تشغيل فعلي أم تجربة محدودة؟.. هل عادت بطاقات الدفع الدولية إلى سوريا؟

فيزا

لم تعد صور استخدام بطاقات الدفع الدولية في دمشق مجرد مشهد رمزي يعكس تغيراً في علاقة سوريا بالنظام المالي العالمي، بل أصبحت دليلاً عملياً على بدء إعادة وصل البلاد بشبكات المدفوعات الدولية، بعد أكثر من 15 عاماً من العزلة.

فمنذ أيام أعلنت “فيزا” و”ماستركارد” تنفيذ أولى العمليات الدولية في سوريا، في خطوة تزامنت مع إزالة الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكنها جاءت في الواقع نتيجة أشهر من العمل الفني والتنظيمي لإعادة بناء منظومة المدفوعات.

بين فتح الباب واختبار المنظومة

في تجربة “فيزا”، نفذت الشركة أول معاملة دولية حية في سوريا بالتعاون مع “فرنسبنك لبنان” باعتباره المؤسسة المالية المستحوذة، وشركة “بيميرا” كشريك تقني، في حين شارك الرئيس السوري أحمد الشرع في تنفيذ عملية دفع ببطاقة “فيزا” في دمشق.

الرئيس السوري أحمد الشرع أثناء إجراء عملية دفع عبر فيزا- إنترنت

 أما “ماستركارد” ومجموعة “كيو إن بي” فأعلنتا تنفيذ أول عملية دفع دولية مكتملة في سوريا، بعدما جرى ربط منظومة المدفوعات السورية بشبكة “ماستركارد” العالمية، ونفذت “كيو إن بي سوريا” عملية شراء عبر نقطة بيع لدى تاجر محلي مؤهل باستخدام بطاقة “ماستركارد” صادرة خارج سوريا.

لكن هذه التطورات، رغم أهميتها، لا تعني أن كل بطاقات “فيزا” و”ماستركارد” أصبحت تعمل تلقائياً في جميع المتاجر السورية، وهنا يبرز السؤال الأهم، هل دخلت سوريا فعلاً عصر الدفع الدولي، أم أن ما جرى لا يزال في إطار اختبار محدود يمهد لتشغيل أوسع؟.

مرحلة أولى.. لا خدمة شاملة

يرى الخبير والأكاديمي مصعب الشبيب أن أهمية العمليات التي جرت في دمشق لا ترتبط بقيمة المبالغ التي دُفعت، وإنما بما تمثله من اختبار عملي لقدرة البنية المصرفية السورية على الاتصال بشبكات الدفع العالمية وتنفيذ مراحل العملية وفق المعايير الدولية، من التفويض إلى التسوية والمطابقة ومكافحة الاحتيال، وفق ما نقلت عنه “الوطن”.

يوضح الشبيب أن اللبس الذي رافق الإعلان عن الخطوة يرتبط أساساً بالاعتقاد بأن جميع البطاقات الدولية أصبحت قادرة منذ الآن على العمل في جميع المحال السورية، مؤكداً أن هذا التصور غير دقيق، لافتاً إلى أن الإطلاق الحالي يمثل مرحلة أولى يجري خلالها تشغيل الخدمة لدى تجار ومؤسسات مؤهلة، على أن يتوسع نطاقها تدريجياً بحسب الموافقات التنظيمية والجاهزية التشغيلية.

ويتطابق ما أوضحه الشبيب مع ما أعلنته  “كيو إن بي”، التي أوضحت أن الخدمة ستُطرح تدريجياً من خلال ضم التجار المؤهلين، مع خضوع عملية التوسع للمتطلبات والموافقات التنظيمية، مشيرة إلى أن التجار المؤهلين يمكنهم قبول بطاقات “ماستركارد” الدولية عبر أجهزة نقاط البيع التابعة لها، ومن بينهم فنادق ومطاعم وجهات حكومية.

من يقف خلف عملية الدفع؟

يشرح الشبيب كذلك سبب ظهور أكثر من جهة في عملية الدفع الواحدة، بعدما أثار وجود “بيميرا” و”فرنسبنك” تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه الجهات وشبكات الدفع الدولية.

 ويقول إن الحديث عن وجود “وسيط” صحيح جزئياً، لأن عملية الدفع الدولية لا تتم ببساطة بين البطاقة وجهاز نقاط البيع، وإنما تمر عبر منظومة متكاملة تضم الجهة المصدرة للبطاقة، وشبكة الدفع، والبنك المستحوذ، ومشغل نقطة البيع، ومعالج العمليات، وأنظمة التسوية والمطابقة، إلى جانب أنظمة مكافحة الاحتيال وإدارة المخاطر.

منذ أيام أعلنت “فيزا” و”ماستركارد” تنفيذ أولى العمليات الدولية في سوريا- إنترنت

وفي تجربة “فيزا”، تولى “فرنسبنك لبنان” دور الجهة المستحوذة، بينما وفرت “بيميرا” البنية التقنية المحلية اللازمة لتنفيذ العملية، وفي حالة “ماستركارد”، جرى الربط بين  “كيو إن بي سوريا” والشبكة العالمية لـ”ماستركارد”.

 ويؤكد الشبيب أن وجود هذه الأطراف لا يمثل خللاً في العملية ولا يعني أن إحدى الشركات حلت محل شبكة الدفع الدولية، وإنما يعكس النموذج الطبيعي الذي تعمل من خلاله أنظمة الدفع الحديثة.

رسلان يحسم الجدل

كان هذا الجانب تحديداً محور توضيح قدمه حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، بعدما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات تزعم أن عملية الشرع التي جرت ببطاقة “فيزا” تمت عبر شركة تركية وليس عبر “فيزا” نفسها.

ونفى رسلان هذا التوصيف، مؤكداً أن “فيزا” أعلنت رسمياً أن العملية التي جرت في دمشق كانت أول معاملة دولية حية لها في سوريا، وأن “فرنسبنك لبنان” شارك باعتباره جهة مالية، فيما كانت “بيميرا” شريكاً تقنياً ضمن مسار العمل، مؤكداً أن وجود شركة تقنية أو معالج للعمليات لا يعني وجود جهة بديلة عن “فيزا”.

ويميز رسلان بين ما حدث الآن وبعض حالات قبول البطاقات الأجنبية التي كانت موجودة في سوريا سابقاً، مشيراً إلى أن وجود جهاز نقاط بيع أجنبي داخل منشأة سورية لم يكن يعني بالضرورة أن “فيزا” أو “ماستركارد” تعملان في السوق السورية باعتبارها سوق قبول محلية، ففي بعض الحالات السابقة، كان جهاز الدفع موجوداً في دمشق، لكن حساب التاجر وترخيص قبول المدفوعات كانا مرتبطين بجهة مسجلة خارج سوريا.

أما النموذج الحالي، فيقوم على أن يكون التاجر ونقطة القبول معرفين ضمن المنظومة باعتبارهما في سوريا، وأن تكون العملية مرتبطة بحساب تاجر محلي وتنفذ ضمن إطار معتمد وبالتنسيق مع المصرف المركزي.

بدء اكتمال البنية

يقول الشبيب إن سوريا بدأت بالفعل بامتلاك جزء أساسي من البنية المطلوبة لتوسيع المدفوعات الدولية، من نقاط البيع والربط بشبكات الدفع العالمية إلى أنظمة التفويض والتسوية والمعايير الأمنية، لكنه يشدد على أن نجاح عملية أو عدد محدود من العمليات لا يعني اكتمال المنظومة.

ويرى أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من الاختبار إلى الاستخدام اليومي واسع النطاق، وهو ما يتطلب زيادة عدد نقاط البيع والتجار المؤهلين، وتطوير البنية المصرفية، ورفع مستويات أمن المعلومات ومكافحة الاحتيال، والالتزام بمعايير الامتثال الدولية، فضلاً عن تحسين شبكات الاتصالات ومراكز البيانات وأنظمة التسوية.

حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان ينفذ عملية دفع إلكتروني دولية – إنترنت

وتشير الخطوة الخاصة بـ”ماستركارد” إلى أن المسألة تجاوزت بالفعل مجرد اختبار نظري؛ إذ قالت الشركة إن العملية تمت بعد إعادة الربط التقني لمنظومة المدفوعات السورية بشبكتها العالمية، بينما وصفت “كيو إن بي” العملية بأنها أول تطبيق تشغيلي متكامل من هذا النوع في سوريا، من استخدام البطاقة عند نقطة البيع والتفويض الآمن إلى وصول الأموال إلى التاجر عبر النظام المصرفي، لكنها في الوقت نفسه أعلنت اعتماد نهج تدريجي في التوسع، من خلال إدخال التجار المؤهلين على مراحل.

وتشير هذه التفاصيل إلى أن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت بطاقات الدفع الدولية عادت إلى سوريا تحتاج إلى قدر من الدقة، فمن الناحية التقنية، نعم، بدأت العودة بالفعل؛ إذ جرى تنفيذ عمليات حقيقية ببطاقات دولية، وأصبح هناك اتصال فعلي بين منظومة الدفع السورية والشبكات العالمية، لكن من الناحية العملية، لم تصل الخدمة بعد إلى مرحلة يستطيع فيها أي حامل بطاقة دولية استخدامها في أي متجر أو منشأة داخل البلاد.

ويختصر الشبيب جوهر التحدي في ضرورة ألا تتوقف التجربة عند تنفيذ عمليات محدودة، بل أن تتحول إلى منظومة مستقرة وواسعة وآمنة يمكن الاعتماد عليها يومياً، فالقيمة الحقيقية لما حدث، في النهاية، ليست في تمرير بطاقة “فيزا” أو “ماستركارد” عبر جهاز في دمشق، وإنما في قدرة سوريا على تحويل هذا الاتصال الأولي بالشبكات العالمية إلى بنية مالية دائمة تخدم المواطن والتاجر والسائح، وتصبح إحدى أدوات إعادة اندماج الاقتصاد السوري في العالم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم