النووي السوري بين إسرائيل والوكالة الدولية.. ما فرص دمشق للحصول على “النووي النظيف”؟

بعد نحو عقدين من قصف إسرائيل “الموقع 99” المرتبط ببرنامج مفاعل “الكُبر” في دير الزور، يعود الملف النووي السوري إلى الواجهة، لكن في سياق مختلف وعبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي بدأت التحقق من مواد ومواقع مرتبطة بالبرنامج السابق.

وخلال زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، إلى دمشق اليوم الثلاثاء، أعلن العثور على عدة أطنان من اليورانيوم الطبيعي في موقع غير معلن خارج دمشق، إضافة إلى كميات كبيرة من الغرافيت المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة في دير الزور. وقال إن المادة ستخضع لإجراءات التحقق والضمانات التابعة للوكالة.

لكن التطور الأبرز لا يتعلق فقط بما عثرت عليه الوكالة، وإنما بما تريده دمشق بعد طي ملف البرنامج النووي السابق وإلا وهو فتح الباب أمام التعاون النووي السلمي لامتلاك برنامج نووي مدني معترف به دولياً.

تعاون غير مسبوق

قال غروسي، الثلاثاء، إن الوكالة تمكنت من الوصول إلى مواقع مرتبطة بالأنشطة النووية السابقة في سوريا، وإنها تعمل مع الحكومة السورية الجديدة لتوضيح القضايا العالقة المتعلقة بتنفيذ اتفاق الضمانات المبرم في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

مؤتمر صحفي مشترك لوزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والمدير العام للوكالة الدولية ‏للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي في قصر تشرين بدمشق – 18 آب 2026 (سانا)

وأكد أن الوكالة تحققت من وجود عدة أطنان من اليورانيوم الطبيعي في موقع غير معلن خارج دمشق، فيما زار فريق منها موقعاً تُخزن فيه كميات كبيرة من الغرافيت المرتبط بالأنشطة السابقة في دير الزور.

وتأتي هذه الخطوة في سياق مسار بدأته دمشق خلال الفترة الماضية لإعادة بناء علاقتها مع الوكالة، بعد سنوات طويلة من تعثر التعاون بشأن موقع دير الزور ومواقع أخرى مرتبطة به.

من “الكبر” إلى إغلاق الملف

يعود أصل القضية إلى موقع الكبر في دير الزور، الذي دمرته إسرائيل في أيلول/سبتمبر 2007، بعدما قالت إن المنشأة كانت مفاعلاً نووياً سورياً سرياً.

وفي السنوات التالية، خلصت الوكالة إلى أن المبنى الذي دمرته إسرائيل كان على الأرجح مفاعلاً نووياً كان ينبغي إبلاغها به، واعتبر مجلس محافظي الوكالة عام 2011 أن سوريا لم تف بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات النووية.

لكن تدمير المنشأة لم ينهِ القضية، فالوكالة واصلت البحث عن أدلة مرتبطة بطبيعة النشاط الذي كان يجري في الموقع، وسمحت سوريا بعد سقوط النظام 2024 للوكالة بزيارة ثلاثة مواقع يعتقد أنها كانت مرتبطة وظيفياً بمنشأة دير الزور، وأخذ عينات بيئية منها.

وأظهرت نتائج التحليل التي أُعلنت في 2025 وجود جزيئات من اليورانيوم الطبيعي ذات منشأ بشري، ما عزز الحاجة إلى مواصلة التحقق من طبيعة النشاط النووي السابق. وقالت الوكالة آنذاك إن استكمال التحقق يمكن أن يتيح توضيح القضايا العالقة المتعلقة بالأنشطة النووية السابقة وإغلاقها.

إتاحة الوصول إلى موقع دير الزور، والسماح للوكالة بالتحقق من المواد النووية الموجودة في سوريا، يعنيان عملياً محاولة نقل الملف من مساحة الشكوك والاتهامات إلى مسار مؤسساتي يخضع للرقابة الدولية.

التخلص من الإرث القديم والذهاب أبعد من ذلك

لا يبدو أن الهدف السوري يقتصر على التخلص من إرث النظام السابق. فوزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أكد، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع غروسي، أن سوريا أتاحت الوصول إلى موقع دير الزور بعد أكثر من 18 عاماً، واعتبر ذلك قراراً سيادياً وخطوة في إطار التعامل مع إرث النظام السابق.

وقال الشيباني إن ​المواد النووية التي عثر عليها في ‌موقع غير معلن داخل سوريا لا تشكل خطراً، مضيفاً أنها ستظل في عهدة دمشق ​مع خضوعها لضمانات الوكالة الدولية ​للطاقة الذرية.

وفي الوقت نفسه، شدد الشيباني على حق سوريا في امتلاك برنامج نووي سلمي والاستفادة من الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية.

وبدوره تحدث غروسي عن إمكانات للتعاون في مجالات الطاقة والصحة وإدارة المياه، وهي مجالات تمثل الاستخدامات المدنية التقليدية للتكنولوجيا النووية.

يرى مراقبون أن دمشق لا تريد أن تنتهي العملية عند إزالة مواد نووية أو تسوية أسئلة الوكالة بشأن الماضي، وإنما تسعى إلى بناء علاقة مختلفة مع المؤسسة الدولية تسمح لها بالانتقال إلى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

هل تستطيع سوريا امتلاك “النووي النظيف”؟

من الناحية القانونية، لا يتعارض امتلاك الدول لبرنامج نووي سلمي مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ما دام البرنامج خاضعاً للضمانات الدولية ولا يستخدم لتطوير أسلحة نووية.

لكن الانتقال من إعلان الحق إلى امتلاك برنامج نووي مدني فعلي مسار طويل ومعقد. فوفق مراقبون، سوريا تحتاج أولاً إلى إنهاء القضايا العالقة مع الوكالة، وتوفير معلومات كاملة عن المواد والمنشآت والأنشطة النووية السابقة، وضمان إمكانية التحقق المستمر من عدم تحويل المواد النووية إلى أغراض عسكرية.

كما أن امتلاك مفاعل أو منشآت نووية مدنية يتطلب بنية قانونية ومؤسساتية ورقابية، وقدرات بشرية وتقنية، ونظاماً متكاملاً للسلامة والأمن النوويين، فضلاً عن ترتيبات دولية للحصول على التكنولوجيا والمعدات والوقود.

إسرائيل.. من القصف إلى المراقبة

وجود إسرائيل في خلفية الملف لا يمكن تجاهله. فقصة البرنامج النووي السوري بدأت عملياً بالنسبة إلى المجتمع الدولي من اللحظة التي دمرت فيها إسرائيل منشأة الكبر عام 2007، قبل أن تتحول القضية إلى أحد أطول ملفات الضمانات العالقة أمام الوكالة.

صورة جوية نشرتها هيئة البث الإسرائيلية لموقع “الكبر” النووي في دير الزور السورية – انترنت

وفق مراقبون، المشهد تغير اليوم. فبدلاً من أن تكون المنشأة السورية هدفاً لضربة إسرائيلية، أصبحت المواقع والمواد المرتبطة بها موضوعاً للتحقق الدولي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن المخاوف الإسرائيلية اختفت. فإسرائيل تعاملت تاريخياً مع أي بنية نووية سورية باعتبارها قضية أمن قومي، وهو ما تجسد في ضربة 2007، ولاحقاً في الضربات التي استهدفت مواقع مرتبطة بالمنشأة بعد سقوط نظام الأسد، وفق تقارير صحفية.

وكان تقرير نشره موقع “أكسيوس” في 10 آب/أغسطس قد أشار إلى وساطة أميركية بين سوريا وإسرائيل بشأن مواد نووية بقيت في الموقع، وإلى اتفاق يقضي بإزالة هذه المواد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبحسب التقارير التي تناولت قضية المواد النووية المتبقية في دير الزور، تدخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع معالجة الملف عسكرياً، ودعمت إشراك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحقق من المواد وإزالتها.

وبالتالي، التعامل مع الملف النووي السوري لا يجري بمعزل عن إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وواشنطن، ولا عن المساعي الأميركية لمنع عودة أي نشاط نووي غير معلن في سوريا.

وبذلك، فإن فتح الملف أمام الوكالة لا يخدم دمشق وحدها؛ فهو يوفر أيضاً لإسرائيل والولايات المتحدة آلية للتحقق من أن المواد المتبقية من البرنامج السابق لا تتحول إلى مصدر خطر جديد.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم