هل تنجح المهلة الأخيرة لاستبدال العملة السورية فيما فشلت فيه المهلتان السابقتان؟

العملة السورية

تدخل عملية استبدال العملة السورية مرحلة جديدة بعد قرار مصرف سوريا المركزي تمديد مهلة الاستبدال ثلاثين يوماً إضافية، لتصبح حتى 31 تموز/يوليو 2026، في ثالث تعديل جوهري على الجدول الزمني منذ انطلاق العملية في 1 كانون الثاني/يناير، وذلك بعد أن كان المصرف قد مدّد المهلة أولاً حتى 30 حزيران/يونيو، ثم أعاد تمديدها للمرة الحالية.

وبحسب المصرف، فقد تجاوزت نسبة الاستبدال 63  بالمئة على مستوى البلاد، وهو ما وصفه حاكم المصرف محمد صفوت رسلان بأنه مؤشر على “التعاون الفاعل” و”التقدم الجيد” في تنفيذ الخطة، مع دعوته المصارف وشركات الصرافة والحوالات إلى عدم إعادة طرح الأوراق القديمة للتداول خلال الفترة المتبقية.

تمديد ثالث واختبار جديد

هذا التمديد على رغم ما يحمله من إتاحة وقت إضافي أمام المواطنين والمؤسسات المالية، يعكس في المقابل أن مسار سحب الكتلة النقدية القديمة لا يزال يواجه اختبارات لوجستية ونقدية حقيقية.

وقد نصت التعليمات التنفيذية التي أصدرها المصرف في نهاية 2025 منذ البداية على أن عملية الاستبدال تبدأ في 1 كانون الثاني/يناير 2026، وأن كل 100 ليرة من العملة القديمة تعادل ليرة واحدة جديدة، مع بقاء الاستبدال قابلاً للتمديد واشتراط أن يصدر قرار التمديد قبل ثلاثين يوماً من انتهاء المهلة الأصلية، كما حدد المصرف أن الفئات 1000 و2000 و5000 ليرة من الإصدارات القديمة هي التي تخضع للاستبدال ضمن هذه المرحلة.

بحسب المصرف، فقد تجاوزت نسبة الاستبدال 63  بالمئة على مستوى البلاد- صورة من الإنترنت

وفي قراءة هذا المشهد، قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة عبد الرحمن محمد، إن الأسباب التي دفعت المصرف إلى التمديد تتمثل في أربعة عوامل رئيسة، وهي ضعف القدرات اللوجستية لفروع المصرف والمصارف التجارية، وارتفاع حجم العملة القديمة المخزّنة لدى التجار ومؤسسات الصرافة، والضغوط السياسية والاجتماعية المرتبطة بخشية استبعاد الفقراء القاطنين بعيداً عن المراكز المصرفية، إضافة إلى عدم جاهزية البديل النقدي بكميات كافية.

وذهب أبعد من ذلك حين وضع معياراً لقياس النجاح، قائلاً إن العملية تصبح غير ناجحة إذا بقيت نسبة العملة المسحوبة أقل من 80 بالمئة بعد ثلاث مهلات، مشيراً إلى أن استمرار التداول الواسع للأوراق القديمة يعني عملياً “فشلاً واضحاً”، وفق تصريحات نقلها موقع “تلفزيون سوريا”.

الثقة على المحك

يحذّر محمد من أن التمديد المتكرر لا يقتصر أثره على الجدول الزمني، بل يضرب صلب الثقة بالنظام النقدي نفسه، موضحاً أن كل تمديد، يرسّخ لدى المواطنين والانطباعات السوقية أن المصرف المركزي غير قادر على تنفيذ قراراته في موعدها، وهو ما يغذي الميل إلى الاحتفاظ بالدولار أو الذهب أو العقار، ويشجع على ما يمكن وصفه بسلوك “المماطلة النقدية”، أي تأخير الاستبدال تحسباً لتمديدات لاحقة.

وأضاف أن هذا السلوك، في بيئة تعاني أصلاً من شح السيولة وضعف الودائع بالليرة، يدفع نحو تداول نقدي مباشر أوسع ويقلص قدرة المصارف على الوساطة المالية.

بحسب المصرف، فقد تجاوزت نسبة الاستبدال 63  بالمئة على مستوى البلاد- صورة من الإنترنت

وتزداد حساسية هذه العملية إذا ما وُضعت في سياق الاقتصاد السوري الأوسع، فعملية إعادة إصدار العملة تأتي بعد انهيار طويل في قيمة الليرة خلال سنوات الحرب والعقوبات، وبعد تحول التعاملات اليومية بدرجة كبيرة إلى النقد الورقي والعملات الأجنبية، كما أفادت تقارير دولية خلال الشهور الماضية بأن الخطة السورية تهدف إلى إعادة ترتيب التداول النقدي وتسهيل المعاملات اليومية أكثر مما تهدف إلى معالجة التضخم بحد ذاته.

 وفي هذا الإطار، فإن أي خلل في جمع الأوراق القديمة أو في إيصال العملة الجديدة إلى الأطراف البعيدة والمناطق الريفية سيجعل أثر العملية محدوداً، حتى لو ارتفعت نسبة الإنجاز الرسمية فوق 63 بالمئة.

وعليه، تبدو المهلة الأخيرة فرصة حقيقية لاختبار قدرة الإدارة النقدية الجديدة على تحويل القرار من مجرد تمديد متكرر إلى عملية أكثر انضباطاً وفاعلية، فالنجاح هنا لن يُقاس فقط بعدد الأوراق التي جرى استبدالها، بل أيضاً بقدرة المصرف على تثبيت الثقة، وضمان وصول العملة الجديدة إلى كل مناطق البلاد، ومنع عودة القديمة إلى التداول، لأن مصير هذه الخطوة سيتحدد في النهاية بمدى قدرتها على إقناع السوق بأن المهلة الأخيرة هي فعلاً الأخيرة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم