لم تترجم الهدنة الأميركية- الإيرانية لمدة أسبوعين، إلى فتحٍ كامل وحقيقي لمضيق هرمز حتى الآن، والتي بدأت منذ الساعات الأولى ليوم الأربعاء الماضي، بل بدت الحركة البحرية عبر هذا الممر الحيوي أقرب إلى السماح المشروط والمرور الانتقائي منها إلى عودة طبيعية للتجارة العالمية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاتفاق وقدرته على ترجمة الوعود السياسية إلى واقع عملي على الأرض.
وقد أظهر تحليل لبيانات مستقاة من منصات متخصصة لتتبع السفن، نقلته وكالة “رويترز” للأنباء، أن ناقلة واحدة للمنتجات النفطية وخمس سفن لنقل البضائع الجافة فقط هي التي أبحرت عبر مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين المنصرمة، وذلك رغم إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
الحركة شبه متوقفة
تشير البيانات الواردة من شركات “كبلر” و”لويدز ليست إنتلجنس” و”سيغنال أوشن” إلى أن حركة المرور عبر المضيق لا تزال شبه متوقفة، مع تحركات قليلة منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، حيث بلغ متوسط عدد السفن المبحرة يومياً بضع سفن فقط، ذلك الرقم الضئيل يقارن بمتوسط 140 سفينة كانت تبحر يومياً عبر المضيق قبل بدء الحرب، وهو تراجع حاد يكشف حجم الأزمة التي يعيشها هذا الشريان الملاحي.

ويربط مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومتراً، إمدادات منتجي الخليج الرئيسيين مثل العراق والسعودية والكويت وقطر بالأسواق العالمية، ويمر عبره عادة نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً.
وإذ أعلنت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني عن وضع مسارات بديلة للملاحة عبر المضيق، بذريعة التحذير من “ألغام مضادة للسفن” في الممر الملاحي الاستراتيجي، لا تزال أعداد من ناقلات النفط تنتظر خارج المضيق للسماح لها بالعبور في ثاني أيام وقف إطلاق النار.
تصاريح إلزامية وتحذيرات عسكرية
أصدر “الحرس الثوري” بياناً مرفقاً بخريطة للمضيق، أوضح فيه أنه “نظراً للوضع الحربي في الخليج ومضيق هرمز، خلال الفترة من 9 آذار/مارس 2025 حتى 8 نيسان/أبريل 2026، واحتمال وجود أنواع مختلفة من الألغام المضادة للسفن في ممر الملاحة الرئيسي في المضيق، يُطلب من جميع السفن الراغبة في العبور الالتزام بإجراءات السلامة البحرية”، داعياً السفن إلى التنسيق مع قواته البحرية واستخدام مسارين بديلين من أجل ما وصفه بـ”المرور الآمن”.
في تطور يعكس استمرار سيطرة إيران على حركة الملاحة، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن البحرية الإيرانية أبلغت السفن الراسية قرب مضيق هرمز بضرورة الحصول على إذن مسبق لعبور الممر المائي الحيوي، محذرة من أن أي محاولة لعبور المضيق دون تصريح ستُقابل بالتدمير.
من جانبه، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده أن بلاده لن تعيد فتح المضيق إلا بعد توقف ما وصفه بـ”العدوان” الأميركي بشكل فعلي، مشدداً على أن إيران قادرة على تأمين مرور آمن للسفن عبر المضيق، وأن ضمان العبور الآمن يعتمد على “حسن نية” طهران وسلطنة عُمان.
ضغوط دولية لفتح غير مشروط
في السياق ذاته، دعا وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات، الدكتور سلطان أحمد الجابر، إلى ضرورة فتح مضيق هرمز بشكل كامل ودون أي شروط أو قيود، محذراً من التداعيات الاقتصادية العالمية المتزايدة لاستمرار القيود المفروضة على الملاحة.

وقال الجابر، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة لينكدإن، “هذه اللحظة تتطلب وضوحاً، فلنكن واضحين مضيق هرمز ليس مفتوحاً، والوصول إليه بات مقيداً، مشروطاً، وخاضعاً للسيطرة”.
وأكد أن “المضيق لم ينشأ أو يهندس أو يمول أو يشيد من قبل أي دولة، إنه ممر طبيعي تحكمه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حق العبور باعتباره حقاً أصيلاً، لا امتيازاً يُمنح أو يُحجب أو يُستخدم كسلاح”، مشدداً على أن “تسليح هذا الممر الحيوي، بأي شكل، أمر غير مقبول، إذ سيشكل سابقة خطيرة للعالم، تقوض مبدأ حرية الملاحة الذي يقوم عليه النظام التجاري العالمي، وفي نهاية المطاف استقرار الاقتصاد العالمي”
الأسواق ترتبك والنفط يعاود الصعود
على صعيد الأسواق، بدأت أسعار النفط في الارتفاع من جديد، بعد أن بات واضحاً أن مضيق هرمز لا يزال فعلياً مغلقاً، وكانت الأسعار قد تراجعت بشدّة يوم الأربعاء عقب الإعلان عن اتفاق وقف النزاع الذي تضمّن إعادة فتح المضيق، حيث انخفض خام برنت العالمي بنسبة 13 بالمئة إلى نحو 94.43 دولاراً للبرميل، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بأكثر من 15بالمئة إلى 95.75 دولاراً.
لكن سرعان ما عاودت الأسعار الصعود، مسجلة خام برنت العالمي نحو 97 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 97.02 دولاراً، مع تزايد الضغوط والتشكيك بقدرة الهدنة على تثبيت أوضاع الملاحة في المضيق.
وبينما يشير تحليل الأرقام إلى تراجع حركة الملاحة بنسبة تفوق 95 بالمئة عن مستويات ما قبل الحرب، يظل السؤال الأكبر حول موعد عودة مضيق هرمز إلى طبيعته كشريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية، الإشارات الإيرانية المتشددة، والدعوات الأميركية لحلفائها الأوروبيين للمساعدة في تأمين الملاحة، إلى جانب التحذيرات من أن استمرار الإغلاق شهراً إضافياً سيدفع أسعار النفط فوق حاجز المئة دولار، كلها عوامل ترسم مشهداً معقداً لمستقبل هذا الممر المائي الحساس، وتبقي الهدنة الهشة في مهب الريح.
- سوريا خارج “قائمة الإرهاب”.. هل تصبح دمشق شريكاً أمنياً للمنطقة والغرب؟
- من إيران إلى خليج عدن.. كيف تلتقي شبكات “الحوثيين” والقراصنة؟
- بعد 7 أشهر على الاتفاق.. ماذا تحقق في ملف عودة المهجّرين؟
- إسرائيل تخشى طموحات تركيا في سوريا ولا مبالاة واشنطن حيالها
- الباب الأميركي فُتح.. لكن هل تستطيع سوريا “استقبال الاستثمارات”؟

