موجة غلاء تلتهم موائد السوريين.. الأجبان ترتفع والفروج يغادر الموائد

الأسواق السورية

تتسارع وتيرة ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق السورية، لتضيف منتجات الألبان والأجبان ولحوم الفروج إلى قائمة السلع التي باتت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من الأسر، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية.

ويأتي هذا الارتفاع نتيجة تداخل عوامل إنتاجية وتسويقية ونقدية، تبدأ من زيادة تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل، ولا تنتهي عند ارتفاع الطلب الموسمي على المواد الأولية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار البيع للمستهلك، ويزيد من حدة الضغوط على الأمن الغذائي للأسر السورية.

قفزة أسعار على رفوف الألبان

تشير حركة الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة إلى موجة ارتفاع واسعة طالت معظم منتجات الحليب ومشتقاته، إذ ارتفع سعر كيلوغرام الجبنة البلدية إلى ما بين 450 و500 ليرة جديدة، بعدما كان يتراوح بين 380 و400 ليرة جديدة، فيما قفز سعر كيلوغرام الحليب الطازج إلى نحو 850 ليرة جديدة، مقارنة بمستويات أقل بكثير خلال الفترة الماضية.

 كما ارتفع سعر جبنة الشلل إلى قرابة 750 ليرة جديدة للكيلوغرام، بينما وصل سعر كيلو اللبن إلى نحو 850 ليرة جديدة، وارتفع سعر اللبنة البلدية إلى ما بين 350 و400 ليرة جديدة، في زيادات متزامنة تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع بأكمله.

موجة ارتفاع واسعة طالت معظم منتجات الحليب ومشتقاته- إنترنت

ولا تبدو هذه الزيادات مجرد تقلبات موسمية، بل تعكس أزمة هيكلية يعيشها قطاع إنتاج الألبان، في ظل ارتفاع تكاليف التربية وتراجع أعداد القطعان المنتجة، فضلاً عن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وأجور النقل، وهي عناصر أصبحت تشكل الجزء الأكبر من تكلفة الإنتاج النهائي.

كما أن تراجع الثروة الحيوانية خلال السنوات الماضية بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف والجفاف وضعف الجدوى الاقتصادية، أدى إلى انخفاض المعروض من الحليب الخام، ما جعل أي زيادة في الطلب تنعكس سريعاً على الأسعار.

وتشير تقديرات سابقة للجمعية الحرفية للألبان والأجبان إلى أن انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف المادة الخام والتوسع في التصدير كانت من أبرز الأسباب التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة.

المستهلك أول الخاسرين

بالنسبة للمستهلك السوري، لم تعد هذه الارتفاعات مجرد أرقام في الأسواق، بل تحولت إلى تغيير واضح في نمط الاستهلاك اليومي، فقد باتت كثير من الأسر تشتري كميات محدودة من الأجبان واللبنة والحليب، بعدما كانت تؤمن احتياجات أسبوع كامل، فيما لجأ آخرون إلى استبدال المنتجات البلدية بأخرى أقل جودة أو التخلي عنها بالكامل لتوجيه الدخل المحدود نحو السلع الأكثر إلحاحاً.

يرى العاملون في القطاع أن جذور المشكلة تعود إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، فيؤكد تاجر الألبان والأجبان في دمشق علي درويش أن موسم الصيف يشهد عادة منافسة كبيرة على شراء الحليب الخام، إذ تتجه كميات كبيرة منه إلى معامل البوظة التي تدفع أسعاراً أعلى للمربين، ما يجبر منتجي الألبان على رفع أسعار الشراء لتأمين احتياجاتهم من المادة الأولية.

ويضيف أن ارتفاع أسعار الأدوية البيطرية والأعلاف والمحروقات، إلى جانب تقلبات سعر الصرف، يجعل تكلفة الإنتاج في تغير مستمر، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار البيع للمستهلك.

من جانبه، يوضح أمين سر مجلس إدارة جمعية حرفيي الألبان والأجبان بدمشق أحمد السواس أن الطلب المتزايد على الحليب بغرض التصدير يمثل أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار، إذ تستحوذ بعض المعامل الكبيرة على كميات واسعة من الحليب لإنتاج أصناف موجهة للأسواق الخارجية، ما يحد من الكميات المتاحة للسوق المحلية، وفق صحيفة “الثورة”.

كما يشير إلى أن موسم حليب الأغنام كان ضعيفاً هذا العام نتيجة توجه المربين إلى تسمين الخراف وبيعها كلحوم بسبب العائد المالي الأعلى، وهو ما زاد الضغط على إنتاج حليب الأبقار، مضيفاً أن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة يمثل العامل الأكثر تأثيراً في زيادة تكاليف التشغيل والنقل والإنتاج، في وقت لا يمتلك فيه الحرفيون القدرة على امتصاص هذه الزيادات أو التحكم بها.

الفروج يلحق بركب الغلاء

لا تقتصر موجة الغلاء على منتجات الألبان، إذ امتدت إلى قطاع الدواجن الذي يشهد بدوره ارتفاعات متتالية دفعت الفروج إلى الابتعاد تدريجياً عن موائد كثير من الأسر، بعدما كان يمثل المصدر الأرخص للبروتين الحيواني مقارنة باللحوم الحمراء.

وتراوح سعر كيلوغرام الفروج بين 250 و350 ليرة جديدة، بينما وصل سعر شرحات الدجاج إلى ما بين 680 و750 ليرة جديدة، في حين تراوح سعر الوردة بين 350 و380 ليرة جديدة، والجوانح بين 280 و350 ليرة جديدة.

ارتفاعات متتالية دفعت الفروج إلى الابتعاد تدريجياً عن موائد كثير من الأسر- إنترنت

ويعزو الخبير في قطاع الدواجن زياد نمور هذه الارتفاعات إلى تزامن ثلاثة عوامل رئيسية، يتمثل أولها في الزيادة الموسمية الكبيرة في الطلب خلال ذروة الموسم السياحي، مع ارتفاع استهلاك المطاعم والفنادق والمنتجعات السياحية للفروج، وهو ما يرفع الاستهلاك بصورة ملحوظة خلال شهري تموز وآب.

أما العامل الثاني فيرتبط بفجوة إنتاجية بدأت قبل نحو شهرين، بعد خروج عدد كبير من المربين من دورة التربية إثر تعرضهم لخسائر متتالية عقب السماح باستيراد الفروج الحي والمذبوح والمجمد، وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي بصورة مؤقتة.

تحذيرات من اضطراب السوق

يحذر مختصون من أن غياب الاستقرار في سياسات الاستيراد قد ينعكس سلباً على قرارات الاستثمار في قطاع الدواجن، ويزيد من عزوف المنتجين عن التوسع في التربية، وهو ما ناقشته وزارة الزراعة مع ممثلي القطاع خلال الأشهر الماضية في إطار البحث عن آليات لتنظيم السوق ووضع تسعيرات دورية تحقق التوازن بين المنتج والمستهلك.

يتمثل العامل الثالث، بحسب نمور، في لجوء كثير من المربين إلى تسويق الفروج بأعمار أصغر لتجنب خسائر الإجهاد الحراري خلال موجات الحر، ما يعني انخفاض متوسط الأوزان المطروحة في الأسواق، وخاصة كميات لحم الصدر، الأمر الذي ساهم في رفع أسعار الشرحات بصورة أكبر من بقية أجزاء الفروج.

ورغم توقعات بانحسار هذه الموجة خلال أسبوعين مع دخول أفواج إنتاج جديدة إلى الأسواق، فإن خبراء القطاع يرون أن المشكلة تتجاوز التقلبات الموسمية، إذ تكشف عن غياب التخطيط المسبق للإنتاج وعدم وجود آليات فعالة لتكوين مخزون استراتيجي أو تحفيز المربين على زيادة الإنتاج قبل مواسم الذروة، بما يضمن استقرار الإمدادات والأسعار.

وفي المحصلة، تعكس الارتفاعات المتزامنة في أسعار الألبان والأجبان والفروج حجم الضغوط التي تواجه منظومة الإنتاج الغذائي في سوريا، حيث تتشابك تكاليف الطاقة والأعلاف والنقل مع اختلالات العرض والطلب وسياسات الاستيراد والتصدير، لتنتقل آثارها في النهاية إلى المستهلك الذي يجد نفسه مضطراً إلى تقليص استهلاكه من السلع الأساسية.

 وبينما يطالب المنتجون بدعم مدخلات الإنتاج وتحقيق استقرار في السياسات الزراعية والتجارية، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحقيق توازن يحافظ على استمرارية الإنتاج المحلي، ويحد في الوقت ذاته من موجات الغلاء التي أصبحت تهدد الأمن الغذائي لشريحة متزايدة من السوريين.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم