أثارت جداول الرواتب الجديدة التي رافقت ما سمته الحكومة الانتقالية السورية “الزيادة النوعية” موجة غضب غير مسبوقة داخل مؤسسات الدولة، بعدما بدا واضحاً أن الزيادات لم تُبنَ على معيار موحد يراعي طبيعة العمل أو سنوات الخدمة أو مستوى المؤهل، بل على انتقاء قطاعات بعينها وترك قطاعات أخرى خارج الحسابات.
وقد أقرت التعليمات التنفيذية لمرسوم الزيادة رقم 67، الصادرة في 10 أيار/مايو، إضافة 50 بالمئة إلى الرواتب الثابتة، على أن يبدأ الصرف في الأسبوع الأخير من الشهر ذاته، بينما جاءت الزيادات النوعية اللاحقة عبر مرسوم 68 لتشمل قطاعات محددة من التربية والتعليم العالي والصحة والجهات الرقابية والمصرف المركزي والأوقاف، في حين بقيت وزارات ومؤسسات أخرى خارج المظلة نفسها.
فجوات واسعة في الأجور
وفق ما نُشر عن الجداول المتداولة، تراوحت رواتب بعض المعلمين والإداريين في قطاع التربية بين 23 ألفاً و26 ألف ليرة سورية جديدة، بينما تجاوزت رواتب بعض المناصب الإدارية العليا في التعليم العالي 134 ألف ليرة، وارتفعت مع التعويضات إلى أكثر من 218 ألفاً، في مقابل بقاء مهندسين واقتصاديين ومحامين وأطباء بيطريين عند حدود 21 ألف ليرة فقط.
ولم يقرأ هذا التفاوت داخل الأوساط الوظيفية باعتباره “تحسيناً نوعياً” بقدر ما عُدّ تكريساً عملياً لطبقتين داخل الدولة، إحداهما تستفيد من القفزة الجديدة، بينما الأخرى تُركت لمواجهة الغلاء والضغط المعيشي بأجور بقيت شبه جامدة.

وتزداد حساسية هذه الفجوة، بعد أن أثارت آلية التطبيق نفسها اعتراضات داخل وزارة التربية، بعدما شملت الزيادة بعض العاملين الإداريين استناداً إلى “صفتهم التعليمية السابقة”، رغم أنهم يشغلون الآن وظائف إدارية بحتة، وهو ما فتح باب التساؤلات حول العدالة بين موظفين يؤديان المهام نفسها لكن برواتب مختلفة بسبب الخلفية الوظيفية القديمة لا طبيعة العمل الحالية.
كما أثار ورود بند خاص أسفل الجداول ينص على تطبيق المرسوم 67 على مشفى إدلب الجامعي وجامعة إدلب والجهات التابعة لهما، أسئلة إضافية حول منطق الاستثناء والإدراج داخل الوزارة الواحدة، ومعايير توزيع الزيادة بين مؤسسة وأخرى.
احتجاجات الكوادر الطبية
لم يقتصر الاحتقان على مستوى الجدل المكتبي، بل خرج إلى الشارع داخل القطاع الصحي نفسه، ففي مشفى إدلب الجامعي شهدت أقسام عدة حالة توتر وإضراب جزئي على خلفية ما وصفه العاملون بخفض فعلي لرواتب الكوادر التمريضية والمقيمين الطبيين، بعدما أعادت التعليمات التنفيذية الخاصة بمرسوم الزيادة النوعية رقم 68 المشفى والجامعة والمؤسسات التابعة لهما إلى أحكام المرسوم 67، أي إلى زيادة 50 بالمئة فقط، الأمر الذي جعل رواتب العاملين هناك، الأدنى بين المشافي السورية.
امتدت الاحتجاجات إلى درعا حيث جرى اعتصام واحتجاجات في المدينة وريفها، وإلى دوما بريف دمشق حيث وقف العاملون أمام مشفى دوما الإسعافي رافعين شعارات تؤكد أن القطاع الصحي “لا يقتصر على الطبيب والمدير”، بل يشمل السائقين وعمال الخدمات والطباخين وغيرهم، فيما شهد مشفى الجولان الوطني في القنيطرة وقفة احتجاجية مماثلة، وخرج العاملون في مشفى ابن سينا للأمراض النفسية في دمشق بمطالب مشابهة.
وتكشف هذه الاحتجاجات، في جوهرها، عن أزمة أعمق من مجرد خلاف على نسب الزيادة، فالكوادر الطبية والتمريضية والفنية تقول إن المشكلة ليست في إعلان قرار جديد، بل في هندسة القرار نفسها، إذ جرى التفريق بين العاملين داخل المؤسسة الواحدة على أساس المسمى أو الجهة أو الاستثناء الإداري، لا على أساس الجهد الفعلي والضغط المهني وساعات العمل.
وتبدو أي زيادة لا تشمل الجميع في بلد يعاني فيه القطاع الصحي من نقص الكوادر وتراجع الخدمات وارتفاع كلفة المعيشة، وكأنها توسع الشقوق بدلاً من ردمها.
تحذيرات من نزيف الكفاءات
من جانبها حذرت نقابة التمريض والمهن الطبية والصحية المساعدة من أن القرارات الأخيرة خلقت حالة من الإحباط بسبب غياب العدالة الوظيفية وعدم التوازن بين الفئات، مطالبة بإعادة النظر في آلية التوزيع واعتماد معايير أكثر إنصافاً تراعي طبيعة العمل الصحي ومخاطره.
وبينما تروّج الحكومة الانتقالية لهذه الخطوة باعتبارها استجابة للواقع المعيشي، يرى المحتجون أن ما جرى عملياً هو نقل التوتر من ملف الأجور المنخفضة إلى ملف التفاوت بين المستحقين أنفسهم، بما يهدد بتغذية نزيف الكفاءات وتوسيع الهوة داخل مؤسسات الدولة بدل إصلاحها.

وتظل الأزمة المعيشية هي العنصر الأكثر ضغطاً على هذه المعادلة كلها، فالتعليمات التنفيذية نصّت على تمويل الزيادة من مخصصات الجهات العامة لعام 2026، مع إمكان طلب دعم إضافي من وزارة المالية إذا لم تكفِ الاعتمادات، ما يعني أن العبء المالي لم يُحسم بعد، وأن أي اختلال في التمويل قد يعيد إنتاج المشكلة بصيغة تضخمية أو خدمية أشد.
ومع تقدير وزارة المالية فجوة تمويلية تبلغ 1.8 مليار دولار، وتأكيد تقارير أممية أن نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، يصبح الحديث عن زيادة لا تشمل الجميع ولا تستند إلى معيار واضح أقرب إلى إعادة توزيع غير متوازنة للأزمة، لا إلى معالجة حقيقية لها.
لذلك تتصاعد اليوم الدعوات داخل النقابات والكوادر الطبية لإعادة سحب الجداول أو تعديلها جذرياً، ووضع سلم أجور يراعي العدالة بين جميع العاملين في الدولة، قبل أن يتحول الغضب المهني إلى قطيعة أوسع مع مؤسسات منهكة أصلاً من نقص الرواتب وتآكل الثقة.

