“الوعود لا تكفي”.. عن انعدام الثقة بسلطة أحمد الشرع في سوريا

تزايد الحوادث الطائفية المتمثلة في الاعتداءات المتكررة كما حدث مؤخرا في جرمانا، وأشرفية صحنايا، صحنايا، ذات الأغلبية الدرزية، له ارتداداته على وضع السلطة الانتقالية في دمشق، والتي بحاجة إلى أن تراكم الثقة كما الاستقرار بالمعنيين السياسي والأمني. 

غير أن انتقال عدوى العنف بصفتها الطائفية من العلويين إلى الدروز، بدا وكأن البيئة مرشحة لأن تتضاعف العمليات الانتقامية والثأرية، وتظل المسارات الارتدادية مؤشرا على ضعف واضح في فرض السيطرة، وتأميم الوضع الفوضوي الميلشياوي، وإنهاء وجود الأخيرة كحالة سياسية وأمنية، بما يترتب على ذلك بالتبعية من تدشين وضع مدني ليس فيه أي تطييف للسلطة والمجتمع.

ففي خضم التحولات التي تشهدها سوريا، لا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي خلّف وراءه إرثا ثقيلا من الخراب والدمار، سواء اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا، برزت “السلطة الجديدة” بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بوصفها الجهة التي “حررت” الشعب السوري من حكم عائلوي ومافياوي استمر لأكثر من خمسة عقود.

استمرار هوّة انعدام الثقة بسلطة دمشق لا يهدد شرعية أحمد الشرع فقط، بل يعقّد أيضا مآلات الاستقرار وأفق الانفراجة السياسية بسوريا.

فيما يحاول الشرع أن يقدّم نفسه، منذ انتقاله من مرحلة إدلب إلى دمشق، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، بصفة سياسية معتدلة لتخفيف من وطأة مرحلته الجهادية، وأنه بصدد إعادة بناء الدولة بعد سنوات من النزاع الدموي والانقسام المجتمعي والسياسي، ويسعى إلى جمع مختلف المكونات السورية ضمن إطار موحّد، بعيدا عن التمييز والطائفية وثقافة الانتقام. 

غير أن العديد من الشكوك ما تزال تطاوله بشأن مدى جدية هذا التحول، بخاصة مع عدم الاعتذار عن تلك الفترة المتشددة، وما ارتبط بها من حوادث ترقى إلى أن تكون “جرائم حرب”، والتأكيد على الانعتاق من المرجعيات الأصولية المتشددة ورؤيتها الجهادية المسلحة.

فسلطة الشرع تواجه، إذاً، أزمة ثقة عميقة ومركبة، تتجلّى على ثلاث مستويات متداخلة، أبرزها الداخل السوري، وثانيا الأطراف المحلية المسلحة، وأخيرا المجتمع الدولي. وهذه الأزمة، تزداد حمولتها وتشتد وطأتها بفعل الإدارة السياسية لحكام دمشق الجدد والتي تخفق في جوانب عديدة، ليس فقط في مشهد العنف الدموي بحق العلويين والدروز، إنما كذلك في بناء حكم تشاركي قائم على التعددية والتمثيل الديمقراطي، وكذا جدية الحوار مع القوى أو المكونات السورية المختلفة، فضلا عن تقديم صورة جادة ومغايرة للمجتمع الدولي والولايات المتحدة تعزز الثقة وتذهب إلى رفع العقوبات، بما يحلحل الوضع الاقتصاد المأزوم، ويحدث انفراجة اجتماعية.

فقدان ثقة السوريين بسلطة الشرع

منذ تولي “هيئة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع والمكنى سابقا بـ “أبو محمد الجولاني”، إدارة سوريا في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد سقوط نظام الأسد، فإن نسبة لا تبدو هينة من السوريين تسللت إليها مشاعر التململ، وبصورة تدريجية، وقد رافقتها مخاوف أو بالأحرى هواجس مريرة إزاء أن يعاود الماضي تكرار نفسه، من خلال ظواهر منها تكريس الحكم العائلوي، وتبني سرديات شمولية حول الدولة ومفهوم الوطن الذي يتم تعريفه بواسطة سلطة مركزية احتكارية تفرض الحكم بإقصاء وتهميش باقي المكونات، لا سيما في مجتمع له تبايناته الثقافية والقومية كما الدينية والطائفية. 

صورة من الساحل السوري أثناء المجازر التي وقعت بحق العلويين في آذار/مارس 2025- “سوشيال ميديا”

وفاقمت المجازر والانتهاكات الحقوقية من قتل عشوائي وخطف مستمر قسرا التي تحصل بحق العديد من الطوائف السورية، منها العلوية والدرزية والمرشدية، من أزمة الثقة ومعارضة السلطة ورفض منحها تفويضا نهائيا للحكم.

وأحد أهم أسباب انعدام ثقة السوريين بسلطة الشرع، لا يتعلق بحوادث عرضية، وإنما بسياسات قائمة ولها أثرها وتداعياتها الاستراتيجية. فـ”الدستور الجديد” الذي رُوّج له بوصفه خطوة نحو التغيير، اعتبره كثيرون إقصائيا وشكليا، لم يعكس تطلعات مختلف المكونات السورية، بل وُضع في ظل غياب قوى سياسية وشخصيات رئيسية عن المؤتمر الوطني الذي رعته هيئة الحكم، مثل الدروز والأكراد. 

فضلا عن هيمنة “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) على مفاصل الحكم بالبلاد، بما زاد من أزمة الثقة بالحكومة التي شكلها أحمد الشرع. فتسيّد أبرز وجوه “الهيئة”، أي الدائرة المقربة من الشرع على الحكم، أفقد السلطة أي مصداقية ونزع عنها صفة التغيير في نظر شريحة واسعة من السوريين، وعمّق المخاوف من عودة القمع، ولكن هذه المرة بثوب إسلاموي متشدد.

كما أن الحكومة السورية الجديدة، أعطت وعودا كثيرة بمستقبل واعد لجميع السوريين، وأن الجميع سيشارك بالحكم، فضلا عن حرية السوريين وعدم المساس بأي مكون على أساس عرقي أو طائفي، إلا أن هذا ليس بدا وكأنها فقاعات هوائية تراكم دعاية أكثر من كونها سياسات عملية تحقق نتائجها بشكل عملي في هياكل السلطة والمجتمع.

“الدروز والأكراد لا يثقون بدمشق”

المسار الثاني في أزمة الثقة بسلطة دمشق، يتمثل في الفاعلين المحليين، وعلى رأسهم الدروز في الجنوب السوري والأكراد في شمال وشرق سوريا، و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). فكلا الطرفين يرفضان الانخراط في “الدولة الجديدة” وفق المنطق المطروح “تسليم السلاح مقابل لا شيء”.

بمعنى آخر، سلطات دمشق الجديدة تطالب هذه الأطراف بالتخلي عن ما راكمته من استحقاقات وامتيازات، والتنازل عن سلاحها ثم الانضمام داخل مؤسسات الدولة كـ”أفراد” وليس ككتل سياسية أو عسكرية، من دون أن تقدم في المقابل أي ضمانات حقيقية، سواء دستورية أو سياسية تضمن مشاركة حقيقية في الحكم، أو تحمي حقوق مكوناتهم الثقافية والسياسية، من خلال تسليمهم مناصب سياسية أو حتى عسكرية في الدولة.

فالهجمات المتوحشة والهمجية التي طاولت الدروز مؤخرا في جرمانا وأشرفية صحنايا وصحنايا بريف دمشق وبعض الأرياف في السويداء، وقد سبقتها الحوادث في الساحل السوري، تباعد بين السلطة واحتمالات التسوية مع المكونات المختلفة في سوريا، لا سيما مع غياب تتدخل السلطات بشكل جاد وحقيقي لحماية المدنيين في تلك المناطق التي جرى فيها الاعتداء. بل إن ما عرف بـ”لجنة تقصي الحقائق” التي دعا الشرع إلى تشكيلها، للاضطلاع بمهمة التحقيق والمسائلة في ما جرى بالساحل بوجه، حولها العديد من علامات الاستفهام، وشكك كثيرون في قدرتها على تحقيق العدالة، مع الأخذ في الاعتبار أنها لم تصل لشيء حتى كتابة هذه السطور.

عناصر من الفصائل المحلية الدرزية- “ألند العيسى”

التجأت الحكومة كما العادة لسردية “الأعمال الفردية/ عناصر غير منضبطة/ مجموعات خارجة عن القانون”، والإذعان لرواية “مثيري الفتن”، باعتبار أن هناك فئة تتحمل المسؤولية في إطار محاولة التعمية عن دور السلطة الحالية أو بالأحرى مسؤوليتها السياسية والأمنية في وقف عدوى الصراعات الطائفية، واحتدام الأزمات المتكررة، والتي تبدو مرشحة بأن تتضاعف، وقد طاولت في السابق العلويين، وهو ما دفع أصوات داخل الطائفة الدرزية، (الشيخ حكمت الهجري رئيس طائفة الموحدين الدروز) للمطالبة بحماية دولية، فضلا عن تصريح المتحدث الرسمي باسم حركة “رجال الكرامة”، باسم أبو فخر، بأن “ليست لدينا مشكلة في تنظيم السلاح، ولكننا نرفض تسليمه”، حتما هذا يؤشر لعمق انعدام الثقة بالدولة.

ومن ناحية الأكراد في شمال وشرق سوريا، فإنها قدمت خطوات حقيقية تجاه السلطات بدمشق وذلك للتوصل إلى تفاهمات واضحة على المحددات والآليات الممكنة للمرحلة الراهنة، فضلا عن بناء السياسات الممكنة مع السلطة الانتقالية التي يقودها الشرع. ورغم أنه حصل عدة اتفاقيات بين دمشق و”قسد”، وأبرزها اتفاق آذار/مارس الذي حصل بين قائد “قسد”، مظلوم عبدي وأحمد الشرع، إلا أنه ثمة مطالب واضحة من جميع القوى الكُردية بسوريا بشأن مستقبلهم داخل سوريا، وقد لملمت الأحزاب الكُردية شتاتهم أواخر نيسان/أبريل الفائت، عبر عقد مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكُردي”، والذي انتهى ببيان فيه توافق على رؤية سياسية مشتركة تعبر عن إرادة جماعية ومشروع واقعي لحل عادل لقضية الأكراد، وبناء دولة ديمقراطية لا مركزية، كما تطال هذه الرؤية إلى اعتمادها أساسا للحوار الوطني “سواء بين القوى السياسية الكُردية ذاتها، أو بينها وبين الإدارة الجديدة في دمشق وسائر القوى الوطنية السورية”.

ويفهم من خطوة الأكراد هذه أن ليس ثمة ثقة بالسلطات الجديدة بدمشق، إذ يرون أن تحقيق مطالبهم هو الذي يبني الثقة بسلطة الشرع وسيكون بداية بناء “سوريا الجديدة” لجميع السوريين وليس بناء حكم شمولي كما في عهد الأسد.

سلطة دمشق التي لم تبد أي استعدادات واضحة وجادة حيال مطالب الأكراد، تذهب إلى تأزيم الوضع أكثر فأكثر. إذ قبل أيام قليلة عينت وزارة الدفاع “الهايس” قائدا لـ “الفرقة 86” في دير الزور والحسكة والرقة. وقد أثار هذا القرار، موجة غضب واسعة بين السوريين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث إن الهايس مدرج على قوائم العقوبات الأميركية بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان وصلاته بتنظيم “داعش” الإرهابي، كما أنه متهم باغتيال السياسية الكُردية هفرين خلف، عام 2019.

وقد خرج سكان شمال وشرق سوريا في احتجاجات شعبية، تنديدا بتعيين “أبو حاتم الشقرا” قائدا لفرقة عسكرية في مناطقهم. كما يرى السوريون أن مثل هذه القرارات لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وتعزيز الطائفية والصراعات الأهلية، فضلا عن دفع البلاد نحو مزيد من الفوضى.

وامتد هذا الامتعاض إلى الخارج، حيث وصفت وزارة الخارجية الأميركية تعيين الحكومة السورية لأحمد الهايس، قائدا لفرقة عسكرية في الجيش السوري، بأنه “خطأ جسيم”.

وأضافت المتحدثة باسم الوزارة، تامي بروس، لشبكة “رووداو” الإعلامية، أن “قرار السلطات المؤقتة بتعيين هذا الشخص، الذي له سجل طويل في انتهاكات حقوق الإنسان وتقويض جهودنا لهزيمة داعش، في منصب رسمي، هو خطأ جسيم لا تدعمه الولايات المتحدة”.

“لا ثقة دولية حتى الآن”

يبدو جليا، أن الثقة الدولية بسلطة دمشق كذلك منخفضة على نحو واضح. فلم تنجح السلطة الجديدة في إقناع الغرب حتى الآن بأنها تمثل مشروع دولة متكاملة، إذ ثمة شكوك وتحفّظات واضحة لدى الدول الغربية، التي ترى أن السلطة الحالية ما تزال فاقدة لشروط التمثيل الحقيقي والمصداقية.

وخلال زيارة الشرع إلى فرنسا قبل أيام، لم تتردد باريس في التشكيك صراحةً في نوايا ومصداقية السلطة الجديدة، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحا في أن الفرصة المعطاة للشرع تبقى مشروطة بالمبادئ التوجيهية للعملية الانتقالية التي تفاهمت عليها الدول الغربية والعربية غداة سقوط الأسد، وهي المبادئ التي عادت فظهرت في رسالة المطالب الأميركية من دمشق وفي مناسبات عديدة.

مؤتمر صحفي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في باريس- “وكالات”

كما أكد ماكرون على ضرورة تأمين مصالح الأكراد وضمان إشراكهم في الحكم، ما يعكس ضرورة التفاهم مع المكونات كافة بسوريا ورفض مبدأ الإقصاء. 

ماكرون لمّح أيضا إلى أن الثقة بسلطة الشرع غير موجودة بعد، خصوصا في ما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب، الذي تعتبره باريس أولوية بعد أن خاضت مواجهات مباشرة مع تنظيمات متطرفة انطلقت من الأراضي السورية.

الاتحاد الأوروبي، ورغم بعض المؤشرات على انفتاح حذر، لا يزال يتعامل مع سلطات دمشق الجديدة باعتبارها “وريثا مشتبها به” لنظام الأسد. ولا يخفى على أحد، أن ثمة قلق أوروبي كبير من استمرار منطق الإقصاء والسياسات التمييزية الشمولية، ورفض حقيقي واضع للاعتراف بأي بنية حكم لا تمثل جميع المكونات السورية، خاصة الأقليات.

لكن، أكثر المواقف صرامة تجاه السلطات الجديدة بدمشق هي من قبل الولايات المتحدة الأميركية حتى الآن، إذ إنها عَزَت، في النصف الأول من نيسان/أبريل الماضي، تغيير تصنيف التأشيرات الخاصة بالدبلوماسيين العاملين لدى البعثة السورية في الأمم المتحدة، إلى عدم الاعتراف حاليا بأي كيان “كحكومة في سوريا”، أي أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تعترف رسميا بالحكومة التي شكّلها الشرع.

وقبل نحو يومين، أعلنت الولايات المتحدة، قبل نحو يومين، تمديد حالة “الطوارئ الوطنية” المفروضة على سوريا لعام إضافي، مؤكدة أن سياسات الحكومة السورية ما تزال تشكل “تهديدا استثنائيا وغير العادي للأمن القومي الأميركي والسياسة الخارجية والاقتصاد الأميركي”، ما يعني أن واشنطن لا ترى في سلطة الشرع شريكا موثوقا بعد وإلى الآن، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الإقليمي بالمنطقة.

تبعات أزمة الثقة بسلطة الشرع

ما يجري راهنا، يوضح أن البنية الاجتماعية للسلطة تبدو هشة. والوضع بالكلية في ظل النموذج السلطوي-الطائفي، سيؤدي حتما إلى غياب التسويات والتفاهمات السياسية، والاستمرار في دوامة العنف والعنف المضاد. وسيترتب على ذلك، استمرار العزلة الدولية وفرض العقوبات، بما يعني تأزم الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وسيولة أمنية.

في المحصلة، يمكن القول إن سلطة الشرع بحاجة قصوى إلى تخطي الإجراءات الشكلية والتصريحات الظاهرية، والانكفاء على بناء دولة طبيعية تحظى بشرعيتها من خلال إدارة التنوع على قاعدة مواطنية ومدنية حديثة.

وهذه الثقة لن تُبنى إلا بخطوات جادة، منها، دستور توافقي، مشاركة المكونات السورية كافة في إدارة البلاد سياسيا وبالحكم، حماية جميع السوريين، وتطبيق العدالة الانتقالية، وضمانات دولية لمشاركة الجميع في إعادة بناء سوريا.

لذا، فإن استمرار هوّة انعدام الثقة بسلطة دمشق لا يهدد شرعية الشرع فقط، بل يعقّد أيضا مآلات الاستقرار وأفق الانفراجة السياسية بسوريا.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم