لم يتبق سوى أقل من شهر على إجراء الانتخابات النيابية العراقية، وهي ذات أهمية سياسية كبيرة في البلاد، كونها تنتج عن البرلمان الجديد، ومنه يتم اختيار رئيس الجمهورية إضافة إلى رئيس الحكومة، والأخير هو المنصب الأهم، ولذا ومع اقتراب الموعد المنتظر، ثمة صراع شرس يشهده البيت الشيعي بين رئيس الحكومة محمد شياع السوداني وبقية التكتلات السياسية الشيعة، فالأول يقاتل بكل قوة لأجل ولاية ثانية، بينما الواقع يشير إلى صعوبة الأمر.
واقعيا، أسّس السوداني تحالفا سماه “الإعمار والتنمية” ليدخل به السباق الانتخابي بطموح الفوز بأعلى المقاعد لكي تكون بين يديه ورقة ضغط قد تساعده بنيل الولاية الثانية على رأس حكومة العراق، لكن كافة المعطيات والترجيحات القادمة من كواليس القرار، تشير إلى أن فرص السوداني تبدو ضئيلة، بل بعض الجهات وضعت عليه “بلوك”، وهذا الـ “بلوك” يرتكز على صراع داخلي وعزلة دولية تفاقمت وتجاوزت الخطاب السياسي لتصل إلى الاقتصاد، فما القصة؟
“ربيتَك صغيرون حسن ليش انكَرِتْني”.. السوداني وصراع كسر العظم مع المالكي
بالعودة إلى تنصيبه رئيسا للحكومة العراقية قبل 3 أعوام تقريبا، فالكل يتذكر أن وصول السوداني جاء بدعم من قبل “الإطار التنسيقي” الذي يضم القوى الشيعية المقربة من إيران، والتي شكلت هذا “الإطار” لتقف بأجمعها ضد زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، الذي أراد تشكيل حكومة أغلبية من دون قوى “الإطار”.
آنذاك، تم دعم السوداني بقوة من معظم قوى “الإطار”، لا سيما كتلته السابقة التي كان عضوا فيها “ائتلاف دولة القانون” الذي يتزعمه رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، فضلا عن “صادقون” و”بدر” والبقية، لكن وبعد نيله رئاسة الحكومة، لم يكن أحد ليتوقع أن يكون المالكي هو المعارض الأشرس لطموح السوداني بالولاية الثانية، حيث كانت العلاقة بينهما تتجاوز الحزبية، بل أن السوداني كان يعد بمثابة “الابن المدلل”، وهذا يتجلى من خلال سخاء المالكي بمنحه أكثر من 4 وزارات بالأصالة والوكالة طيلة فترة حكمه للعراق التي استمرت 8 أعوام.

علاقة السوداني والمالكي اليوم، يمكن تشبيهها بالأغنية الفلكلورية الشهيرة “ربيتَك صغيرون حسن.. ليش انكَرِتْني”، فالمالكي هو الأب الروحي للعملية السياسية في عراق ما بعد 2003 بكل سلبياتها وإيجابياتها، أما السوداني فهو “حسن” المدلل، الذي ما أن وصل لمنصب رئاسة الحكومة بدعم المالكي، حتى نكره وتمرد عليه، وهو سبب مهم دفع بزعيم “حزب الدعوة” لمعارضة منح الولاية الثانية للسوداني بعد الانتخابات 11 نوفمبر المقبل.
يرى المالكي، أن السوداني خالف توجيهاته ورؤيته لطبيعة المرحلة السياسية التي يجب أن تمضي بها حكومة محمد شياع، فالمالكي بطبعه معروف بأنه يميل للسيطرة على الوضع من الأعلى لكن السوداني لم يرضخ، وزد على ذلك، أن السوداني أصبح يستمد قوته من “عصائب أهل الحق” بقيادة قيس الخزعلي، وهي ميليشيا معروفة بولائها لإيران، ومصنفة على لائحة العقوبات الأميركية، فتحالف معها ضمنيا لكسب دعمها له سياسيا، وهذا يعني أنه خلع رداء “دولة القانون” و”الدعوة”، أي انشق عن المالكي.
في فترة حكومة السوداني، بات لافتا أن “العصائب” لها القرار بشكل كبير، والنفوذ وصل إلى مستويات واسع، حتى أن مكتب رئيس الحكومة الإعلامي، يديره إعلامي محسوب على “العصائب”، وهذا ما نددت به الصحافة الأميركية في أوقات سابقة، وهو ما قد يفسر ابتعاد واشنطن عن بغداد في فترة ولاية السوداني، لأنها باتت تنظر إلى الحكومة بأنها تابعة لطهران.
المالكي القريب من إيران، هو أيضا كان في فترة ما قريبا من أميركا، وبعبدا عن ميله العقائدي أو المذهبي لإيران، إلا أنه ليس مع خسارة العلاقة بواشنطن أو المجتمع الدولي لأجل طهران، بل يميل إلى العلاقات المتوازنة، وانتبه جيدا إلى أن حكومة السوداني أصبحت معزولة دوليا ومحسوبة بالكامل على إيران من قبل واشنطن، وهو سبب آخر يدفعه لرفض التجديد للسوداني.
في الكواليس، يرى الخبراء والمراقبين للمشهد السياسي العراقي، أن المالكي يدفع هذه المرة باتجاه أن يكون رئيس الوزراء المقبل مُقربا من الولايات المتحدة لإنهاء العزلة وإعادة الانفتاح على المجتمع الدولي، وتذهب التحليلات إلى أن المالكي يميل لإعادة رئيس الحكومة السابقة مصطفى الكاظمي أو اختيار السياسي عدنان الزرفي لتولي قيادة الحكومة المقبلة، فهما من يمكنهما موازنة الكفة مع واشنطن.
استغلالٌ للسلطة وفشلٌ في أهم الاختبارات.. نقمة داخلية وعزلة مع واشنطن!
بعيدا عن صراع المالكي مع السوداني، فإن الأخير يواجه نقمة واضحة من الأحزاب السياسية المختلفة، لاستغلاله بحسبها ومن خلال منصبه وسلطته ونفوذه، مقدرات وموارد الدولة المادية في حملته الانتخابية المقبلة، وتقديمه كتب شكر وتعيينات، وهو ما يتعارض مع الوثيقة الانتخابية التي اتفقت الرئاسات العراقية (الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة مجلس النواب، ورئاسة مجلس القضاء الأعلى) في 18 أغسطس الماضي، على شروط “صارمة” تُلزم الوزراء والمسؤولين الحكوميين والأحزاب والمرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة بعدة ضوابط لضمان نزاهة الانتخابات.
وما زاد من حجة تلك الأحزاب، هو كتاب صادر من رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، أكد فيه بوجود خرق للوثيقة التي تم الاتفاق عليها في اجتماع الرئاسات لضمان النزاهة والشفافية في الانتخابات النيابية المقبلة، وذلك “عبر منح كتب شكر الى آلاف الموظفين في دوائر الدولة بعد 3 أيام من التوقيع على محضر الوثيقة الانتخابية”، علما أن كتب الشكر للموظفين هي من مسؤولية رئيس الحكومة، وبالتالي فإن هذا الكتاب أكد على وجود خروقات واستغلال للنفوذ من قبل السوداني وإن لم يتم الإشارة إليه صراحة، وفقا لمراقبين للشأن السياسي العراقي.

ويتفاقم الغضب السياسي من السوداني أيضا، بسبب سياسات الحكومة التي أثقلت كاهل الخزينة والموازنة المالية، مما أدى إلى شبه عجز اقتصادي، وفي هذا الإطار، يحذر سياسيون وخبراء الاقتصاد، من أن رئيس الوزراء الذي سيخلف السوداني، ربما قد لا يستطيع توفير رواتب الموظفين بعد فترة وجيزة من وصوله لمنصبه، وذلك بسبب التدهور المالي الذي أحدثته الحكومة والصرف الطائل بتريليونات الدينارات على مشاريع لا تتناسب مع الأرقام المصروفة عليها.
واقتصاديا أيضا، فشل السوداني في تنفيذ برنامج الإصلاح المصرفي الذي وضعته واشنطن بالتعاون مع البنك المركزي العراقي إبان الأشهر الأولى من وصوله لرئاسة الحكومة، بهدف وقف تهريب الدولار إلى إيران عبر مصارف خاصة خاضعة للعقوبات الأميركية، مما أبقى القطاع المالي في خانة الاتهام، وهذا الفشل عزز من قناعة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأن الحكومة العراقية متعاونة مع طهران، وبالتالي ذهب لإهمال الملف العراقي من سياساته.
التمرد على المالكي، والفشل في الاختبارات الأميركية، والقرب من جماعات إيران، واستغلال المنصب في الحملة الانتخابية، والعجز المالي، عوامل تجعل مسعى الولاية الثانية في مهب الريح.
ورغم محاولات السوداني بناء علاقات متوازنة، إلا أن علاقته الوثيقة بالقوى المقربة من إيران قضت على تلك المحاولات، حيث ترى واشنطن أن الحكومة الحالية تابعة بالكامل لإيران، وما يؤكد على رؤيتها، هي عدة حوادث منها ما ذكرناه من استمرار تهريب الدولار لطهران، وما تم الكشف عنه، من استخدام شركة تسويق النفط العراقية الرسمية “سومو” لتهريب النفط الإيراني بخلطه مع النفط العراقي، في خرق واضح للعقوبات الأميركية.
كل تلك الأمور، جعلت أميركا تتعامل بجفاء لافت مع العراق، وهذا ما يتضح من خلال التراجع الدبلوماسي والعسكري، إذ قامت واشنطن منذ أشهر وجيزة بسحب قواتها من قواعدها العسكرية في البلاد ونقلها إلى إقليم كردستان بشكل مفاجئ، وأما دبلوماسيا، فإن إدارة ترامب لم تُعين سفيرا في بغداد منذ نهاية حقبة السفيرة السابقة ألينا رومانوسكي قبل أكثر من عام، واكتفت بالقائم بالأعمال، مما يشير إلى تقليل مستوى التمثيل الدبلوماسي والتعاون الاستراتيجي.
وبحسب ما يتم تداوله في الكواليس السياسية، فإن السوداني سعى مؤخرا للقاء ترامب بهدف تصحيح ما يمكن تصحيحه، لكنه لم يفلح بذلك، بل وجد نفسه في عزلة دولية، فكان الوحيد تقريبا من بين القادة العرب الذي لم يحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة (الدورة 80) في نيويورك وبالتالي عدم اللقاء بترامب مقارنة بنظرائه العرب الذين التقى بهم الرئيس الأميركي، بل أنه حتى رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد الذي مثّل العراق في اجتماعات الجمعية العمومية كان وجوده هامشيا، ولا وزن له، حيث لم يلتقِ مع قادة الغرب، واقتصرت لقاءاته بالرؤساء العرب والإقليميين.
في النهاية، ومع اقتراب موعد الاقتراع المنتظر، يجد شياع السوداني نفسه اليوم محاصرا بين طموح رئاسي يواجه تمرد المالكي، وبين عزلة دولية غير مسبوقة مدعومة بدلالات مادية عن التبعية الاقتصادية والنفطية لإيران، ولذا يبدو المؤشر واضحا، “بلوك” سياسي داخلي وخارجي على الولاية الثانية، ويقضي بانتهاء زمن رئيس الوزراء الحالي، وأما الرهان الآن فهو تجاه شخصية قادرة على كسر دائرة العزلة وإعادة بناء الجسور مع واشنطن والمجتمع الدولي، وهو ما يفسر رواج أسماء مثل الكاظمي والزرفي في كواليس القرار العراقي.

