قواعد ونفط وسلاح.. ما كلفة الارتهان للنفوذ الروسي في سوريا؟

رغم سقوط نظام بشار الأسد، نهاية عام 2024، إلا أن رهان السوريين على القطيعة مع روسيا وطي صفحة نفوذها السياسي والعسكري إلى جانب الاقتصادي، يتضاءل اليوم تلو الآخر، بفعل الفرص والمساحات المتزايدة التي تتخذها مع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وذلك برغم جرائم عديدة واتهامات متفاوتة تطالها، وقد كانت ضمن آلة الحرب التي دمرت وبددت البشر والحجر. 

وقد بدا التقارب أو بالأحرى عدم حلحلة العلاقات بين دمشق بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وموسكو، أمراً صادماً ومدوياً بالنسبة لغالبية السوريين، خصوصاً ممن اعتبروا المرحلة الجديدة بداية محتملة لاستحقاقات سياسية مختلفة تبدأ فيها مسارات العدالة الانتقالية ضد كل من راكم في سوريا على مدى أكثر من عقد فصولاً من العنف الدموي والتوحش بفعل الحرب التي خاضها الأسد ووكلائه الروس والإيرانيين. غير أن الشرع، وفق تقارير غربية، قام باستئناف شحنات الأسلحة الروسية، وقفزت واردات النفط من موسكو بنسبة 75 بالمئة، واستمر التفاوض على بقاء القواعد العسكرية في حميميم وطرطوس.

تجدد تبعية سوريا لـ”موسكو”

هكذا تعاود “سوريا الجديدة” إنتاج نمط التبعية الاقتصادية والعسكرية نفسه الذي ساد في عهد الأسد، فيما يلوح في الأفق سيناريو خطير يتعلق بإعادة واشنطن والاتحاد الأوروبي فرض العقوبات التي رُفعت قبل عام، هذه المرة ليس بسبب نظام الأسد، بل بسبب خيارات إدارة الشرع نفسها.

تؤشر المعطيات إلى أن الحفاظ على العلاقات السورية الروسية لا يزال يمثل خياراً سياسياً ثابتاً لدى السلطة السورية الجديدة بقيادة الشرع، رغم سعيه منذ توليه الحكم إلى إعادة سوريا أو تعويمها في المجتمع الدولي وكسب شرعية في الساحة الدولية. لكن الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو، الأمر الذي انعكس في استمرار الاتصالات والزيارات المتبادلة والمتكررة بين الجانبين، يكشف عن ما هو أبعد من فكرة استمرار السياسات السابقة للنظام، واستمرار سوريا في الدائرة نفسها، حيث إن هذه الحلقة تؤكد أن النظام يواصل التطبيع مع الأطراف التي تقف من سوريا على أساس التبعية وليس الشراكة.

وعلى الرغم من محاولات السلطة الجديدة إظهار مسافة سياسية مع إرث نظام الأسد، إلا أن تمسكها بنهج استمرارية العلاقات مع “الكرملين” يثير تساؤلات بشأن تداعيات هذا التوجه على مستقبل البلاد سواء في ما يخص احتمالات عودة العقوبات أو الوقوع تحت رهان دور وظيفي لحساب موسكو وتحقيق مصالحها واستنزاف سوريا على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي ونهب مواردها، لا سيما بعد المكاسب السياسية والاقتصادية التي تحققت إثر قرار الولايات المتحدة في تموز/يوليو 2025 رفع معظم العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا.

وجاء القرار الأميركي آنذاك في إطار مقاربة تقوم على مبدأ “التخفيف مقابل الالتزام”، إلا أن التحركات الروسية الأخيرة قد تدفع واشنطن إلى تشديد مطالبها تجاه دمشق، بما في ذلك الحد من أي تعاون مع شبكات أو جهات يُنظر إليها على أنها مرتبطة بالمصالح الروسية.

عودة السلاح الروسي

تجلت تلك الخطوات في منتصف أيار/مايو الجاري، بعد أن رصدت جهات مراقبة وصول أول شحنة عسكرية روسية لسوريا منذ سنوات، حيث بينت صور الأقمار الصناعية وصول سفينة الشحن الروسية “سبارتا” إلى ميناء طرطوس في 11 أيار/مايو الجاري تحت حماية فرقاطات، وهي تفرغ شحنة يُعتقد أنها عسكرية أو مزدوجة الاستخدام، في مشهد يعيد للأذهان ذروة التدخل العسكري الروسي إلى جانب نظام الأسد ضد المدنيين السوريين ومطالبهم المحقة في الحرية والعيش الكريم.

ويُعد هذا أول تأكيد موثق لاستئناف الإمداد العسكري المباشر منذ مجيء حكومة الشرع، كذلك وثّقت مصادر تحليلية تحرك قافلة بحرية روسية ضخمة مؤلَّفة من ناقلات تحمل أسماء مدرجة على لوائح العقوبات “جنرال سكوبيلوف”، “سبارتا”، “أكاديمي باشين” برفقة فرقاطة مرافقة، تخفي مسارها بأجهزة تتبع مضللة بعد عبور مضيق جبل طارق.

فيما تشير تقارير متخصصة إلى أن هذه القوافل تتجه نحو طرطوس بحمولة تشير إلى إعادة تعبئة المستودعات اللوجستية الروسية، في مؤشر واضح على أن موسكو تعيد تأهيل وجودها البحري في سوريا.

وتأتي هذه العمليات في سياق جهود موسكو للحفاظ على قواعدها الرئيسية في سوريا، فحتى بعد سقوط الأسد، لم تتخل روسيا عن قواعد “حميميم” الجوية و”طرطوس” البحرية على البحر المتوسط، ما يؤكد أن استمرار هاتين القاعدتين هو الهدف الأساسي من الاتفاقات الأخيرة.

وتدعيماً لذلك، ذكر موقع “Defence Network” أن روسيا سلمت سوريا طائرتين مقاتلتين من طراز “ميغ-29″، في خطوة تعكس استمرار التعاون العسكري بين الجانبين، مشيراً إلى أن صور أقمار صناعية حللتها جهات متخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، إلى جانب تقارير إقليمية، أظهرت وصول الطائرتين إلى قاعدة حميميم الجوية على الساحل السوري.

وتعقيباً على ذلك، قال أركادي ميل مان، الباحث الرئيسي ورئيس برنامج الأبحاث الروسية في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، إن موسكو تسعى من خلال تسليم هذه الطائرات إلى تعزيز حضورها في سوريا وتوسيع نطاق وجودها العسكري هناك، مردفاً أن روسيا بحاجة إلى الحفاظ على إمكانية الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن الاحتفاظ بموطئ قدم في سوريا ليكون بمثابة قاعدة لوجستية تدعم أنشطتها المتنامية في القارة الإفريقية.

احتمالات عودة العقوبات الغربية على سوريا

وفي هذا الصدد، قال كبير محللي العقوبات في مؤسسة “كرم الشعار” الاستشارية، فيتوريا ماريسكا، في تصريح لـ”الحل نت”، إن تقارير دولية، بينها تقارير صادرة عن “رويترز”، أظهرت ارتفاع شحنات النفط الروسية إلى سوريا خلال العام الجاري، وهو ما يجعل روسيا المورد الرئيسي للطاقة إلى السوق السورية في الوقت الراهن، رغم الانفتاح السياسي الذي تبديه دمشق تجاه الغرب وبعض العواصم العربية.

وأوضح ماريسكا أن بعض هذه الشحنات يتم نقلها عبر سفن وشركات خاضعة للعقوبات الغربية، الأمر الذي يضع الحكومة السورية الجديدة أمام معادلة شديدة الحساسية بين الحاجة الاقتصادية من جهة، والرغبة في تجنب الصدام مع الولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى.

وفي ما يتعلق بإمكانية تعرض سوريا لعقوبات ثانوية نتيجة التعامل مع سفن أو شبكات روسية خاضعة للعقوبات، رأى ماريسكا أن هذا الاحتمال قائم بالفعل، لكنه لا يبدو تلقائياً أو وشيكاً في الوقت الحالي، لأن الحكومات الغربية لا ترغب في تقويض المرحلة الانتقالية السورية أو دفع الاقتصاد نحو مزيد من الانهيار عبر معاقبة دمشق بصورة مباشرة.

وأضاف أن كلاً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتجها خلال الفترة الماضية إلى تخفيف بعض القيود الاقتصادية، مع الإبقاء على العقوبات المفروضة على الشخصيات والكيانات المرتبطة بالنظام السابق.

لكنه في المقابل، حذر من أن مستوى المخاطر قد يرتفع إذا دخلت مؤسسات الدولة السورية بشكل مباشر في التعاقد مع سفن روسية خاضعة للعقوبات، أو إذا تحولت سوريا إلى منصة للالتفاف على سقف الأسعار المفروض على النفط الروسي، أو في حال استفادت شبكات مالية وتجارية مرتبطة بروسيا من هذه العمليات على نطاق واسع.

كما أشار ماريسكا إلى خطر آخر يتمثل فيما وصفه بـ”المبالغة في الامتثال المصرفي”، إذ قد تستمر البنوك وشركات التأمين والمستثمرون في اعتبار السوق السورية بيئة عالية المخاطر حتى في حال عدم فرض عقوبات جديدة رسمياً، وهو ما قد يعقد عمليات التجارة القانونية ويزيد اعتماد دمشق على القنوات الروسية وغير الرسمية.

وأوضح أن لدى سوريا بدائل نظرية يمكن البناء عليها لتقليل الاعتماد على موسكو، لكنها ليست حلولاً سريعة أو جاهزة. فبحسب تقديره، تتمثل الخيارات الأكثر واقعية في واردات الوقود الممولة خليجياً، وربط شبكات الطاقة مع تركيا والعراق، والحصول على كميات محدودة من الكهرباء عبر الأردن أو الشبكات الإقليمية، إضافة إلى توسيع الإعفاءات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، وإنشاء آليات تمويل تجاري مدعومة غربياً لطمأنة المصارف والموردين.

هذا وكان الشرع قد صرح في لقاء سابق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن حكومته ستحترم جميع الاتفاقيات الموقعة مع روسيا من قبل النظام السابق، وهو ما يعني أن روسيا ستحتفظ رسمياً بالسيطرة على قواعدها، كما حرص على إظهار أن الشراكة مع موسكو ستبنى على مبدأ تبادل المنافع.

ومن جانبه أكد الرئيس الروسي للشرع أنه يدعم جهود استعادة وحدة أراضي سوريا، وأنه مستعد لـ”تطوير التعاون العملي” في كل المجالات لتعزيز العلاقات الروسية-السورية التقليدية التي لطالما كانت ودية.

وكانت موسكو من أبرز الداعمين للرئيس السابق بشار الأسد الذي فر إليها بعد الإطاحة به في كانون الأول/ديسمبر 2024،  لكنها سارعت إلى الحفاظ على علاقاتها مع دمشق في الأسابيع التي تلت فرار الأسد.

النفط والقمح مقابل الارتهان للقرار والنفوذ الروسي

ولم تقتصر مؤشرات التقارب بين موسكو والسلطة السورية الجديدة والانتقالية على البعد السياسي والعسكري، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي، حيث تبدو روسيا حريصة على تثبيت حضورها في القطاعات الحيوية السورية، وفي مقدمتها الطاقة والغذاء، بما يضمن الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في مرحلة ما بعد الأسد.

في حين كشفت بيانات حديثة استندت إليها “رويترز” من خلال تتبع حركة السفن، أن صادرات النفط الروسية إلى سوريا ارتفعت بنحو 75 بالمئة خلال عام 2026، لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يفوق بكثير ما تحصل عليه دمشق من أي مزود آخر. وبحسب البيانات ذاتها، صدّرت موسكو نحو 16.8 مليون برميل من النفط إلى سوريا بين نهاية شباط/فبراير الفائت ونهاية العام الماضي، بمعدل يقارب 46 ألف برميل يومياً، وبالتالي صارت روسيا المزود الأول للسوق السورية اليوم.

جانب من اللقاء الذي جمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري أحمد الشرع في موسكو يناير 2026 (إ.ب.أ)
جانب من اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في موسكو يناير 2026 (إ.ب.أ)

ورغم أن هذه الإمدادات تمثل ظاهرياً فرصة تبدو ضرورية وملحة لقطاع الطاقة السوري الذي يعاني من تحديات هيكلية حادة ونقص مزمن في الموارد، فإنها في المقابل تعزز قدرة موسكو على التأثير في القرار الاقتصادي السوري، وتزيد من درجة ارتباط دمشق بالشبكات التجارية والمالية الروسية. كما أن هذا الاعتماد المتنامي يفتح الباب أمام مخاطر إضافية، تتمثل في احتمال تعرض قطاعات حيوية سورية لتداعيات العقوبات الغربية المفروضة على تجارة النفط الروسية والكيانات المرتبطة بها.

وعلى المسار ذاته، لا تزال موسكو تحتفظ بحضورها في ملف الأمن الغذائي السوري، وإن بوتيرة أكثر حذراً. فقد أفادت وكالة “تاس” الروسية بأن سفينة “بولا مارينا” نقلت نحو 6600 طن من القمح إلى ميناء اللاذقية في 20 نيسان/أبريل الماضي، في أول شحنة من نوعها منذ سقوط نظام الأسد. غير أن العملية وُصفت بأنها استثنائية ومحدودة النطاق، في ظل غياب أي مؤشرات إلى استئناف الإمدادات المنتظمة.

ويعكس هذا التردد جانباً من التعقيدات التي باتت تحكم العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، إذ تشير تقارير إلى أن تراكم الديون السورية المستحقة لروسيا، إلى جانب رفض السلطات الجديدة تحمل الالتزامات المالية الموروثة عن حقبة الأسد، ألقى بظلاله على مسار التعاون التجاري، وأوجد نقاط خلاف لم تكن حاضرة بالحدة نفسها خلال السنوات السابقة. ومن ثم، تبدو العلاقة الاقتصادية بين دمشق وموسكو محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين الحاجة المتبادلة من جهة، وتباين المصالح والحسابات السياسية والمالية من جهة أخرى.

وبالعودة إلى المحلل الاقتصادي، فيتوريا ماريسكا، فإنه يرى أن ملف القمح لا يقل تعقيداً عن ملف الطاقة، إذ يمكن لسوريا تنويع مصادر استيراده عبر دول البحر الأسود مثل رومانيا وأوكرانيا، إلى جانب تركيا وبعض عمليات التمويل الخليجية، مؤكداً أن العقبة الأساسية لا تكمن في توفر السلع بحد ذاتها، بل في أنظمة الدفع والتأمين والقنوات المصرفية والثقة الدولية بالاقتصاد السوري.

“أساطيل الظل” الروسي تزود سوريا بالموارد

مع ذلك كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “تركيا اليوم” أن “أساطيل ظل” روسية تواصل تهريب شحنات ضخمة من الحبوب الأوكرانية المسروقة إلى سوريا، وبلغت إحدى هذه الشحنات نحو 27.5 ألف طن (بقيمة تقارب 7 ملايين دولار) عند وصولها إلى اللاذقية في نيسان/أبريل الماضي.

ويستفيد الاقتصاد الروسي من عائدات هذا التهريب وتمويل حربه ضد أوكرانيا رغم تغيير النظام في دمشق وعودة التواصل مع كييف مؤخراً، بينما تبقى موانىء اللاذقية وطرطوس وجهة رئيسية لهذه الشحنات، وتظل تعمل كمحطات تفريغ لشركات روسية مشبوهة تلتف على القوانين الدولية، كما تظهر هذه الوقائع أن ملف الطاقة والغذاء لا يزال مفتاحاً للتواجد الروسي في سوريا.

كما يتجاوز التوغل الاقتصادي الروسي في سوريا مجرد الاستيراد، ليصل إلى رهن الثروات الباطنية لعقود قادمة، حيث تحرك منصاتها الاقتصادية في سوريا، منها على سبيل المثال شركة “ستروي ترانس غاز”، المرتبطة بالملياردير غينادي تيمشينكو وهو أحد الحلفاء الكبار لبوتين، والتي لا تزال تصر على تفعيل اتفاقياتها التي تمتد لخمسين عاماً لاستغلال الفوسفات السوري، فضلاً عن عقد تشغيل ميناء طرطوس لمدة 49 عاماً الموقع في 2019.

هنا يبرز التخبط السياسي بوضوح، ففي حزيران/يونيو 2025، أعلنت حكومة الشرع إلغاء الاتفاقية مع الشركة الروسية لإدارة ميناء طرطوس، متهمة إياها بالفشل في استثمار مبلغ الـ 500 مليون دولار الموعود، وبدلاً من ذلك، وقعت دمشق صفقة بقيمة 800 مليون دولار مع شركة “موانئ دبي العالمية الإماراتية لمدة 30 عاماً.

ضرورة الانفكاك عن روسيا

هذا التضارب لا يعكس فقط سوء إدارة، بل يكشف عن صراع نفوذ صامت، فبينما بدأت “موانئ دبي العالمية” عملياتها فعلياً في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وجلبت معدات جديدة مثل القاطرة “الفتح”، لا تزال روسيا تحتفظ بالجزء العسكري من الميناء كقاعدة بحرية دائمة، ليجعل هذا الوجود المزدوج من طرطوس ساحة تجاذب بين الرأسمالية الخليجية المنفتحة والطموحات العسكرية الروسية التوسعية.

وفي قطاع الفوسفات، تمنح الاتفاقيات الروسية الموروثة موسكو حصة الأسد بنسبة 70 بالمئة من الإيرادات، بينما تحصل الدولة السورية على 30 بالمئة فقط، وهي نسبة تعتبر أقل بكثير من المعايير الدولية التي تمنح الحكومات ما بين 50 إلى 70 بالمئة من ريع الصناعات الاستخراجية، لذا تحاول إدارة الشرع الآن استقطاب استثمارات سعودية لتطوير كامل سلسلة القيمة للفوسفات، بما في ذلك صناعة الأسمدة محلياً، وهو ما يهدد الهيمنة الروسية الاستخراجية.

وعلى المستوى السياسي، تسعى السلطة السورية الانتقالية بدمشق إلى تقديم استمرار الانخراط مع موسكو كخيار تفرضه اعتبارات سياسية ملحة وراهنة أو لناحية تنويع العلاقات الخارجية خصوصاً في ظل موازين القوى الإقليمية والدولية، كما جرى التلميح في بعض المناسبات إلى أن الحفاظ على قنوات التواصل مع روسيا قد يسهم في معالجة ملفات عالقة، منها ملف بشار الأسد المقيم في الأراضي الروسية.

إلا أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تشير إلى أي استعداد روسي للتعاطي مع مسألة تسليم الأسد أو تحويلها إلى ورقة تفاوضية مع دمشق. وعلى العكس من ذلك، يبدو أن الأولوية الروسية انصبت منذ مرحلة الانتقال السياسي على ضمان حماية مصالحها الاستراتيجية وعدم التنازل عن امتيازاتها، وفي قمتها الحفاظ على وجودها العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس، فضلاً عن ضمان شبكة المصالح الاقتصادية والأمنية التي راكمتها خلال سنوات الحرب. وبذلك، استطاعت موسكو إلى حد كبير في تحويل نفوذها داخل سوريا من علاقة مرتبطة بشخص أو نظام بعينه إلى حضور مؤسسي وهيكلي يتجاوز تغير الحكومات والقيادات السياسية.

من ثم، لا يمكن فصل استمرار النفوذ الروسي عن تشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية التي ما زالت تربط دمشق بموسكو. فروسيا لا تزال حاضرة في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والنفط والقمح والبنية التحتية الاستراتيجية، بجانب تمركزها العسكري بالساحل السوري، ما يمنحها أدوات تأثير متعددة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية.

ويضع هذا الواقع القيادة السورية أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، تحتاج البلاد إلى مصادر التمويل والاستثمارات والخبرات الفنية، فضلاً عن المظلة الأمنية التي توفرها العلاقات مع موسكو في مرحلة انتقالية لا تزال محفوفة بالتحديات. ومن جهة أخرى، فإن استمرار الارتباط الاقتصادي والاستراتيجي بروسيا بهذا الشكل والقدر قد يحد من قدرة دمشق على بناء شراكات أوسع مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية، خصوصاً في ظل استمرار العقوبات الغربية على قطاعات وشركات روسية واسعة النطاق.

لذلك، لا يتمثل التحدي الرئيسي أمام السلطة السورية الجديدة في إدارة العلاقة مع روسيا فحسب، إنما في قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من الدعم الروسي القائم وعدم التحول إلى رهينة لمعادلات النفوذ التي قد تقيد خياراتها السياسية والاقتصادية مستقبلاً. فكلما تعمق الحضور الروسي في القطاعات الاستراتيجية السورية، تضاعفت صعوبة إقناع العواصم الغربية بأن دمشق تمضي فعلاً نحو إعادة تموضع سياسي واقتصادي مغاير عن الميراث القديم في سنوات الحرب. وطالما أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، رفع إلى حد كبير العقوبات المفروضة على سوريا، ولا تزال هناك احتمالات لإزالة ما تبقى منها، فإن ذلك يتيح فرصة كبيرة أمام حكومة دمشق ينبغي استثمارها بما يخدم مصالح سوريا والسوريين، وضرورة الانفكاك عن روسيا والابتعاد عن المسار الذي اتبعه الأسد طوال فترة حكمه.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم