تحت دوافع طائفية.. نزوح قسري واستيلاء على الأراضي يطال قرى ريف حماة

تحت دوافع طائفية.. نزوح قسري واستيلاء على الأراضي يطال قرى ريف حماة

لم يعد سكان عشرات القرى في ريف حماة قادرين على العودة إلى بيوتهم أو حقولهم، بعد الاستيلاء على أراضيهم، ومنازلهم، ما أسفر عن عمليات نزوح قسري، في ظل غياب لأي سلطة قادرة على فرض الأمن.

شهادات الأهالي كشفت عن طرد تحت تهديد القتل، ومجازر أودت بحياة العشرات، تحت دوافع طائفية فيما تبرز أسماء شركات استثمارية مثل “اكتفاء” في خلفية المشهد، وسط اتهامات بأنها تستفيد من غياب السكان لإحكام قبضتها على الأراضي.

تهجير 23 قرية بدوافع طائفية

على مدار الأشهر الفائتة، وثقت تقارير اعلامية تهجير سكان أكثر من 23 قرية بريف حماة الشرقي والشمالي مع اضطرار السكان المحليين تلك القرى لترك كل ما يملكونه من مقتنيات زراعية ومواشي وغيرها ومنها: قرى أرزة، والعزيزية وكفر عقيد والربيعة ونهر البارد وعين الكروم، بحسب تقرير لموقع “روزنة” السوري.

وقال التقرير إن “هذه الأعمال تُرتكب من قبل عناصر فصائلية مسلحة، في ظل غياب سلطة الدولة القادرة على حماية مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم، وتتزامن هذه الأحداث مع أحاديث عن دور لـ ‘شركة اكتفاء’ في عمليات التهجير والاستيلاء على الأراضي”.

تهجير كفر عقيد

عمليات التهجير التي طالت العديد من القرى والبلدات، من بينها كفر عقيد الواقعة في سهل الغاب بريف حماة والتي تحوي حوالي الـ 20 منزلا، حيث بدأت تظهر حالات انتهاكات ضد القاطنين في هذه المناطق، عقب سقوط نظام الأسد، لأسباب طائفية خاصة أن بعض أبناءها كانوا منخرطين في صفوف قوات الأسد أو الميليشيات الموالية له.

وتنقل روزنة، عن وليد وهو اسم مستعار وأحد المهجرين من قرية كفر عقيد، أن سكان قرية كفر عقيد دفعوا للنزوح. بعد أن تعرضت القرية لـ إطلاق النار العشوائي وسرقات بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول/ديسمبر 2024.

قمت بمقاومة كل تلك التصرفات حتى أتوا وطردوني من منزلي، ثم خرجنا من منزلنا بثيابنا فقط”، مؤكداً أنه أُجبر على ترك منزله وممتلكاته تحت تهديد السلاح والقتل. ويضيف، لم نعد نملك القدرة على التحمل، أخاف على عائلتي من التصفية، ولدي أطفال ما زالوا صغارا.

وليد اسم مستعار – أحد سكان كفر عقيد

في حين نفت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حماة، بتاريخ 17 آب/أغسطس الجاري، وجود أي عمليات تهجير ممنهجة ضد سكان قرية كفر عقيد من قبل عناصر الأمن. وادعت في تصريح لوسيلة إعلام محلية، أن ما جرى هو مغادرة بعض الأهالي لقريتهم طوعا بحثا عن فرص عمل وظروف معيشية أفضل، بحسب روزنة.

قرية أرزة

وتضيف روزنة، أن حدث في قرية كفر عقيد يتشابه في نتائجه مع ما حصل في قرية أرزة، حيث هُجّر سكانها بالكامل في 7 آذار/مارس الماضي. ويبرز الفارق الوحيد في أن قرية أرزة تعرضت لمجزرة بحق سكانها، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصا.

ونقل موقع “صوت سوري” عن محمد (40 عاما – اسم مستعار)، وهو من أبناء قرية أرزة في ريف حماة الشمالي، شهادته عن أحداث السابع من آذار/مارس الماضي، حيث قال: ‘جمعوا الرجال عند دوّار القرية، ووجهوا لهم إهانات لفظية وجسدية وشتائم ذات طابع طائفي، ثم أعدموهم بشكل جماعي’.

وتابع محمد وصف الأحداث قائلا: ‘عندما انتهى الجناة من قتل هذه المجموعة، ربطوا الجثامين بالسيارات وجرّوها حتى المبرّة، ثم تركوها هناك’.

قرية العزيزية

قرية العزيزية الواقعة شمال سهل الغاب، هي الأخرى طال التهجير أكثر من نصف سكانها، “ويتراوح عددهم بين 400 و500 نسمة، ولكن ولم يبق منهم سوى العشرات، وهم الفقراء جدا وليس لديهم أقارب خارج القرية يغادرون للسكن لديهم”، بحسب شهادة أحد السكان.

ويقول أحمد وهو أحد سكان القرية، أن قرية العزيزية منكوبة، مضيفا في حديثه لـ “روزنة” أنه “بعد عمليات قتل واستهداف وإهانة على مدى أشهر، نزح القسم الأكبر من السكان وأُجبر آخرون على المغادرة”.

ويشير أحمد إلى أن من بقي من السكان يعيش خوفا يوميا، نتيجة عدم قدرته على مغادرة منزله لسوء وضعه المادي وانتشار الفقر والبطالة في أغلب تلك القرى.

ويوضح أحمد أن عائلته تركت محاصيلها الزراعية (زيتون، فستق، خضروات) ومواشيها عنوةً عنها بعد تهديدات طالتهم، وأن حالتها تتشابه مع عائلات أخرى خرجت ‘بثيابها’.

وبحسب مصادر أهلية من قرى ريف حماة، قالت لـ “روزنة”، إنّ عمليات التهجير اليوم تتم بدوافع طائفية، حيث يستولي بعض أفراد من القرى المجاورة، بمساعدة عناصر مسلحة، على الأراضي الزراعية لسكان القرى ذات الأغلبية العلوية.

تهجير قسري

وبحسب المحامي تحسين حسن، فإن ما جري في ريف حماة، من عمليات تهجير واستيلاء على الممتلكات يندرج وفق قانون العقوبات السوري لعام 1949، تحت ‘بند جريمة غصب عقار’. وتتراوح عقوبة هذه الجريمة بين 6 أشهر وعام في حال كان هناك تهديد بقوة السلاح.

مضيفا، أن “تهجير سكان قرية ما بشكل قسري، سواء بالتهديد أو باستخدام القوة، ‘يُعد جريمة تهجير قسري’ نصت عليها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.

ما علاقة شركة “اكتفاء”؟

موقع “سيريا ريبورت”، أشار في تقرير له في نيسان/أبريل الفائت، إلى أن “شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي”، عرضوا على المهجرين من قرى ريف حماة توقيع عقود تأجير أراضيهم لمدة سنتين، أو بيعها بسعر 1000 دولار للدونم الواحد.

وفقًا لمصادر موقع ‘سيريا ريبورت’، عُقد مطلع نيسان/أبريل الماضي، اجتماع مغلق في مكتب يونس فارس ‘أبو اليمان’، القيادي في هيئة ‘تحرير الشام’ والذي عُين مديرا لمنطقة ريف حماة الشمالي. وتناول الاجتماع مسألة الاستثمار في أراضي السكان الغائبين.

في المقابل، تشرف “لجنة اقتصادية” تابعة للمحافظة على وضع اليد على أملاك الغائبين من سكان المنطقة، وفق ما ذكر موقع ‘سيريا ريبورت’.

ونفى الموقع، نقلا عن مصادر من داخل المحافظة (لم يسمها)، وجود أي علاقة رسمية للمحافظة بهذا الملف.

وأشار التقرير إلى أن موضوع استثمار أراضي قرى ريف حماة ليس مؤكدا ما إذا كان يجري تحت إشراف رسمي من محافظة حماة، أم من قبل قوى الأمر الواقع.

بينما نقل، عن عدد من المهجرين أنّ شركة تدعى (اكتفاء للاستثمار الزراعي) بدأت مؤخرا بتوقيع عقود استثمار وتأجير لأراضيهم الزراعية مع أشخاص غرباء عن المنطقة ولمدة سنتين، دون أي إذن أو تنسيق مع أصحاب الأراضي الأصليين، الذين لم يسمح لهم حتى بزيارة قراهم، وهذا ما نقله أيضا “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.

وأكد المرصد، أن عمليات الاستيلاء طالت قرى عديدة، منها: الشهيب والشهبا وتل عبد العزيز ونوى والشيخ علي كاسون ومريود والمبطن ومعان والفانات والزغبة والطليسية والطوبا وأم قلق والشيحة والرويف، وذلك بالتوازي مع سقوط النظام السابق.

كيف ردت “إكتفاء”؟

من جهتا قالت روزنة، إنها تواصلت مع شركة “اكتفاء للاستثمار الزراعي”، للحصول على رد حول اتهامها في تهجير السكان، إلا أن الشركة نفت بشكل قاطع وجود أي عمليات تهجير، مؤكدة أن ما يُشاع بهذا الخصوص “عار تماما عن الصحة”.

وأوضحت الشركة لروزنة، التي تحفظت على ذكر اسم مصدرها، أنها كيان مرخص يعمل بموجب القوانين والأنظمة، وتقتصر مهمتها على إدارة واستثمار الأراضي الزراعية بما يخدم المصلحة العامة.

وأضافت أن عملها ينحصر في الحفاظ على الأراضي التي تعود لـ “أشخاص غير موجودين ومغيبين” وحمايتها من السرقة والجفاف عبر كادر فني مختص.

كما صرحت الشركة بأنها تصادر الأراضي فقط من “رؤوس الإجرام في النظام السوري البائد” بموجب قرار رسمي، مشيرة إلى أنه في حال عودة المالك وتسوية وضعه، يمكنه استرداد أرضه بقرار قضائي يكفل حقوقه بالكامل.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم