بعد مرور عام على تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، تتصاعد التساؤلات حول قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، وسط غياب نتائج ملموسة على مستوى كشف الحقيقة أو المحاسبة أو جبر الضرر.
إذ تأسست الهيئة بموجب المرسوم 149 لعام 2025 الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في مرحلة وُصفت حينها بأنها بداية لمسار العدالة الانتقالية بعد سقوط النظام السابق.
ما هي الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية؟
تُعرّف هيئة العدالة الانتقالية نفسها على صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي بأنها “مسار وطني يساعد المجتمع على التعامل مع آثار النزاع ومحاسبة خلفاء النظام البائد، وفهم حقيقة ما جرى، وضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل”، مضيفة أنها “تقوم على مجموعة مترابطة من الخطوات التي تهدف إلى دعم الضحايا، واستعادة الثقة، وترسيخ سيادة القانون”.

وتقول الهيئة إن هذا المسار يبدأ “بكشف الحقيقة حول الانتهاكات والوقائع التي عاشها السوريون والسوريات، والمساهمة لمعرفة مصير الضحايا والمفقودين”، كما “يرتكز على المساءلة والمحاسبة القانونية لمنع الإفلات من العقاب، وتأكيد حق الضحايا وذويهم في العدالة”.
وتضيف أن مسار العدالة الانتقالية “يشمل جبر الضرر، وذلك عبر الاعتراف بما تعرض له الضحايا وذويهم، وتقديم أشكال متعددة من الدعم والتعويض ورد الاعتبار”، معتبرة أن “إصلاح مؤسسات الدولة خطوة أساسية لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإعادة بناء جهاز عام يحمي الحقوق ويعمل بشفافية”.
وبالنظر لتعريف الهيئة تبدو الحصيلة ما حققته موضع نقاش واسع، خصوصاً مع محدودية الخطوات العملية التي ظهرت إلى العلن.
بالعودة إلى تأسيس الهيئة التي تشكلت بموجب مرسوم رئاسي، نرى افتقارها إلى قانون خاص ينظم عملها بعد نقاشات عامة أو مشاورات موسعة مع الضحايا والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، وهو ما أثار منذ اللحظة الأولى تساؤلات حول استقلاليتها وحدود صلاحياتها وآليات عملها.
كما بقيت معايير اختيار الأعضاء وآلية اتخاذ القرار داخل الهيئة غير واضحة بشكل كافٍ للرأي العام، في وقت تُعد فيه الشفافية أحد العناصر الأساسية لبناء الثقة في أي مسار عدالة انتقالية.
ويرى المختص بالقانون الدولي وعمليات التحقيق ياسر شالاتي أن الإشكالية لا تتعلق فقط بالأداة القانونية التي تأسست بموجبها الهيئة، بل بالسياق الذي سبق تشكيلها.
ويقول في حديثه لـ “الحل نت“: “برأيي المشكلة ليست فقط في ما إذا كانت الهيئة تأسست بمرسوم رئاسي أو بقانون صادر عن مجلس تشريعي بل في غياب مسار وطني تشاوري حقيقي يسبق تأسيسها”.
ويضيف أن “تجارب العدالة الانتقالية خصوصا بعد النزاعات المعقدة كالحالة السورية تقوم عادة على حوار وطني واسع يستمر لفترات طويلة”، معتبراً أن “تأسيس الهيئة بهذه الطريقة السريعة والمغلقة أضعف مشروعيتها منذ البداية وأفقدها جزءا كبيرا من الثقة الشعبية المطلوبة”.
بدوره يربط المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، بين غياب الشفافية وبين أزمة الثقة بالمؤسسات الجديدة، قائلاً: “هذا الأمر يؤثر بشكل مباشر على المصداقية”.
ويضيف في حديثه لـ “الحل نت“: “السوريون اليوم لا يبحثون فقط عن مؤسسات جديدة، بل عن مؤسسات مختلفة عن النماذج السابقة التي قامت على الغموض واحتكار القرار”.
وبالنظر لتجارب دول أخرى خاضت مسارات عدالة انتقالية بعد فترات صراع أو استبداد، حيث سبقت هيئات الحقيقة والمصالحة نقاشات وطنية طويلة شملت الأحزاب السياسية والضحايا ومنظمات المجتمع المدني، بهدف بناء توافق واسع حول طبيعة المرحلة الجديدة وآليات المحاسبة.
أما في الحالة السورية، فيبدو أن الهيئة دخلت العمل قبل حسم كثير من الأسئلة المتعلقة بدورها وحدود صلاحياتها وعلاقتها بالسلطة التنفيذية.
من الوعود إلى الحصيلة
وبالرغم من مرور عام على إطلاق هيئة العدالة الانتقالية في سوريا، إلا أنها لم تظهر ملفات قانونية متكاملة أو محاكمات قيل إن الهيئة ساهمت بشكل مباشر في إعدادها أو دعمها.
ويرى شالاتي أن حصيلة العام الأول ما تزال محدودة، قائلاً: “بعد عام على تأسيس هيئة العدالة الانتقالية من الصعب الحديث عن إنجازات ملموسة حققتها الهيئة على مستوى مسار العدالة الانتقالية سواء في جانبها القضائي أو غير القضائي”.
“معظم ما ظهر من نشاطها اقتصر على حضور أو تنظيم ندوات وفعاليات تتناول سردية الانتهاكات والمجازر دون أن ينعكس ذلك في خطوات عملية واضحة”.
ياسر شالاتي – مختص في القانون الدولي وعمليات التحقيق
هذا التقييم يسلط الضوء على الفارق بين إطلاق خطاب سياسي أو حقوقي حول العدالة الانتقالية، وبين بناء مسار فعلي يتضمن تحقيقات.
ويقول شالاتي: “أما على المستوى غير القضائي فلم نر حتى الآن خطوات جدية مرتبطة بالذاكرة الوطنية أو جبر الضرر أو الاعتراف الرسمي بالضحايا”.
ويعتبر شالاتي أن عمل الهيئة بقي غامضاً من حيث الأولويات والنتائج، مع غياب آليات واضحة للوصول إلى الضحايا والشهود وتوثيق الانتهاكات بشكل مؤسساتي.
في المقابل، يرى الكيلاني، أن الهيئة نجحت جزئياً في إدخال مفهوم العدالة الانتقالية إلى المجال العام السوري، وخلق مساحة أولية للنقاش حوله.
ويضيف: “لكن في المقابل، ما يزال الأداء أقرب إلى مرحلة التأسيس النظري منه إلى بناء مسار عدالة فعلي وواضح المعالم”.
العدالة “الانتقائية“
ومن النقاط المثيرة للجدل في تجربة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حصر عملها بالانتهاكات المرتكبة من قبل “النظام البائد”، في الوقت الذي كانت تشهد فيه ساحة الصراع في سوريا انتهاكات ارتكبتها جهات متعددة.
ويرى شالاتي أن المشكلة تظهر عندما تتحول العدالة إلى مسار انتقائي لا يشمل جميع الانتهاكات الجسيمة.
ويقول: “رغم أن النظام السابق يتحمل المسؤولية الأكبر عن حجم واسع من الانتهاكات التي شهدتها سوريا فإن حصر عمل الهيئة بانتهاكاته فقط يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمفهوم العدالة الانتقالية نفسه”.
ويضيف: “فالعدالة الانتقالية لا تبنى على هوية الفاعل بل على طبيعة الانتهاك المرتكب”، معتبراً أنه “عندما يتم حصر العدالة بطرف واحد فقط، يتحول المسار من عدالة انتقالية شاملة إلى نوع من العدالة الانتقائية”.
من جهة أخرى، يربط الكيلاني هذه المسألة مباشرة بمستوى الشرعية المجتمعية التي يمكن أن يحظى بها أي مسار عدالة مستقبلي، قائلاً: “لا يمكن بناء عدالة انتقالية مستقرة إذا شعر جزء من الضحايا بأنه مستبعد أو أن معاناته أقل قيمة من غيره”.
ويضيف: “العدالة الحقيقية تقوم على الاعتراف بالانتهاكات بصرف النظر عن هوية الضحية أو الجهة المسؤولة عنها”.
وبحسب الكيلاني، فإن “أي عملية تستثني فئات واسعة من الضحايا ستبقى معرضة لفقدان الشرعية المجتمعية”.
العلاقة بين الهيئة والقضاء
رغم أن العدالة الانتقالية تقوم، في جانب أساسي منها، على المحاسبة القانونية، ما تزال العلاقة بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمؤسسة القضائية غير واضحة بشكل كافٍ، سواء من حيث الصلاحيات أو آليات التنسيق أو حدود الدور الذي يفترض أن تؤديه الهيئة داخل المسار القضائي.
ويرى شالاتي أن غياب هذا الدور انعكس على مستوى المحاكمات الجارية، قائلاً: “فعلى المستوى القضائي لم يظهر للهيئة دور حقيقي في دعم المحاكمات الجارية أو إعداد ملفات تساعد جهات الادعاء في بناء سردية متماسكة للحقيقة وكشف المسؤوليات”.
ويضيف: “كما لم يتضح وجود عمل فعلي يتعلق بلجان الحقيقة أو التحقيق بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة”.
من جهته يشدد الكيلاني على أن نجاح أي هيئة عدالة انتقالية مرتبط بقدرتها على العمل بالتوازي مع القضاء لا بمعزل عنه، قائلاً: “العلاقة بين الهيئة والقضاء يجب أن تقوم على التكامل لا التنافس”.
“من المهم أن تمتلك الهيئة صلاحيات واضحة في توثيق الانتهاكات، وحماية الأدلة، وإحالة الملفات التي تستوفي المعايير القانونية إلى جهات قضائية مستقلة”.
المعتصم الكيلاني – مختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان
وبحسب الكيلاني، فإن غياب هذا الترابط يهدد بتحويل المسار بأكمله إلى إطار رمزي غير قادر على إنتاج محاسبة فعلية، مضيفاً: “غياب هذا الترابط قد يحول العدالة الانتقالية إلى عملية رمزية منفصلة عن المحاسبة الفعلية”.
ملف المفقودين وكشف الحقيقة
يبقى ملف المفقودين والمختفين قسراً من أكثر الملفات حساسية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، نظراً لارتباطه بحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الانتهاكات.
ورغم مرور عام على تأسيس الهيئة، لم تُعلن نتائج واضحة في القضايا المرتبطة بالمفقودين أو المقابر الجماعية أو آليات كشف الحقيقة، وسط استمرار حالة الغموض بشأن طبيعة التحقيقات الجارية وأولويات العمل داخل الهيئة.
ويرى شالاتي أن المشكلة الأساسية تتعلق بغياب الإجراءات العملية القادرة على بناء الثقة مع الضحايا، قائلاً: “أعتقد أن هناك فجوة كبيرة ما تزال قائمة بين الهيئة وبين الضحايا وذوي المفقودين لأن الثقة لا تبنى بالخطابات أو الندوات فقط بل عبر خطوات ملموسة”.
ويعتبر شالاتي أن “فصل بعض الملفات الأساسية مثل ملف المفقودين ضمن أطر مستقلة عن الهيئة أضعف قدرتها على بناء مسار متكامل يجمع بين الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر”.
من جهته، يرى الكيلاني أن بناء الثقة مع الضحايا يتطلب نتائج عملية تتجاوز مجرد فتح قنوات التواصل أو الاستماع إلى الشهادات، ويقول: “الضحايا لا يحتاجون فقط إلى الاستماع إليهم، بل إلى شعور بأن شهاداتهم ستقود إلى نتائج حقيقية”.
ويضيف أن “الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بإدارة النقاش العام، بل بقدرة المؤسسات على تحقيق تقدم ملموس في القضايا الأكثر إلحاحاً”، مشيراً إلى ضرورة “وجود تقدم ملموس في ملف المفقودين والمختفين قسراً”.
وحذر الكيلاني من أن استمرار الطابع الرمزي للمسار الحالي قد يؤدي إلى تراجع الثقة تدريجياً، قائلاً: “إذا بقيت العملية محصورة في الحوار الرمزي دون خطوات تنفيذية، فقد تتراجع الثقة تدريجياً”.
ما الذي سيحدد نجاح الهيئة أو فشلها؟
بعد عام على تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، لم يعد النقاش محصوراً في فكرة العدالة الانتقالية بحد ذاتها، بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرة الهيئة الحالية على تحويل هذا المفهوم إلى مسار عملي قابل للقياس.
ويرى الكيلاني أن نجاح الهيئة خلال المرحلة المقبلة سيُقاس بمدى قدرة الهيئة على كشف الحقيقة وحماية الأدلة والأرشيف، ووجود تقدم ملموس في ملف المفقودين والمختفين قسراً.
كما يتطلب إعلان معايير واضحة للمساءلة وآليات العمل، ومستوى إشراك الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في صنع السياسات، وليس فقط الاستماع إليهم.
بالإضافة لاستقلالية الهيئة عن التجاذبات السياسية والأمنية، ووجود تعاون فعلي مع القضاء وبدء إحالة ملفات قانونية جدية.
وأضاف الكيلاني أنه من الضروري أيضا إطلاق برامج واضحة لجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، وبالنظر لحجم الثقة المجتمعية التي تستطيع الهيئة بناؤها بين السوريين.
ويمكن القول أن بعد عام على تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، لم يعد الجدل يدور حول أهمية العدالة الانتقالية في سوريا بقدر ما بات مرتبطاً بقدرة الهيئة على تحويل هذا المسار إلى إجراءات ملموسة تشمل كشف الحقيقة، وحماية الأدلة، وإشراك الضحايا، ودفع ملفات المحاسبة إلى القضاء.
في حين يرى مراقبون أن نجاحها سيبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من مستوى الخطاب والندوات إلى نتائج عملية يشعر بها الضحايا السوريون بشكل مباشر.
- هل تعيد سوريا إنتاج القمع عبر قوانين الأسد؟
- تجربة “الحل نت” الرقمية توثق كيف تغير مزاج السوريين بفعل هموم الاقتصاد اليومية
- ما بعد الأسد.. هل يستعيد السوريون حقهم في الحياة السياسية بعد عقود من الخوف؟
- سوريا خارج “قائمة الإرهاب”.. هل تصبح دمشق شريكاً أمنياً للمنطقة والغرب؟
- من إيران إلى خليج عدن.. كيف تلتقي شبكات “الحوثيين” والقراصنة؟

