصر أزمة هذا العيد على الأسعار المرتفعة، بل امتدت لتطال طبيعة البضائع المعروضة وجدوى البدائل التقليدية، فبحسب ما كشفه الأزعط، فإن معظم الألبسة المعروضة في الأسواق ليست إنتاجاً أو استيراداً حديثاً، بل هي بضائع مكدسة في المستودعات والمعامل منذ العام الماضي، في ظل توترات الشحن الإقليمية التي تعيق تدفق البضائع الجديدة.

التجار اضطروا إلى “كبح جماح الأسعار” وجعلها تقتصر على ارتفاع نسبته تتراوح بين 20 و25 بالمئة مقارنة بالعام الماضي- صورة من الإنترنت

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في أن البديل الوحيد للغلاء، وهو سوق الألبسة المستعملة أو ما يعرف بـ”البالة”، لم يعد ملاذاً للفقراء بعد أن أصبحت أسعاره تقارب أسعار الألبسة الجديدة بل وتتجاوزها أحياناً، لتصبح بسطات “البالة” الشعبية المتناثرة في الشوارع والممرات الالتفافية هي الملاذ الأخير أمام العائلات العاجزة عن الشراء.

أما البعض الآخر، فيعتمدون بشكل متزايد على المساعدات العينية من الجمعيات الخيرية، أو على هدايا الأقارب المغتربين، أو يلجأون إلى أبسط الحلول وهو تدوير الألبسة القديمة بين الإخوة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم