بعد ثلاث زيادات متتالية على أجور العاملين في القطاع العام خلال أقل من عامين، تدخل الحكومة السورية مرحلة أكثر حساسية تتمثل في إعداد منظومة جديدة للرواتب والأجور، تراهن عليها باعتبارها إصلاحاً هيكلياً يعالج التشوهات المزمنة في سوق العمل الحكومي، ويعيد بناء العلاقة بين الأجر والكفاءة والإنتاجية.
إلا أن خبراء يرون أن نجاح هذه المنظومة لن يتوقف على رفع الرواتب بقدر ما سيعتمد على قدرة الدولة على تمويلها بصورة مستدامة، وربطها بإصلاح إداري حقيقي، بعيداً عن الاكتفاء بإجراءات مالية قد تتحول إلى عبء جديد على الاقتصاد إذا لم تترافق مع نمو في الإنتاجية والإيرادات العامة.
إصلاح مرتقب.. ورهان على العدالة
يأتي هذا التوجه في وقت لا يزال فيه القطاع العام السوري يعاني آثار سنوات طويلة من تراجع القوة الشرائية، وهجرة الكفاءات، واتساع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق مسار لإعادة هيكلة نظام الأجور بالتزامن مع إعداد قانون الخدمة المدنية الجديد، في خطوة تقول إنها تستهدف بناء منظومة موحدة وعادلة لجميع العاملين في الدولة.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن الوزارة تعمل على إقرار منظومة متكاملة للرواتب والأجور مع نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل، موضحاً أن الإصلاح سيجري بصورة تدريجية ولن تقتصر نتائجه على الزيادات التي أقرت خلال العامين الماضيين، بل سيؤسس لنظام جديد يعتمد معايير موحدة تحقق العدالة بين العاملين، وتحسن مستوى المعيشة، وتسهم في استقطاب الكفاءات والحد من الترهل الإداري والفساد.

وأضاف أن الحكومة تستهدف الوصول إلى مستويات أجور لا تقل عن مثيلاتها في عدد من دول الجوار، مع التأكيد أن تمويل الإصلاح سيتم من الموارد الذاتية للدولة، دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو التوسع في الاقتراض، وفق تصريحات نقلتها الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).
وخلال عامي 2025 و2026، أقرت الحكومة سلسلة من الزيادات على الأجور والمعاشات التقاعدية، بدأت بزيادة عامة بلغت 200 بالمئة، ثم أعقبها المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026 الذي رفع أجور العاملين بنسبة 50 بالمئة، إضافة إلى زيادات نوعية نص عليها المرسوم رقم 68 وشملت العاملين في قطاعات الصحة والتعليم والأوقاف والرقابة المالية وهيئة الطاقة الذرية ومصرف سوريا المركزي.
كما شملت الزيادات المتقاعدين، الذين حصلوا على زيادة جديدة بنسبة 30 بالمئة مع تحديد حد أدنى للمعاش يبلغ 12560 ليرة سورية جديدة.
خلل أعمق من قيمة الراتب
رغم هذا التحسن النسبي في الأجور، يرى اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قيمة الراتب وحدها، وإنما في طريقة احتسابه، فالخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يرى أن منظومة الأجور الحالية فقدت قدرتها على تحقيق العدالة الوظيفية، إذ يحصل موظفون يحملون المسمى الوظيفي نفسه على دخول متفاوتة، بينما لا يعكس الراتب مستوى الكفاءة أو الخبرة أو الإنتاجية أو سنوات الخدمة، وهو ما أدى إلى تراجع الحوافز داخل القطاع العام وتسارع هجرة الكفاءات إلى القطاع الخاص أو إلى خارج البلاد.
قانون العاملين الموحد الذي حكم الوظيفة العامة لعقود اعتمد على مبدأ المساواة الش كلية بين الفئات الوظيفية، من دون مراعاة الفروق الحقيقية في المؤهلات والخبرات وطبيعة العمل، الأمر الذي أدى إلى مساواة الموظف المتميز بآخر أقل كفاءة، وأضعف قدرة المؤسسات العامة على الاحتفاظ بالخبرات أو جذب كوادر جديدة.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الحد الأدنى للأجور ارتفع من نحو 2790 ليرة سورية جديدة في النصف الأول من عام 2025 إلى 7500 ليرة، ثم إلى 12560 ليرة جديدة بعد تطبيق المرسوم الأخير، بزيادة تراكمية قاربت 350 بالمئة.
غير أن هذه الزيادات جاءت في ظل اقتصاد لا يزال يعاني ضغوطاً تضخمية، وانخفاضاً في الإنتاج، واتساعاً في احتياجات الإنفاق العام، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة المالية العامة على الحفاظ على هذه المستويات من الإنفاق مستقبلاً دون التأثير في استقرار الأسعار.
السؤال الأصعب.. من أين يأتي التمويل؟
تبرز هنا إحدى أهم القضايا التي لم توضحها الحكومة بصورة مفصلة حتى الآن، وهي مصادر التمويل الفعلية لمنظومة الرواتب الجديدة، فوزارة المالية تؤكد أن الزيادات الحالية موّلت بالكامل من الموارد الذاتية، إلا أنها لم تقدم شرحاً تفصيلياً لمكونات هذه الموارد، وما إذا كانت ناتجة عن تحسن مستدام في الإيرادات الضريبية والجمركية، أو عن زيادة عوائد المؤسسات العامة، أو عن إجراءات استثنائية يصعب استمرارها على المدى الطويل.

ويعد هذا السؤال محورياً، لأن تجارب العديد من الدول أظهرت أن رفع الأجور دون وجود مصادر إيرادات مستقرة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية أو اتساع العجز المالي، وهي نتائج حذرت منها تقارير صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عند تناولها إصلاحات القطاع العام في الاقتصادات النامية.
وفي هذا السياق، يقترح قوشجي استبدال النظام التقليدي بمنظومة مرنة تعتمد على نظام النقاط، بحيث يصبح الراتب مرتبطاً بمجموعة من المعايير الموضوعية، تشمل المؤهل العلمي، وسنوات الخبرة، وتقييم الأداء، والدورات التدريبية، وطبيعة الوظيفة، ومستوى المسؤولية، إضافة إلى بعض الاعتبارات الاجتماعية مثل عدد أفراد الأسرة المعالين. ويرى أن هذا النموذج يربط الدخل مباشرة بالإنتاجية، ويمنح العامل حافزاً لتطوير مهاراته، كما يساعد الدولة على توجيه الإنفاق نحو الوظائف الأكثر كفاءة وتأثيراً.
تجارب ناجحة.. وتحديات محلية
لا يختلف هذا الطرح كثيراً عن تجارب دول أخرى في المنطقة وخارجها، إذ اتجهت حكومات مثل الأردن والسعودية، إلى جانب عدد من دول أوروبا الشرقية، إلى تحديث أنظمة الخدمة المدنية وربط جزء من الحوافز بالأداء والمؤهلات، بهدف تحسين كفاءة القطاع العام وتقليص الفوارق غير المبررة بين العاملين، مع الإبقاء على ضوابط تمنع تضخم فاتورة الأجور على حساب الإنفاق الاستثماري.
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن نجاح إصلاحات الأجور لا يرتبط بزيادة الرواتب وحدها، بل بوجود نظام شفاف لتقييم الأداء، وربط الترقيات بالإنتاجية، وضمان العدالة بين العاملين، وهي عناصر يرى خبراء أنها ستكون التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى استعادة ثقة الكفاءات بالوظيفة العامة بعد سنوات من التراجع في مستويات الدخل.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن لديها القدرة على تحمل كلفة الإصلاح، إذ ارتفعت كتلة الرواتب والأجور الشهرية، بحسب وزير المالية، من 11.3 مليار ليرة سورية جديدة قبل تطبيق الزيادات إلى نحو 46 مليار ليرة حالياً، فيما ارتفعت مخصصات معاشات المتقاعدين من 2.9 مليار ليرة إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة.
إلا أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تعكس في الوقت ذاته حجم الالتزامات الجديدة التي ستتحملها الخزينة العامة، ما يجعل استدامة التمويل عاملاً حاسماً في نجاح المنظومة الجديدة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إقرار المنظومة
في المحصلة، لا يبدو أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية يتمثل في إصدار منظومة جديدة للرواتب بقدر ما يتمثل في تحويلها إلى أداة للإصلاح الاقتصادي والإداري.
فنجاح التجربة لن يقاس بحجم الزيادات أو بعدد المراسيم، وإنما بقدرتها على بناء نظام يربط الأجر بالكفاءة والإنتاجية، ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار المالي، ويعيد للوظيفة العامة جاذبيتها باعتبارها مساراً مهنياً قائماً على العدالة وتكافؤ الفرص، لا على المساواة الشكلية التي أضعفت الحوافز لعقود.
- كان بشار الأسد طالباً فيها.. جدل حول قرار فصل الذكور عن الإناث في مدرسة عريقة بدمشق
- اعتداء على طلبة عراقيين في إيران.. ماذا حدث داخل السكن؟
- القافلة الثانية تنطلق نحو سري كانيه/رأس العين بعد 7 سنوات من التهجير
- مليار دولار في معرض دمشق الدولي.. عقود ملزمة أم مذكرات تفاهم؟
- “وحدات حماية المرأة” تكشف تفاصيل اتفاقها مع دمشق

