تخلت أسعار النفط عن مكاسبها التي سجلتها في بداية تعاملات، الاثنين، بعدما أعادت التصريحات الإيرانية بشأن إمكانية استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة توجيه بوصلة الأسواق من مخاوف تعطل الإمدادات إلى احتمالات احتواء التصعيد السياسي، في وقت لا تزال فيه التطورات العسكرية في الشرق الأوسط تلقي بظلالها على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وكان خام برنت قد صعد في التعاملات المبكرة إلى أعلى مستوياته في أكثر من شهر، مدفوعاً بتزايد القلق من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن يتراجع مع تغير مزاج المستثمري.
إشارات إيرانية تهدئ الأسواق
أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن الوسطاء نقلوا إلى طهران خلال الأيام الماضية رسائل ومقترحات جديدة، مشيراً إلى أن استئناف المفاوضات مع واشنطن يظل ممكناً إذا ما راعى المصالح الوطنية الإيرانية.
ورغم أنه لم يكشف طبيعة هذه المقترحات أو هوية الوسطاء، فإن الأسواق اعتبرت التصريحات مؤشراً على وجود نافذة دبلوماسية قد تحد من مخاطر اتساع الصراع.

وبحلول منتصف جلسة التداول، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 87.9 دولاراً للبرميل بعد أن لامست في وقت سابق مستوى 91.42 دولار، وهو الأعلى منذ أكثر من شهر، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 81.8 دولار للبرميل بعد أن سجل أعلى مستوى له منذ منتصف حزيران/يونيو.
ويعكس هذا التحول السريع حساسية الأسواق تجاه أي مؤشرات سياسية قد تؤثر في مستقبل الإمدادات النفطية، خصوصاً في ظل استمرار التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
هرمز.. بؤرة المخاوف
يرى محللون أن تراجع الأسعار لا يعني انحسار المخاطر الجيوسياسية، بل يعكس إعادة تسعير لاحتمالات التوصل إلى تفاهمات سياسية تخفف من احتمالات تعطيل صادرات النفط في المنطقة.
قال المحلل في بنك “يو بي إس”، جيوفاني ستونوفو، إن تصريحات الخارجية الإيرانية دفعت المتعاملين إلى التخلي عن المكاسب التي حققتها الأسعار في بداية الجلسة، رغم أن حركة العبور عبر مضيق هرمز ما تزال أقل من مستوياتها الطبيعية، وهو ما يبقي مخاطر الإمدادات قائمة إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية.
وجاء هذا التراجع بعدما كانت أسعار النفط قد حققت مكاسب قوية خلال الأسبوع الماضي بفعل تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن سلامة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
ويعبر عبر المضيق، في الظروف الطبيعية، ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في حركة السفن ينعكس سريعاً على أسعار الخام في الأسواق الدولية.
استمرار التوتر الميداني
في الوقت الذي تراهن فيه الأسواق على إمكانية استئناف المفاوضات، لا تزال الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار حالة التوتر، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أن ناقلتي نفط تعرضتا لانفجارات أثناء محاولتهما استخدام ممر ملاحي جنوبي في مضيق هرمز، متهماً القوات الأميركية بدفع السفن إلى استخدام هذا المسار.
كما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية وقوع حادث لسفينة اشتعلت فيها النيران قبالة السواحل العمانية، ما يعكس استمرار المخاطر الأمنية التي تواجه حركة النقل البحري في المنطقة.

وتشير بيانات حركة الشحن إلى أن عدد السفن العابرة لمضيق هرمز تراجع بصورة ملحوظة، إذ انخفض إلى أربع سفن فقط في أحد الأيام مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، في وقت تؤكد فيه مؤسسات مالية دولية أن التعافي المتوقع في قطاع الشحن توقف مؤقتاً بفعل تصاعد المخاطر الأمنية.
ويرى محللو بنك “إيه إن زد” أن انخفاض عدد الناقلات العابرة يعكس تزايد حذر شركات النقل البحري وشركات التأمين، التي تراقب تطورات الأوضاع الأمنية قبل استئناف نشاطها المعتاد.
الأسواق تترقب الخطوة التالية
في المقابل، تظهر بيانات الشحن أن دول الخليج رفعت صادراتها من النفط الخام والمكثفات خلال النصف الأول من الشهر الجاري إلى أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب، في محاولة للحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية، إلا أن استمرار تباطؤ الحركة في مضيق هرمز يهدد بإبطاء وصول هذه الشحنات إلى وجهاتها النهائية إذا استمرت المواجهة العسكرية أو اتسعت رقعتها.
ومن المرجح أن تظل أسعار النفط خلال الفترة المقبلة رهينة عاملين رئيسيين؛ الأول هو مسار الاتصالات السياسية بين واشنطن وطهران، والثاني هو الوضع الأمني في مضيق هرمز والبحر الأحمر، فإذا نجحت الوساطات في إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، فقد تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي أضيفت إلى الأسعار خلال الأيام الماضية، أما إذا فشلت هذه الجهود وتجددت الهجمات على البنية التحتية للطاقة أو تعطلت الملاحة البحرية، فمن المرجح أن تعود الأسعار إلى مسارها الصاعد، مع توقعات بعض بيوت الخبرة بإمكانية تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل إذا تعرضت الإمدادات الخليجية لاضطرابات واسعة.
ويؤكد هذا المشهد أن سوق النفط بات يتفاعل مع الإشارات السياسية بالسرعة نفسها التي يتفاعل بها مع التطورات العسكرية، إذ يكفي صدور تصريحات توحي بإحياء المسار الدبلوماسي لتتراجع الأسعار بعد موجة ارتفاع قوية، فيما يبقى مستقبل السوق مرهوناً بقدرة الأطراف المتصارعة على تجنب مواجهة أوسع قد تهدد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وبين التفاؤل الحذر بإمكانية استئناف التفاوض واستمرار المخاوف على أمن الملاحة، تبدو أسواق النفط مقبلة على مرحلة من التقلبات الحادة، عنوانها الأول أن السياسة لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في معادلة الطاقة العالمية.
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب
- على خلفية مقتل متظاهرين عراقيين.. تحرك قضائي ضد زعيم منظمة “بدر”
- زيادة جديدة على أسعار المحروقات في سوريا.. كم بلغت التسعيرة؟

