انفجارات دمشق.. رسائل الدم المؤجلة فهل يدرك الشرع المخاطر؟

في المكان والتوقيت، حملت التفجيرات التي هزت العاصمة السورية دمشق أمس الثلاثاء، دلالات أمنية وسياسية تتجاوز حدود العبوات البدائية المستخدمة في الهجوم. فبينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعقد اجتماعاً مع رئيس السلطة الانتقالية السورية أحمد الشرع، أعاد دوي الانفجارات التذكير بالهشاشة الأمنية في سوريا بعد نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد.

هذا الاستهداف، الذي أسفر عن مقتل شخص وإصابة نحو 31 شخصاً بالقرب من مقر إقامة الرئيس الفرنسي، لا يمكن قراءته بمعزل عن التفجير الدامي الذي سبقه بأيام في مقهى شعبي بمنطقة الحجاز، وهي منطقة ملاصقة والممتدة جغرافياً إلى محيط التفجير الذي حدث؛ إذ تشير المعطيات الحالية إلى أن العاصمة السورية باتت مسرحاً لـ “رسائل ملغومة” وموقعة بالدم، تسعى أطراف متعددة من خلالها إلى فرض شروط وإيصال رسائل حاسمة للمجتمع الدولي وللسلطة الانتقالية على حد سواء.

بالنسبة للمراقبين الدوليين والطامحين للاستثمار في سوريا، تفرض هذه التطورات الميدانية إعادة تقييم جذرية لفرص الاستقرار في البلاد، إذ يضع هذا التصعيد الأمني قدرة المؤسسات السورية الجديدة على ضبط الأمن وحماية الوفود الدولية أمام اختبار حقيقي. كما يسلط الضوء على عمق الانقسامات البنيوية وصراع الأجنحة داخل تركيبة السلطة نفسها، ولا سيما التيارات المتشددة التي تحاول إجهاض مساعي الانفتاح الدبلوماسي الغربي على سوريا، وإعادة البلاد إلى مربع التوتر والفوضى الأمنية المستدامة.

رواية رسمية.. “رسائل إعلامية”

في محاولة لامتصاص الصدمة وتقليل حجم الاختراق، خرجت وزارة الداخلية السورية إلى وسائل الإعلام لتوضيح طبيعة الحادث، حيث أكدت الوزارة أن العبوات ناسفة بدائية الصنع تم زرعها يدوياً بواسطة أشخاص قبل دقائق معدودة من انفجارها، مشيرة إلى أن التحقيقات الجنائية وإدارة العمليات بدأتا بملاحقة الفاعلين. وبحسب هذه الرواية الرسمية، فإن الانفجار وقع خارج الطوق الأمني الذي فرضته قوى الأمن الداخلي لحماية الرئيس الفرنسي والوفد المرافق له.

عناصر أمن يتفقدون موقع الانفجارات قرب فندق في دمشق وسط انتشار أمني – رويترز

غير أن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في تصريح المتحدث باسم الوزارة نور الدين بابا كانت اعترافه المباشر بأن الغاية من هذه العبوات لم تكن استهداف شخصية أو موقع بعينه، بل كانت “غاية إعلامية وسياسية” تهدف بشكل مباشر إلى إفساد زيارة الرئيس الفرنسي، والحيلولة دون توقيع اتفاقيات استراتيجية مرتقبة بين باريس ودمشق.

يتقاطع هذا الاعتراف الرسمي مع قراءة الكاتب الصحفي سركيس قصارجيان، الذي أشار في تصريح لـ “الحل نت” إلى أن الجهة التي خططت ونفذت هذه العمليات تدرك جيداً أن قيمة الحدث لا تقاس بحجمه المادي. قائلاً: “لا أحد يخطط لاغتيال الرئيس الفرنسي أو الشخصيات المرافقة له عبر تفجير عبوات ناسفة في المحيط البعيد للفندق الذي يقيم فيه، أو حتى على الطرق الفرعية المؤدية إليه، بل إن الهدف الحقيقي هو إيصال رسالة سياسية مباشرة؛ إما إلى الرئيس الفرنسي شخصياً، أو إلى “الحالة الدبلوماسية” التي يحاول فرضها، لترهيب كل من يفكر في العودة إلى سوريا أو الاستثمار فيها”.

“أزمة بنيوية”

من الناحية العملياتية، يوضح الاعتماد على العبوات البدائية وزرعها يدوياً قبل دقائق من التفجير أن الاختراق استهدف “خاصرة أمنية رخوة”، إذ اعتمد المهاجمون على المباغتة مستغلين حالة الازدحام المروري أو الثغرات في الطوق الأمني الخارجي. لكن قصارجيان يرى أن الحادث ليس “اختراقا أمنياً” بالمعنى التقليدي بقدر ما هو انعكاس لبنية السلطة الحالية؛ حيث تتواجد تيارات وأجنحة متعددة ليست على وفاق تام، وتتصادم مصالحها في ملفات السياسة الداخلية والخارجية. لذلك، لم يكن هذا الخرق مفاجئاً في حد ذاته، وإنما تكمن المفاجأة في حجمه وقدرته على الخروج عن السيطرة.

ويقول قصارجيان: “فالواقع يؤكد وجود تيارات متشددة داخل هذه البنية تشعر اليوم بالغبن والظلم؛ فهي التي رفعت الشعارات وخاضت المعارك طوال السنوات الماضية، لتجد نفسها في نهاية المطاف خارج المعادلة السياسية والتسويات الجديدة، فضلاً عن ارتباط بعض هذه الأجنحة بتبعيات وولاءات خارجية مختلفة”.

من جهته، يرى زارا صالح، الباحث في دراسات السلام وحل النزاعات، أن هذه التفجيرات، وإن لم تأخذ الطابع التدميري الضخم الذي يميز عمليات تنظيم “داعش”، فإنها تعزز الفرضية القائلة بأنها “رسائل سياسية ملغومة” موجهة لإحباط القمة وإضعاف موقف الشرع. مشيراً إلى أن طبيعة السلطة الحالية في دمشق تحمل صبغة “فصائلية”.

ويقول صالح لـ “الحل نت”: “فرغم التقارب العقائدي الظاهري بين الفصائل المتعددة المكونة للمشهد، إلا أنها تختلف جوهرياً في رؤيتها لمستقبل سوريا وفي مسألة الطرق والوسائل والخطوط الحمراء للتعامل مع المجتمع الدولي”.

ويضيف: يبرز أيضاً دور “الجهاديين الأجانب” أو ما يُعرف بـ “فرقة الغرباء الفرنسيين” الذين شاركوا سابقاً إلى جانب “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) ولهم موقف أيديولوجي متشدد ومعادٍ لباريس تحديداً؛ حيث سبق أن أصدروا بيانات علنية واضحة تعبر عن رفضهم المطلق لزيارة ماكرون.

حسابات إقليمية وصراع

يستبعد الكاتب الصحفي أن تكون الرسائل ذات توجه خارجي بالدرجة الأولى، وتخص فرنسا دون غيرها، مستبعداً أيضاً أن تكون موجهة للداخل السوري الذي يعلم مسبقاً أن الاستقرار الأمني ما زال هشاً ومضطرباً ولا يحتاج إلى تفجيرات لتذكيره بعبثية واقعه المعاش.

ويضيف: “إذا نظرنا إلى القوى الإقليمية التي تتبنى مواقف متطرفة وعدائية ضد السياسات الفرنسية وتنتقدها باستمرار، وفي الوقت نفسه تمتلك نفوذاً وقدرة فعلية على التحرك على الأرض السورية، سنجد أن تركيا تتصدر قائمة المستفيدين”. ورغم أنه لا يمكننا الجزم بالمسؤولية المطلقة لتركيا وحدها، إلا أنها تظل الطرف الأكثر مصلحة في تحجيم الدور الفرنسي.

ويتفق صالح مع هذا الطرح، مؤكداً أن أنقرة، التي تتوجس من تمدد النفوذ الفرنسي والأوروبي المنافس لها في الجغرافيا السورية، تملك مصلحة مباشرة في توجيه رسالة سياسية وميدانية حاسمة تفيد بأن الوضع في دمشق لم يستقر بعد، وأن ملفات التطوير، وتوسيع الاستثمارات، وإعادة الإعمار يجب أن تُؤجل بالكامل، في محاولة تركية واضحة للحفاظ على أوراق قوتها واحتكار الامتيازات داخل المشهد السوري الجديد.

هل يدرك الشرع حجم الاختراق؟

مع كل ما سبق يمكن النظر إلى إن نجاح هؤلاء المنفذين في الوصول إلى محيط المقر المخصص لإقامة الوفد الرئاسي الفرنسي يبعث بإنذار أمني مبكر للسلطة الانتقالية؛ مفاده أن ضبط استقرار العاصمة لا يمكن أن يتحقق دون تفكيك بنية “الأمن الفصائلي” والمجموعات المسلحة المسيطرة على الأرض.

أحمد الشرع وإيمانويل ماكرون في دمشق (رويترز)

وبعيداً عن كواليس اللقاءات الدبلوماسية التي جمعت الرئيسين الفرنسي والسوري عقب الانفجارات، وما نتج عنها من محاولات للمضي في توقيع اتفاقيات اقتصادية، تضع هذه الهجمات المتلاحقة رئيس السلطة الانتقالية، أحمد الشرع، في مواجهة مباشرة مع تساؤلات حول مدى إدراكه الفعلي لطبيعة وحجم الاختراقات الأمنية في عمق عاصمته.

في الختام يبدو أن تماهي السلطة الانتقالية مع تلك التيارات الراديكالية ومحاولة استرضائها أثبتت اليوم أنها مكلفة للغاية، وما حدث في العاصمة ما هو إلا نتاج الرهان السريع وحالة “الإفراط على الطمأنينة” والاتكال التي وقعت بها السلطة، إذ غابت عن حساباتها التحديات الداخلية المتراكمة على الصعيدين الأمني والاقتصادي من ناحية وصراع النفوذ الخارجي على “الكعكة السورية” من ناحية أخرى.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري مقيم في حلب، يغطي الشؤون السياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة، مع اهتمام خاص بالملف الكردي وتقاطعها مع الملفات الإقليمية. عمل على تحقيقات استقصائية وتقارير ميدانية وتحليلات إخبارية منشورة باللغة العربية، ونُشرت أعماله في عدة مواقع اسورية، كما عمل مع موقع "الجزيرة نت" بصفة مراسل ميداني في شمال شرق سوريا.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم