حرب الناقلات في مضيق هرمز.. تحول جديد في مسار الحرب

حرب الناقلات في مضيق هرمز.. تحول جديد في مسار الحرب

بعد قرابة أسبوعين من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، التي لا تزال بلا أفق واضح للنهاية، يبدو المشهد مختلفاً عما كان عليه في أيامها الأولى، حين افتتحت المواجهة باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة الصف الأول في النظام الإيراني.

جاءت الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران، بعد أشهر من المفاوضات المتعثرة، سبقتها ضربة إسرائيلية استهدفت المحطات النووية الإيرانية في منتصف العام الماضي، ورغم دخول واشنطن لاحقاً على خط التهدئة، فإن تلك المساعي لم تصل في النهاية إلى بر الأمان.

لكن بعد نحو أسبوعين، يبدو أن مشهد الحرب لم يعد يقتصر على الملف النووي الذي شكّل نقطة البداية للهجمات الأميركية-الإسرائيلية، إذ كانت تل أبيب ترى أن امتلاك إيران قنبلة نووية سيشكّل تهديداً للمنطقة، غير أن تداعيات الحرب باتت اليوم تهدد الاقتصاد العالمي ككل إذا لم تنتهِ مبكراً.

انتقال الصراع إلى الساحة الاقتصادية

لم يعد جوهر الصراع اليوم محصوراً في الملف النووي بقدر ما انتقل تدريجياً إلى ساحة الاقتصاد، وتحديداً إلى تجارة النفط والغاز.

ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز 11 آذار/مارس 2026. (رويترز)
ناقلات نفط تبحر في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز 11 آذار/مارس 2026. (رويترز)

ومع هذا التحول، تبرز أهمية مضيق هرمز بوصفه شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، إذ تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية تمر عبره، ما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

تشير التقديرات إلى أن نحو 17 إلى 21 مليون برميل من النفط تعبر المضيق يومياً، وهو ما يعادل تقريباً خُمس الاستهلاك العالمي للنفط. كما يمر عبره أيضاً نحو 20 إلى 25 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

أهمية مضيق هرمز

ويعد المضيق المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط من دول الخليج: السعودية، العراق، الكويت، قطر، الإمارات العربية المتحدة، وإيران، هذه الدول تصدّر الجزء الأكبر من نفطها عبر الخليج ثم تمر الناقلات عبر المضيق إلى بحر العرب ومنه إلى الأسواق العالمية.

كما أنه نقطة حساسة بسبب ضيق الممر نسبياً، حيث يصل عرضه إلى حوالي 3 كم لكل اتجاه، لذا فإن أي توتر عسكري أو إغلاق مؤقت يمكن أن يؤثر على أسعار النفط العالمية، وإمدادات الطاقة لأوروبا وآسيا، حركة التجارة البحرية، لهذا السبب يُعتبر المضيق أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم.

إلا أن الأزمة المُلحّة اليوم للعديد من الدول، هي عدم معرفة الخط الزمني لهذه الحملة العسكرية، فقد أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اتصال عبر الفيديو مع قادة مجموعة السبع موقفا أكثر حذرا حيال المعطيات المتداولة بشأن تحركات إيران في المضيق.

كما دعا الرئيس الفرنسي، نظيره الأميركي إلى توضيح أهدافه النهائية في هذا الصراع، قائلا إنه يتعين على ترامب أن “يوضح أهدافه النهائية والوتيرة التي يريد أن يمنحها للعمليات”.

المضيق وارتفاع الأسعار

العمليات العسكرية الأميركية -الإسرائيلية ضد إيران، وما تلاها من تحركات عسكرية إيرانية في جميع أنحاء الخليج العربي، أثرت على أسواق النفط والغاز الطبيعي.

مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، نشر مؤخرا تقريراً بعنوان: “تعطّل الملاحة في مضيق هرمز: التداعيات على التجارة العالمية والتنمية”، يتناول آثار الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها حركة الملاحة في المضيق، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

ورصد التقرير أسواق الطاقة، حيث ارتفع سعر “خام برنت”   إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل، كما ارتفعت أسعار شحن ناقلات النفط وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وتكاليف وقود السفن، ما يزيد تكاليف الشحن عبر سلاسل التوريد.

وأشار التقرير إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحراً -أي قرابة 16 مليون طن- يمر عبر المضيق، ما يثير مخاوف بشأن إمكانية حصول بعض أفقر الدول على الأسمدة.

ولفت التقرير أن الاقتصادات النامية قد تكون الأكثر تعرضاً للتأثر، إذ إن ارتفاع الديون وتكاليف الاقتراض يحدّ من قدرتها على امتصاص صدمات الأسعار الجديدة.

وقد أظهرت أزمات سابقة، مثل جائحة كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا، كيف يمكن لاضطرابات الطاقة والنقل والمدخلات الزراعية أن تنتشر بسرعة عبر الأسواق العالمية المترابطة.

10 ملايين برميل محتجز

ووفق تقديرات متداولة في أسواق النفط العالمية، فإن نحو 10 ملايين برميل النفط الخام لم يتمكن من عبور المضيق، في الوقت الذي لجأت فيه كل من السعودية والإمارات إلى تحويل النفط عبر خطوط أنابيب إلى نقاط تصدير بديلة بعيداً عن مضيق هرمز.

وتشير التقديرات إلى أن تعطل التصدير عبر مضيق هرمز، سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع حجم الإنتاج الذي جرى إيقافه فعلا في دول الخليج، إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً.

إلا أن “الوكالة الدولية للطاقة” تدخلت لتهدئة أسعار النفط عبر الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، في خطوة وصفها مختصون بأنها “أكبر عملية طرح” في تاريخ الوكالة، وذلك بعد مخاوف من توقف طويل الأمد لإمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج بسبب التوترات الجيوسياسية الراهنة.

فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة التابعة لمنظمة “التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي”، أكد في آخر تصريح له، أن الصراع في الشرق الأوسط له تأثير كبير ومباشر على أسواق الطاقة العالمية.

ومن الواضح إن النزاع العسكري بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، قد لا ينته قريباً، بالرغم من وعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تشير إلى اقتراب انتهاء الحرب.

وبالرغم من أن تقديرات تشير إلى أن إيران تمتلك القدرة لتعطيل حركة الملاحة التجارية في المضيق، عبر التهديد أو الاستخدام الفعلي للألغام والزوارق السريعة والغواصات وصواريخ كروز الساحلية والطائرات وغيرها من الأنظمة، إلا أن هناك إجماع بين المحللين على أن الجيش الأميركي قادر على مواجهة القوات الإيرانية واستعادة حركة الملاحة، إذا لزم الأمر، لكن ذلك سيستغرق بعض الوقت قد يصل لأسابيع أو أشهر.

حرب الناقلات

مع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها المضيق اليوم ليست وليدة اللحظة، ففي ثمانينيات القرن الماضي شهد مضيق هرمز تصعيداً عسكرياً بحرياً عُرف بـ “حرب الناقلات”.

ويُطلق هذا المصطلح على مرحلة من المواجهة خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، حين بدأ الطرفان استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي، ولا سيما في الممرات البحرية القريبة من المضيق، في محاولة للضغط اقتصادياً على الخصم وتعطيل صادرات الطاقة في أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

ومع تزايد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط في الخليج، آنذاك، طلبت الكويت حماية دولية لناقلاتها، وعلى إثر ذلك أطلقت الولايات المتحدة عام 1987 عملية عسكرية لحماية حركة الملاحة عُرفت باسم عملية “إرنيست ويل”.

وخلال هذه العملية تولّت البحرية الأميركية مرافقة ناقلات النفط في الخليج، بعد أن أُعيد تسجيل عدد منها تحت العلم الأميركي لتوفير حماية مباشرة لها، إلا أن مجريات الأحداث تطورات ووجدت الولايات المتحدة في وسط الصراع بعد استهداف فرقاطة أميركية وانفجار سفينة أخرى، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الرد عسكرياً.

الرد الأميركي جاء الرد عبر عملية واسعة أطلقت عليها واشنطن اسم عملية “براينغ مانتيس” في نيسان/أبريل 1988، وخلال هذه العملية دمرت البحرية الأميركية منصات نفط إيرانية كانت تُستخدم لأغراض عسكرية، كما أغرقت أو عطّلت عدداً من القطع البحرية الإيرانية.

وخلال سنوات “الحرب العراقية الإيرانية” تعرضت نحو 450 سفينة لهجمات مختلفة ضمن ما عُرف بـ”حرب الناقلات”، ما أدى إلى تضرر عدد كبير من ناقلات النفط وارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن البحري.

كما أثارت تلك الهجمات مخاوف جدية بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً أن معظم الصادرات النفطية من الخليج تمر عبر مضيق هرمز، وأدى هذا التصعيد البحري المتواصل إلى زيادة الضغوط الدولية لإنهاء الحرب، لتنتهي عام 1988، بعد 8 سنوات.

في نهاية المطاف، حرب الناقلات في الثمانينيات رفعت المخاطر البحرية، لكنها لم ترفع أسعار النفط كثيراً بسبب فائض الإنتاج العالمي آنذاك، بينما قد تكون الأسواق اليوم أكثر عرضة لأي اضطراب في مضيق هرمز، مما سيؤثر على المنطقة ككل وما سينتج عنه في ارتفاع المواد الأساسية، وتراجع اقتصاد دول تعتمد على النفط كصادر أساسي.

واشنطن تلجأ للاحتياطي

مع دخول الحملة العسكرية في يومها الـ13 دون أي مؤشرات على قرب انتهائها التي بدأت في 28 شباط/فبراير الماضي، قال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي تشاك شومر، إن الرئيس ترامب يتبع نصيحته باستخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

وأضاف شومر: “ترامب يفعل ما دعوت إليه قبل ثلاثة أيام، بعد أن تسبب بلا داعٍ في مزيد من الفوضى وعدم اليقين”، واتهم شومر ترامب بأنه “خلق مشكلات أكثر مما سيحلها القرار”، مشيراً إلى إغلاق مضيق هرمز والحرب غير محسوبة مع إيران.

وكان ترامب قد أعلن أنه سيستخدم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لخفض الأسعار، قائلاً: “سنستخدمه الآن قليلاً لخفض الأسعار، ثم سنعيد ملأه لاحقاً”، لكنه لم يحدد كمية النفط التي سيتم الإفراج عنها.

إلا أن الخبير في شؤون الطاقة بروس بولوك، مدير معهد “ماكغواير” للطاقة في جامعة “ساوثرن ميثوديست”، قال إن “اللجوء إلى الاحتياطي النفطي الأميركي يمكن أن يعوض نقص الإمدادات لفترة محدودة”.

وأضاف: “نحن نتحدث أساساً عن أسابيع، وليس عن أشهر من الإمدادات”، وأوضح أن الاحتياطي الذي يقدّر بنحو 400 مليون برميل من النفط الخام يشكّل حلاً مؤقتاً بانتظار اتضاح مسار الحرب.

وأشار إلى أنه إذا طال أمد الصراع أو استمر إغلاق مضيق هرمز، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى السحب من الاحتياطي بوتيرة أبطأ، أما إذا انتهت الحرب سريعاً، فقد يؤدي تدفق الإمدادات الإضافية إلى تراجع حاد في أسعار النفط.

وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من تحولات بدأت بحملة عسكرية هدفه الحد من قدرات إيران النووية، ثم توسعت لتشمل لبنان بعد اقحام حزب الله نفسه في الحرب وجر لبنان، لتصل الآن إلى مخاطر من أزمة اقتصادية بسبب مضيق هرمز، مما يجعل دول العالم اليوم بانتظار وضوح الرؤية بشأن المدى الزمني لهذه العملية العسكرية وأهدافها النهائية وما قد تأول إليه التطورات خاصة مع مخاوف من موجة لجوء إنساني قد تعصف بالمنطقة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم