دورة عنف جديدة شهدتها سوريا مؤخرا مع أحداث السويداء. تكاد لا تختلف الأحداث عن سوابقها المريرة، إنما تعاود تكرار المشاهد ذاتها وتؤكد على نمط السياسات والممارسات بما يفاقم الأوضاع ويجعلها على الحافة وفي حالة مأزومة من دون انفراجة وشيكة، بل مرشحة للانفجار مجددا. فالعنف الطائفي الذي بدأ بحق العلويين في الساحل انتقلت عدواه إلى المسيحيين ووصل محطته إلى الدروز في الجنوب السوري، بينما لا أحد لديه اليقين الكامل بشأن ما إذا كان هذا التيار الهمجي سيغادر إلى مكان آخر أم سيجد مناخا آخر يخفض مستواه وينهي آثاره.
فالاعتداء على الرموز الاجتماعية والدينية، وتعمد الإهانة والإذلال كما في حلق الشوارب لدى الدروز ووصفهم بعبارات تحقيرية كما سبق وجرى بحق العلويين، يؤشر إلى ما هو أبعد من مجرد رغبة في فرض السيطرة والإذعان، إنما يعكس طبيعة السلطة الانتقالية التي ما تزال لا تسير نحو القطيعة مع السياسات الإقصائية وتبني حكما شموليا متشددا، وكذا قطيعتها مع الفصائل الميلشياوية بخلفياتها الجهادية الإسلاموية الطائفية، وبناء الحكم التشاركي المؤسساتي الذي يقوم على المواطنية والحقوق المدنية.
حصر أزمة السويداء بـ”الاستقواء بالخارج”!
وذلك لن يحدث طالما تنشغل السلطة أو تبدو مستغرقة في التمكين السياسي، وعدم الالتفات إلى ضرورة إلغاء الميلشيا كحالة أمنية وسياسية، والانتقال من الفوضوية والسيولة الأمنية إلى الدولة. ويضاف لذلك، خطاب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الذي يخلو من إدانة واضحة للميلشيات المتطرفة التابعة لـ”وزارة الدفاع السورية” المتورطة في الجرائم الطائفية والاعتداءات، ثم تقليص الأزمة أو بالأحرى حصرها عند دعاوى “الانفصال” و”الاستقواء بالخارج” في إشارة لإسرائيل، بما يعزز من سردية القوى الطائفية ويمنح للعنف مبرره وشرعية لاستمراره. وهذه الفلسفة التبريرية هي الأخرى متكررة كما في الحوادث السابقة واعتبار الهجمات على المدنيين العلويين تورطت فيهما “مجموعات متفلتة”.
التلكؤ في تحقيق “العدالة الانتقالية” يراكم ذاكرة سلبية مع السلطة التي يقودها الشرع، ويباعد بينه وبين المواطنين، ويضعف الثقة، خاصة مع غياب الحد الأدنى من التمثيل السياسي في ظل هذا الوضع العنيف المتكرر، والبيئة المرشحة لدوامات من الاستقطاب، والصدامات المدوية.
وكان الشرع، قد علق على الأحداث في السويداء بأنها تشكل انعطافة خطيرة، وزعم شنّ مجموعات مسلحة من السويداء “هجمات انتقامية” بحق البدو وعائلاتهم، وقال: “الدولة السورية تمكنت من تهدئة الأوضاع رغم صعوبة الوضع لكن التدخل الإسرائيلي دفع البلاد إلى مرحلة خطيرة تهدد استقرارها نتيجة القصف السافر للجنوب ولمؤسسات الحكومة في دمشق، وعلى إثر هذه الأحداث تدخلت الوساطات الأميركية والعربية بمحاولة للوصول إلى تهدئة الأوضاع.. مع خروج الدولة من بعض المناطق بدأت مجموعات مسلحة من السويداء بشن هجمات انتقامية ضد البدو وعائلاتهم، هذه الهجمات الانتقامية التي ترافقت مع انتهاكات لحقوق الإنسان دفعت باقي العشائر إلى التوافد لفك الحصار عن البدو داخل السويداء”، مشيرا إلى أن “الدولة وقفت إلى جانب السويداء بعد تحرير سوريا وحرصت على دعمها إلا أن البعض أساء للمدينة ودورها في الاستقرار الوطني”.
وهاجم الشرع ما وصفه بـ”الاستقواء بالخارج واستخدام بعض الأطراف الداخلية للسويداء كأداة في صراعات دولية لا يصب في مصلحة السوريين بل يفاقم الأزمة”، مشددا على أن “الدولة السورية هي وحدها القادرة على الحفاظ على هيبتها وسيادتها في كل بقعة من الأراضي السورية، وأن على الجميع أن يتفهم أن هذه اللحظة تتطلب وحدة الصف الكامل من أجل تجاوز ما نمر به جميعا والحفاظ على بلدنا وأرضنا”.
وختم حديثه قائلا: “الأحداث الأخيرة أثبتت خلال الأشهر الماضية أن أبناء السويداء بجميع أطيافهم يقفون إلى جانب الدولة ويرفضون مشاريع التقسيم.. الدولة السورية تلتزم بحماية الأقليات والطوائف كافة في البلاد وهي ماضية في محاسبة جميع المنتهكين، نتبرأ من جميع الجرائم والتجاوزات التي جرت سواء كانت من داخل السويداء أو خارجها ونؤكد على أهمية تحقيق العدل وفرض القانون، في هذا الظرف الحساس تبرز الحاجة الماسة إلى تغليب صوت العقل والحكمة وفتح المجال أمام العقلاء والحكماء.. الوقائع تؤكد أن سوريا ليست ميدانا لتجارب مشاريع التقسيم أو الانفصال أو التحريض الطائفي، وأن قوة الدولة السورية تنبع من تماسك شعبها ومتانة علاقاتها الإقليمية والدولية وترابط مصالحها الوطنية”.

إذاً، لا يبدو المشهد في السويداء رغم إعلان الشرع عن وقف إطلاق النار وتصريحه “بحماية الأقليات ومحاسبة المنتهكين”، وضعا نهائيا، إذ تندلع الاشتباكات بين الحين والآخر، وحدثت خروقات للاتفاق، وقد قضى نحو 1017 شخصا خلال الأيام الأخيرة من جميع الأطراف، بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، بينما قالت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، إنها وثقت مقتل 321 شخصا من 13 حتى 18 تموز/يوليو الحالي.
وفي حين أحصت “الأمم المتحدة” نزوح 87 ألفا داخل السويداء وإلى محافظة درعا، يبعث انقطاع الإنترنت مخاوف جمّة نتيجة ما قد يتسببه من تعتيم أو تعمية على ما قد يجري في المناطق الدرزية من انتهاكات، حيث أحصى “المرصد” مقتل 336 مقاتلا درزيا و298 مدنيا من الدروز، بينهم 194 “أُعدموا ميدانيا”.
يضاف لذلك، إلحاح “الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز”، مطلع الأسبوع، على ضرورة “الوقف الفوري لكافة الهجمات العسكرية”، وسحب جميع القوات التابعة لـ “حكومة دمشق”، من جيش وأجهزة أمنية وميليشيات، من محيط جبل العرب وكافة بلداته وقراه.
وجاء في بيانها أن هذا الطلب إنما يتأتى “في ظل الأحداث الأليمة والمأساوية التي عصفت بأبناء الطائفة المعروفية وبعد المجازر المروعة التي ارتكبت بحق المدنيين الأبرياء”، مشددة على “ضرورة توفير خدمات الإنترنت والاتصالات بشكل عاجل لضمان تواصل الأهالي، تمهيدا لعملية تبادل والإفراج الفوري عن الموقوفين، على أن تتم هذه العملية بضمانة الدول الراعية للاتفاق”.
وتابعت أن “تنفيذ العملية يجب أن يتم اليوم، عند الساعة السادسة مساء، في ساحة قرية أم الزيتون”، بغرض تأمين عودة جميع المختطفين سواء من النساء أو الأطفال أو الرجال سالمين إلى ذويهم.
تحوّل في لهجة واشنطن تجاه سلطة الشرع
من جهته، طالب وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، اليوم الأحد، دمشق بضرورة استخدام قواتها الأمنية لجهة منع “الجهاديين العنيفين” من دخول السويداء و”ارتكاب مجازر”.
وغرد على موقع التواصل الاجتماعي “إكس“: “ظلت الولايات المتحدة منشغلة بشكل كبير خلال الأيام الثلاثة الماضية مع إسرائيل والأردن والسلطات في دمشق بشأن التطورات المروعة والخطيرة في جنوب سوريا. يجب أن تتوقف عمليات اغتصاب الأبرياء ومجازرهم التي وقعت وما زالت مستمرة”.
كما شدد مفوض “الأمم المتحدة” السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مجددا على أهمية وقف إراقة الدماء والعنف في محافظة السويداء السورية، مطالبا ببناء سوريا جديدة تعمل من أجل جميع أبنائها، متساوين في الكرامة ودون تمييز.
وبحسب مركز إعلام “الأمم المتحدة”، فقد صرح تورك بأن حماية جميع السوريين ينبغي أن تحظى بالأولوية القصوى، وشدد على ضرورة أن تضمن السلطات الانتقالية المساءلة والعدالة عن عمليات القتل وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المدينة الجنوبية.

وكشف المفوض السامي عن تلقيه تقارير موثوقة بخصوص انتهاكات وتجاوزات واسعة النطاق، تضمنت عمليات إعدام بإجراءات موجزة وقتل تعسفي، وعمليات خطف، وتدمير ممتلكات خاصة، ونهب منازل، وأنه من الضروري اتخاذ خطوات فورية لمنع تكرار مثل هذا العنف.
كما دعا السلطات السورية المؤقتة إلى نشر نتائج تحقيقات اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في أعمال العنف التي شهدتها المناطق الساحلية في وقت سابق من هذا العام، وأضاف “أن إجراء تحقيقات نزيهة وشاملة في أعمال العنف الأخيرة من شأنه أن يعزز عملية العدالة الانتقالية الجارية على نطاق أوسع، بما يضمن المساءلة عن الانتهاكات والتجاوزات السابقة، ويستحق السوريون الحقيقة والمساءلة وضمانات عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات”.
وقال تورك إن سقوط النظام السابق شكل لحظة أمل للسوريين بمستقبل أفضل قائم على حقوق الإنسان، مشددا على أنه من مسؤولية السلطات الانتقالية “إثبات أن هذا الفصل سيكون عنوانه الحقوق والعدالة والحماية المتساوية للجميع”.
السلاح المتفلت والمنتشر بيد أفراد وجماعات ميلشياوية تابعة أو تساند السلطة الانتقالية ووزارة الدفاع، يؤزم الأوضاع الأمنية على نحو خطير، ويهدد الاستقرار والوحدة الوطنية.
وكانت “الأمم المتحدة” قد حذرت أول أمس، الجمعة، من استمرار الاشتباكات العنيفة في محافظة السويداء جنوب سوريا، ما بين قوات أمن وعناصر مسلحة للسلطات المؤقتة وعناصر مسلحة من المنطقة من الدروز والبدو.
وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رافينا شمداساني إن “هناك تقارير موثوقة عن “انتهاكات واسعة النطاق، وإعدامات وقتل تعسفي واختطاف وتدمير الممتلكات الخاصة ونهب المنازل” في مدينة السويداء.
“لن تُبنى سوريا دون قطيعة مع الميليشيات”
بالتالي، تبدو عملية وقف إطلاق النار بمثابة هدنة مؤقتة وهشّة في ظل غياب الثقة، والمشاعر المتخمة بالغضب والامتعاض جراء ما جرى من أحداث عنف همجية.
من ثم، تبطن الحالة الطائفية المأزومة وتجلياتها في الصدام الميلشياوي العسكري، مأزقا سياسيا واقعيا وأزمة تعاني تبعاتها المتكررة السلطة الانتقالية وتظهر أعراضها في السويداء كما في الساحل وكذا جرمانا وأشرفية وصحنايا. حيث إن تكرار الحوادث يفضح معه عواض الأزمة في داخل السلطة التي لا تذهب باتجاه تجريم التحريض الطائفي والذي يأخذ طابعا رسميا أو شبه رسمي في أحايين كثيرة، وتراوح كل مرة المكان ذاته وتبحث عن الطرف الذي بدأ الصراع، وتلقي باللائمة على الآخر في محاولة لأبعاد نفسها عن المسؤولية، الأمر الذي يحتاج أن يكون هناك توجها واضحا بشأن تصفية الحالة التعبوية والاستقطابية الحادة.
كما أن السلاح المتفلت والمنتشر بيد أفراد وجماعات ميلشياوية تابعة للسلطة الانتقالية ووزارة الدفاع أو التي تساندها مثل العشائر العربية، يؤزم الأوضاع الأمنية على نحو خطير، ويهدد الاستقرار والوحدة الوطنية، ويضاعف من سيطرة فاعلين خارجيين على المشهد المحلي، لا سيما في الانشغال التام وعدم الانتباه إلى ضرورة عن بناء مؤسسات أمنية عسكرية تدشن لقطيعة مع الماضي الجهادي الطائفي المذهبي الذي يتبنى عقيدة أو فكرة جماعة على حساب الدولة والمواطنة.
وإلغاء الحالة التمييزية يكون بهذا البناء المؤسساتي وهويته الوطنية، كما يتموضع في خطاب وممارسات وسياسات السلطة على نحو مغاير ومنفتح؛ فلا تصبح الفصائلية بحدودها العقائدية هي المتحكمة في الدولة، فتتعامل وفق رؤية الجماعات الفئوية وأفقها المتخيل سواء كان دينيا أو قوميا، وتعمد إلى النبذ والإلغاء والتهميش.
كما أن التلكؤ في تحقيق “العدالة الانتقالية” يراكم ذاكرة سلبية مع السلطة التي يقودها الشرع، ويباعد بينه وبين المواطنين، ويضعف الثقة، خاصة مع غياب الحد الأدنى من التمثيل السياسي في ظل هذا الوضع العنيف المتكرر، والبيئة المرشحة لدوامات من الاستقطاب، والصدامات المدوية، وذلك ما برز مع تباطؤ نتائج التحقيق في الهجمات التي جرت بحق العلويين بالساحل، وهي النتائج التي أعلن عن وصول بيان كامل بها في ذروة أحداث الدروز، بما يجعل ظهورها المباغت في سياق توتر جديد أمرا كاشفا عن محاولات ترميم أو استعادة جانب من الثقة بشأن قدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق “العدالة الانتقالية” وربما التغطية أو التشويش على صخب العنف الدموي والمدوي في الجنوب السوري.
بالمحصلة لن تأخذ العدالة مساراتها السليمة طالما في ظل تسيد عقل الجماعة على الدولة، بكل ما يترتب عليه من سياسات على مستوى الخطاب والممارسة، فضلا عن عدم مثول المتورطين في الجرائم الموثقة بمقاطع فيديو إلى المحاكمات ووضعهم في نطاق القانون والمحاسبة، ناهيك عن سرعة مسار العدالة الذي تتسارع وتيرته في لحظة الأزمة، فقط، كما مع تقرير الساحل الذي برز راهنا وليس في أي وقت آخر!

