الدعم الصيني لإيران وأمن الخليج: تقاطعات الطاقة والسياسة في قمة ترامب وشي

وسط ترقب الجميع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الأميركية في الساعات المقبلة، يتجه هذا الاهتمام بمدلول الزيارة من حساسية الملفات المطروحة على جدول أعمال الزيارة، خاصة ما يرتبط بالوضع في إيران وسيناريوهات كبح نطاق الحرب وتقويض احتمالات توسعها، سيما مع العمليات العسكرية التي اندلعت داخل اليمن وهجمات “الحوثيين” ضد مواقع سعودية، خاصة المنتجة للنفط.

كما وتبرز الحرب الإيرانية كإحدى أبرز نقاط التقاطع بين مصالح واشنطن وبكين، من أمن الطاقة وحرية الملاحة إلى التجارة العالمية ومستقبل التنافس بين القوتين.

وبحسب وكالة “رويترز”، يستضيف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزعيم الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض يوم 24 أيلول/سبتمبر الجاري، في ثاني لقاء بينهما هذا العام، وسط مساعٍ من الجانبين لتحقيق قدر من الاستقرار في العلاقات بين البلدين، التي تواجه ضغوطاً بسبب قضايا متباينة، تبدأ من التجارة وتايوان وتمتد إلى الحرب في إيران، فضلاً عن المخاوف العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويصل شي إلى واشنطن في أول زيارة له إلى البيت الأبيض منذ عشر سنوات، على رأس اقتصاد تتوقع “رويترز” أن يسجل فائضاً تجارياً بقيمة تريليون دولار للعام الثاني على التوالي، فيما تستعد القمة لبحث عدد من الملفات التي تشكل نقاط ضغط رئيسية في العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.

إيران درة التاج بين واشنطن وبكين

أربع ملفات رئيسية قد تبدو جديرة بالاهتمام بين الرئيسين الأميركي والصيني، تأتي إيران وقطاع النفط على رأسها، كما التجارة العالمية التي تتأثر كثيراً وعميقاً بمجريات الأحداث الجيوسياسية، فضلاً عن قضية تايوان وارتباطها بعدد من الملفات المطروحة.

لكن قد تبدو الحرب في إيران عقدة الفصل في كل الملفات الأخرى، ودرة التاج بين الجانبين، لما لها من دلالات هامة ولافتة على الطرفين عبر أكثر من مستوى ودرجة استراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ. “وكالات”

ويتمثل ذلك في مضيق هرمز الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيكه كعنصر ضاغط توظفه طهران لصالح أهدافها التوسعية إقليمياً، كما تهتم به الصين كممر للطاقة التي تأتيها من إيران. 

وتكتسب أهمية المضيق بعداً أكثر وضوحاً مع التراجع الكبير في حركة الملاحة خلال الأيام الأخيرة. فقد أظهرت بيانات نقلتها “رويترز” أن 17 سفينة للسلع عبرت مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع السابق، وبفارق كبير عن متوسط الحركة قبل الحرب الذي كان يبلغ نحو 125 سفينة يومياً. 

وفي الوقت نفسه، استمرت بعض شحنات النفط في المرور عبر المضيق، مع لجوء ناقلات إلى إطفاء أجهزة التتبع، بينما اتجهت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى إلى الارتفاع كوسيلة لتجاوز المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.

الصين كانت تستورد ما يناهز مليوناً ونصف مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، وبفعل الحرب والحصار البحري انخفض هذا الرقم إلى ما يعادل ستمائة ألف برميل يومياً، كما أن الأزمة تتجاوز النفط الإيراني نفسه، كون بكين تستورد أيضاً من دول الخليج العربي ما يناهز خمسة ملايين برميل يومياً، وانخفض الرقم أيضاً إلى النصف تقريباً بحسب وكالات الأنباء.

وهو الأمر الذي يجعل الصين تفكر مرتين في مسار الحرب: الأول، كيف لها أن توقف عجلة الحرب سريعاً، ما يضع حداً للاستنزاف الاقتصادي الذي تتعرض له، رغم محاولاتها تقليل منسوب الخسائر بالاعتماد على الاحتياطيات والمسارات البديلة؛ والأمر الثاني، كيف لها أن تمارس ضغطاً ناجحاً على القيادات الفاعلة في إيران يضع حداً للسيولة الميدانية ويؤدي إلى نتائج ملموسة للهدف الأول.

وتزداد هذه الحسابات تعقيداً مع انتقال الخطر من مضيق هرمز إلى باب المندب، إذ كشفت “رويترز” في 17 أيلول/سبتمبر الجاري أن الصين طلبت سراً من طهران استخدام نفوذها لدى “الحوثيين” للحد من هجماتهم، وذلك بعد أن طلبت السعودية من بكين المساعدة في أعقاب تقدم “الحوثيين” على ساحل البحر الأحمر وحول باب المندب، بما جعل صادرات النفط السعودية وحركة الملاحة أكثر عرضة للخطر. ولكن يبدو أن بكين لم تحقق طلب السعودية منها.

ويكشف ذلك أن اهتمام بكين بالملف الإيراني لا يرتبط فقط بالنفط الذي تستورده من إيران، وإنما أيضاً بحماية شبكة الممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارتها وإمداداتها من الطاقة.

كما أن استمرار التوتر انعكس بصورة مباشرة على حركة الطاقة والتجارة، إذ بقيت أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأيام الأخيرة، فيما تضررت حركة الشحن وارتفعت تكاليف نقل الطاقة نتيجة اضطراب الممرات البحرية واستمرار المخاطر على البنية التحتية النفطية في المنطقة.

مصالح صينية على حساب أمن الخليج

يؤكد مراقبون سياسيون أن شراء الصين لأكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني يمثل شريان الحياة المالي الذي يغذي ميزانية طهران العسكرية. ويرى الخبراء أن هذا التدفق المستمر للأموال يعفي النظام الإيراني من دفع ثمن حماقاته الإقليمية، ويسمح له بمواصلة تمويل وتسليح شبكة وكلائه وميليشياته في المنطقة، وهو ما أدى مباشرة إلى إطالة أمد الحروب والصراعات في الشرق الأوسط.

كما ينتقد محللون المقاربة الصينية التي تصفها بكين بـ “المتوازنة”. ويرى هؤلاء أن الصين توظف نفوذها لدى طهران بشكل نفعي لحماية سفنها وتأمين ممراتها التجارية ومبادرة “الحزام والطريق” فقط، في حين تتغاضى عن التهديدات الإيرانية المستمرة والمباشرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية وأمن الطاقة والمنشآت النفطية في دول الخليج العربي.

أيضاً، لا يمكن التغافل عن أن استخدام بكين لـ”الفيتو” في مجلس الأمن الدولي لحماية إيران من العقوبات ومراقبة التسلح، يمثل مظلة دبلوماسية تمنح طهران حصانة من المحاسبة الدولية. وهذا الدعم الدبلوماسي الصيني يعزز السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار، ويقوض جهود دول الخليج والمجتمع الدولي الرامية لفرض التهدئة ونزع فتيل الصراعات.

وبالتالي، ثمة خطورة جلية للإستراتيجية الصينية القائمة على استخدام ورقة الدعم لإيران كأداة للمساومة والضغط في مفاوضاتها الكبرى مع واشنطن (حول تايوان والرسوم الجمركية). وهذا الأسلوب يضع أمن واستقرار منطقة الخليج العربي كرهينة وورقة تفاوضية على طاولة المفاوضات، دون مراعاة حقيقية للشراكات الإستراتيجية التي تجمع بكين بالعواصم الخليجية.

واشنطن تراهن على النفوذ الصيني بطهران

ربما تعمل الصين على مفاوضات، سواء علنية أو خلف الكواليس، مع الجانب الإيراني للوصول إلى مبادئ يمكن من خلالها تقويض الحرب ووضع حد أدنى من التفاهمات مع الجانب الأميركي، وتحديداً ما يتصل بمضيق هرمز ومسارات الحركة بداخله، ما يعني في النهاية ألا يبدو الممر الدولي لاحقاً محل مقايضات أو ضغوط على الاقتصاد والتجارة العالمية. وفي الوقت ذاته لا يمكن إخفاء مسار دعم الصين للنظام الإيراني، والذي بسببه استمر الأخير في الصمود في المواجهة العسكرية ولم يسقط، بل ورفعت إيران تكلفة الحرب في المنطقة، وتحديداً على دول الخليج وأمنهم.

وتشير التحركات الصينية الأخيرة إلى أنها ماضية بمسار الضغط على طهران للتوصل لاتفاق مع واشنطن، فقد دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في 16 أيلول/سبتمبر الجاري، إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى الاتفاق المؤقت للسلام والانخراط في مشاورات جوهرية، في موقف يعكس محاولة بكين الدفع باتجاه خفض التصعيد وإعادة المسار السياسي إلى الواجهة، وذلك بغية تحقيق مصالح بكين وفق.

وتدرك الصين أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ رقماً يسمح لها بممارسة دور هام ولافت في القرار الإيراني، فضلاً عن أن استمرار العمليات العسكرية في إيران يعني تعطيلاً مباشراً لجملة من الأهداف التي تسعى لتحقيقها، خاصة ما يتصل بمشروع الحزام والطريق والاستثمارات والحفاظ على حيوية صادراتها في الأسواق العالمية.

وبالتالي، ستضحي الحرب في إيران واحدة من أهم الملفات التي سيتم مناقشتها على طاولة واشنطن وبكين، بل ومن المرجح أن تستخدم واشنطن أدواتها التحفيزية والوظيفية لدفع بكين لتقديم أدوار جديدة ومركبة للضغط على طهران لتبريد مسرح الأحداث والعبور نحو تفاهمات استراتيجية تحقق التوازن الجيوسياسي.

ولا يبدو هذا الملف منفصلاً عن الحسابات الأميركية المباشرة، إذ يأتي لقاء ترامب وشي في وقت أصبحت فيه إيران والروابط الاقتصادية والمالية بين الصين وطهران جزءًا من النقاش الأوسع بين واشنطن وبكين، إلى جانب التجارة والذكاء الاصطناعي والملفات الجيوسياسية.

إذاً، يمكن النظر إلى طبيعة الطاولة في واشنطن خلال الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري، على خلاف التحركات التي تبذلها بكين مع الجانب الإيراني، سواء عبر المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، ولكنها تتحرك وسط أولويات متدرجة من الناحية الاستراتيجية، تبدأ بأهمية وقف مسارات التصعيد والعمل على تهدئة الأجواء، بما يمنع تحول الحرب في إيران إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة بعد السيولة التي شهدتها اليمن خلال الأيام الأخيرة، والضربات التي شنها “الحوثي” المدعوم من إيران ضد منشآت الطاقة السعودية ومحافظات أبها وجيزان وخميس مشيط.

وتزداد أهمية هذا المسار مع اتساع نطاق النشاط “الحوثي” في اليمن ووصول تداعياته إلى أمن الطاقة الإقليمي. فقد أدى تقدم الجماعة اليمنية المدعومة من طهران، الأخير قرب باب المندب إلى زيادة المخاطر على طرق النفط والتجارة، بالتزامن مع استمرار الضغط على مضيق هرمز، وهو ما يضع الصين أمام معادلة تتعلق بممرين بحريين رئيسيين في وقت واحد.

وما يدعم ذلك، هو ما نقلته “فوكس نيوز” عن مسؤولين أميركيين بأن ترامب سيضغط على الرئيس الصيني من أجل “التراجع” عن الدعم الذي تقدمه لإيران.

مساع لإنهاء الدعم الصيني لطهران

تدرك واشنطن جيداً أن تحركات الصين نحو الجانب الإيراني لتهدئة عمليات الحرب والصراع العسكري في المنطقة تصب في صالح الجانب الصيني مباشرة، وأن بكين ترغب في أن يكون ذلك عاملاً محفزاً لمنسوب مصالحها مع واشنطن، بيد أننا نزعم أن لقاء واشنطن القادم بين الرئيسين الأميركي والصيني سيكون واضحاً وصريحاً نحو أهمية غلق هذا الملف بما يحقق مصالح الطرفين بشكل مباشر وفاعل، حتى وإن كان بشكل مرحلي، لكنه يمنع انفجارات أكبر أو امتدادات جديدة.

ويبدو أن هذا الطرح يتصور من خلال نموذج واقعي للدور الصيني عبر العمل المرحلي متوسط الآجال والأمد، وذلك من خلال عدد من الملفات المطروحة للنقاش والقابلة للتفاوض والحل، ثم الانتقال في مرحلة تالية إلى الملفات الأكثر تشابكاً وتعقيداً، ما يعني أن الطرفين الأميركي والصيني يأملان في أن تكون هناك طاولة نقاش مستدامة تمكنهما من تفكيك الأزمة في إيران وبلوغ عتبة آمنة في الملفات المتشابكة، سواء المفاوضات النووية أو مضيق هرمز وحرية الملاحة وتأمينها، وتداعيات ذلك على معدلات التجارة وأسعار الطاقة.

مضيق هرمز. “وكالات”

وتظهر التطورات الأخيرة أن الصين تتحرك بالفعل على أكثر من مستوى؛ فمن جهة، تدعو علناً إلى استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، ومن جهة أخرى تتحرك خلف الكواليس لدى إيران بشأن “الحوثيين”، في محاولة لحماية الممرات البحرية ومصالحها في مجال الطاقة.

وهذا التداخل بين الدبلوماسية والضغط غير المباشر قد يمنح بكين مساحة أوسع لتقديم نفسها كطرف قادر على إدارة بعض جوانب الأزمة، دون الانخراط في دور الوسيط المباشر لإنهاء الحرب بالكامل.

إذاً، بات من المعقول والمنطقي أن كلا من واشنطن وبكين لديهما مصالح مشتركة في العمل على إبطال مفعول السيولة الميدانية في إيران، وأهمية العمل على الجلوس إلى مائدة المفاوضات السياسية، خاصة بعد الجولات المباشرة التي رعتها باكستان سابقاً ولم تُفضِ إلى نتائج حقيقية، إذ عادت العمليات العسكرية عدة مرات بعد هذه الجولات المتكررة في إسلام آباد.

وبالتالي، قد يكون مقبولاً أن نناقش مدى نجاح الصين في هذه المهمة، وقدرتها على المرور من هذه الأزمة، بحيث تتجنب ما أخفق فيه الآخرون.

وقد تأمل إيران من بكين، في هذه المفاوضات، أن تتحرك ضمن إطار التفاهمات المقبولة، لا أن تضعها ضمن ما تراه وتقدره تنازلات عميقة، وفي المقابل سيكون ذلك بالنسبة لواشنطن اختباراً حقيقياً لقدرة بكين على ممارسة دور حقيقي وواقعي ومؤثر على الجانب الإيراني، لا سيما وأنه يتعلق بحيز دال ولافت في السياسة الدولية، وصوب ملف حساس.

وقد أظهرت بكين في الوقت نفسه أن هامش حركتها ليس مفتوحاً بلا حدود، فالشراكة الاقتصادية مع إيران ودعمها لطهران تمنحها نفوذاً على طهران، لكنها تضعها أيضاً أمام حسابات خاصة بها. ولذلك، فإن مطالبة الصين لإيران بكبح “الحوثيين”، إلى جانب دعوتها واشنطن وطهران إلى استئناف المفاوضات، تعكس رغبة في احتواء تداعيات الحرب أكثر من كونها إعلاناً عن استعداد صيني للانخراط في مهمة لإنهائها بالكامل.

قد لا يبدو من المرجح أن تتحمل القمة الأميركية الصينية في واشنطن مهمة إنهاء الحرب تماماً عبر وساطة صينية مباشرة أو بضغط فاعل منها، ولكن يمكن النظر إلى هذه القمة من زاوية أنها ستتولى تفكيك الأزمة تدريجياً وعبر مراحل متعددة، قد تبدأ بخفض مسار التصعيد وعودة الأطراف مرة أخرى إلى طاولة التفاوض، مما قد يؤطر لتفاهمات أوسع وأعمق في اليمن ولبنان.

ومن هنا، قد تتجلى صيغة جديدة لسبل إدارة التنافس بين القوى الدولية، وأحد الاختبارات العملية لقدرة كل دولة على توظيف قدراتها ومصالحها لخلق حياة جديدة للنظام الدولي، بعيداً عن الصراع الميداني والعمليات العسكرية المباشرة.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم