رفض الليرة القديمة يربك الأسواق السورية ويضع المركزي أمام اختبار الثقة

الليرة القديمة

مع اقتراب نهاية شهر تموز/يوليو الجاري، تعيش الأسواق السورية على وقع حالة حادة من الارتباك والمشاحنات اليومية المستمرة بين المواطنين وأصحاب الفعاليات التجارية، جراء امتناع القطاعات الاقتصادية والتجارية ووسائل النقل عن قبول التعامل بالأوراق النقدية القديمة.

ويأتي هذا التوتر في الوقت الذي تقترب فيه المهلة المحددة لإنهاء القوة الإبرائية للعملة السورية القديمة من نفادها، وسط استمرار حالة الصمت غير المعلن من جانب المصرف المركزي السوري، وامتناع القائمين عليه عن إصدار أي توضيحات رسمية أو بيانات حاسمة بشأن إلزامية التعايش بين الإصدارين النقديين القديم والجديد حتى انقضاء الأجل المسمى.

فوضى الانتقال إلى الليرة الجديدة

يكشف هذا التوتر أن عملية استبدال العملة، التي روجت لها السلطات باعتبارها خطوة لإعادة هيكلة النظام النقدي وتعزيز الثقة بالليرة الجديدة، دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع اقتراب انتهاء مهلة التداول المزدوج.

 وبدلاً من انتقال سلس بين الإصدارين، ظهرت سوق منقسمة بين من يقبل العملة القديمة التزاماً بالقانون، ومن يرفضها خشية بقائه محتفظاً بأوراق قد يجد صعوبة في تصريفها لاحقاً، الأمر الذي ألقى بعبء إضافي على المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود الذين ما زال كثير منهم يتقاضى أجوره بالعملة القديمة.

حاكم مصرف سوريا المركزي أعلن أخيراً أن نحو 80 بالمئة من العملة القديمة جرى استبدالها منذ بداية العام- إنترنت

ورغم أن مصرف سوريا المركزي سبق أن أكد رسمياً استمرار القوة الإبرائية للإصدار القديم حتى نهاية الشهر الجاري، وأوضح أن الاستبدال سيظل متاحاً في فروعه لخمسة أعوام، فإن هذا الموقف لم ينعكس بصورة واضحة في الأسواق.

وما حدث كان على العكس، حيث بادر عدد متزايد من المطاعم والمتاجر ووسائل النقل في دمشق وريفها إلى تعليق لافتات تعلن رفضها قبول جميع فئات العملة القديمة، بدءاً من فئة 500 ليرة وحتى 5000 ليرة، في خطوة اعتبرها مواطنون مخالفة للتعليمات الرسمية.

المركزي بين استقرار الصرف وأزمة السيولة

بحسب مصدر مصرفي مطلع، فإن البنك المركزي متمسك بإنهاء القوة الإبرائية للإصدار القديم مع نهاية الشهر، باعتبار أن سحب هذه الكتلة النقدية أسهم في تقليص المضاربة على سوق الصرف، وأن سياسة تشديد السيولة إلى جانب استبدال العملة ساعدت في دعم استقرار الليرة الجديدة أمام الدولار، وفقاً لـ”عنب بلدي”.

يعكس هذا التوجه أولوية واضحة لدى السلطات النقدية تتمثل في تثبيت سعر الصرف حتى لو ترتب على ذلك تشدد في إدارة السيولة النقدية داخل الأسواق.

لكن هذه السياسة خلقت في المقابل اختناقات واضحة في التعاملات اليومية، ففي دمشق، اشتكى مواطنون من صعوبة استخدام ما تبقى بحوزتهم من أوراق نقدية قديمة، بينما يرفض كثير من التجار قبولها.

 كما برزت مشكلة أخرى تتمثل في نقص الفئات الصغيرة من العملة الجديدة، إذ يتركز الضخ النقدي في الفئات الكبيرة مثل 100 و200 و500 ليرة جديدة، في حين تبقى فئتا 10 و25 ليرة نادرتين، ما يزيد صعوبة توفير باقي الشراء في المعاملات اليومية، ويقول مواطنون إن عمليات الاستبدال غالباً ما تتم بفئات كبيرة، وهو ما يخلق فجوة بين احتياجات السوق الفعلية وما يتوافر من نقد جديد.

خريطة تداول مختلفة بين المحافظات

لا يبدو المشهد موحداً في مختلف المحافظات، ففي مدينة حلب لا تزال العملة القديمة متداولة، ولا سيما فئات 1000 و2000 ليرة، بينما تراجع تداول فئة 5000 خلال الأسابيع الأخيرة مع توسع انتشار الإصدار الجديد.

أما في ريف حلب الشمالي والمناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة المعارضة، فتكاد العملة الجديدة تهيمن على التعاملات اليومية، مع استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على الليرة التركية التي أصبحت العملة الأكثر تداولاً خلال سنوات الحرب، وهو واقع يمتد أيضاً إلى محافظة إدلب، حيث ما زالت الليرة التركية تشكل أداة الدفع الرئيسية في كثير من الأسواق.

حاكم مصرف سوريا المركزي أعلن أخيراً أن نحو 80 بالمئة من العملة القديمة جرى استبدالها منذ بداية العام- إنترنت

وفي محافظة حماة، تبدو الأزمة أكثر ارتباطاً بنقص السيولة الصغيرة، إذ يعتمد التجار على الأوراق القديمة منخفضة الفئات لإتمام عمليات البيع والشراء بسبب ندرة الفئات الجديدة من 10 و25 و50 ليرة.

 ويؤكد عاملون في قطاع الصرافة أن توفير النقد الجديد الصغير لا يزال محدوداً، الأمر الذي يدفع الأسواق عملياً إلى التمسك بجزء من العملة القديمة رغم اقتراب انتهاء صلاحيتها القانونية، وهو ما يعكس وجود فجوة بين الخطة النقدية وآليات تنفيذها على الأرض.

وصفة اقتصادية للخروج من الأزمة

يرى الخبير الاقتصادي والمالي السوري محمد فقيه أن الأزمة الحالية ليست أزمة عملة بقدر ما هي أزمة إدارة انتقال نقدي، معتبراً أن معالجة الفوضى تتطلب تدخلاً مباشراً من مصرف سوريا المركزي عبر إصدار بيان واضح يؤكد إلزامية قبول العملة القديمة حتى نهاية المهلة القانونية، إلى جانب تمديد فترة التعايش بين الإصدارين لمدة تتراوح بين شهر وشهرين لاستيعاب الكتلة النقدية المتبقية.

كما يدعو إلى تبسيط إجراءات الاستبدال، وإلغاء القيود المفروضة على السحب والإيداع، وإطلاق مراكز استبدال متنقلة في المناطق الريفية، وإلزام جميع المصارف باستقبال العملة القديمة دون رسوم أو تعقيدات.

ولا تقتصر مقترحات فقيه على الإجراءات النقدية، بل تمتد إلى تشديد الرقابة على الأسواق عبر تفعيل دور حماية المستهلك، وفرض عقوبات على الجهات التي ترفض العملة القديمة قبل انتهاء صلاحيتها، مع تخصيص خطوط ساخنة لاستقبال شكاوى المواطنين، وإلزام المؤسسات الحكومية باستمرار قبول الرسوم والفواتير بالإصدار القديم.

كما يشدد على أهمية تسريع الدفع الإلكتروني وإلغاء رسومه مؤقتاً لتخفيف الضغط على النقد الورقي، إضافة إلى فتح نقاط استبدال في الكراجات والبلديات والمراكز التجارية، وتخصيص خطة طوارئ للمحافظات التي ما زالت تعاني ضعفاً في عمليات الاستبدال، مثل الحسكة ودير الزور، عبر ضخ كميات إضافية من النقد الجديد ومنحها مهلاً مرنة لاستكمال العملية.

الثقة.. مفتاح نجاح الإصلاح النقدي

كان حاكم مصرف سوريا المركزي أعلن مؤخراً أن نحو 80 بالمئة من العملة القديمة جرى استبدالها منذ بداية العام، بعدما كانت النسبة قد تجاوزت 63 بالمئة مع بداية حزيران، وهو ما يشير إلى تقدم ملحوظ في تنفيذ الخطة، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن جزءاً مهماً من الكتلة النقدية لا يزال خارج الدورة المصرفية أو متداولاً بين المواطنين.

حاكم مصرف سوريا المركزي أعلن أخيراً أن نحو 80 بالمئة من العملة القديمة جرى استبدالها منذ بداية العام- إنترنت

وبينما ترى السلطات النقدية أن سحب العملة القديمة يمثل خطوة ضرورية لتعزيز استقرار الليرة الجديدة والحد من المضاربة، فإن ما يجري في الأسواق يظهر أن نجاح أي إصلاح نقدي لا يقاس فقط بعدد الأوراق التي جرى استبدالها، وإنما بقدرة المؤسسات على إدارة المرحلة الانتقالية دون الإضرار بحركة التجارة أو تحميل المواطنين تكلفة ارتباك القرارات.

ومع اقتراب انتهاء المهلة القانونية، لا يبدو التحدي الحقيقي في اختفاء الليرة القديمة، بل في استعادة الثقة بين المصرف المركزي والسوق، وهي الثقة التي ستحدد ما إذا كانت عملية استبدال العملة ستسجل بوصفها إصلاحاً نقدياً ناجحاً، أم تجربة كشفت هشاشة العلاقة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم